الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ابن الجصّاص وصودر على مال كثير، وأخذ محمد بن داود وزير ابن المعتز وكان مستترا فقتل. ونفى عليّ بن عيسى بن عليّ إلى واسط، واستأذن من ابن الفرات في المسير إلى مكة فسار إليها على طريق البصرة واقام بها، وصودر القاضي أبو عمر على مائة ألف دينار، وسارت العساكر في طلب الحسين بن حمدان إلى الموصل فلم يظفروا به، وشفع الوزير ابن الفرات في ابن عمرويه صاحب الشرطة وإبراهيم بن كيغلغ وغيرهم. وبسط ابن الفرات الإحسان وأدرّ الأرزاق للعبّاسيين والطالبيّين وأرضى القوّاد بالأموال، ففرّق معظم ما كان في بيت المال، وبعث المقتدر القاسم بن سيما وجماعة من القوّاد في طلب الحسين بن حمدان، فبلغوا قرقيسيا والرحبة ولم يظفروا به، وكتب المقتدر إلى أخيه أبي الهيجاء وهو عامل الموصل بطلبه، فسار مع القاسم بن سيما والقوّاد ولقوة عند تكريت فهزموه، وبعث مع أخيه إبراهيم يستأمن فأمّنوه وجاءوا به إلى بغداد، فخلع عليه المقتدر وعقد له على قمّ وقاشان، وعزل عنها العبّاس بن عمر الغنويّ فسار إليها الحسين، ووصل نارس مولى إسماعيل بن سامان فقلّده المقتدر ديار ربيعة.
ابتداء دولة العبيديّين من الشيعة بإفريقية
نسبة هؤلاء العبيديّين إلى أوّل خلفائهم، وهو عبيد الله المهدي بن محمد الحبيب بن جعفر المصدّق بن محمد المكتوم بن إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق، ولا يلتفت لإنكار هذا النسب، فكتاب المعتضد إلى ابن الأغلب بالقيروان وابن مدرار بسلجماسة يغريهم بالقبض عليه لمّا سار إلى المغرب شاهد بصحّة نسبهم وشعر الشريف الرضي في قوله:
ألبس الذلّ في بلاد الأعادي
…
وبمصر الخليفة العلويّ
من أبوه أبي ومولاه مولاي
…
إذا ضامني البعيد القصيّ
لفّ عرقي بعرقه سيّدا لناس
…
جميعا، محمّد وعليّ
وأما المحضر الّذي ثبت ببغداد أيام القادر بالقدح في نسبهم، وشذّ فيه أعلام الأئمّة مثل القدوري والصهيريّ [1] وأبي العبّاس الأبيورديّ وأبي حامد الأسفراينيّ وأبي الفضل النسويّ وأبي جعفر النسفيّ، ومن العلويّة المرتضى وابن
[1] الصيمري: ابن الأثير ج 7 ص 26.
البطحاوي، وابن الأزرق، وزعيم الشيعة أبو عبد الله بن النعمان، فهي شهادة على السماع. وكان ذلك متّصلا في دولة العبّاسية منذ مائتين من السنين فاشيا في أمصارهم وأعصارهم. والشهادة على السماع في مثله جائزة على أنّها شهادة نفي، ولا تعارض ما ثبت في كتاب المعتضد مع أن طبيعة الوجود في الانقياد لهم، وظهور كلمتهم أدل شيء على صدق نسبهم. وأمّا من جعل نسبهم في اليهودية أو النصرانيّة لميمون القدّاح أو غيره فكفاه إثما تعرّضه لذلك. وأما دعوتهم التي كانوا يدعون لها فقد تقدّم ذكرها في مذاهب الشيعة من مقدّمة الكتاب، وانقسمت مذاهب الشيعة مع اتفاقهم على تفضيل عليّ على جميع الصحابة إلى الزيديّة القائلين بصحة إمامة الشيخين مع فضل عليّ، ويجوّزون إمامة المفضول وهو مذهب زيد الشهيد وأتباعه، والرافضة ويدعون بالإمامية المتبرّءين من الشيخين بإهمالهما وصية النبيّ صلى الله عليه وسلم بخلافة عليّ. مع أنّ هذه الوصية لم تنقل من طريق صحيح، قال بها أحد من السلف الذين يقتض بهم، وإنما هي من أوضاع الرّافضة. وانقسم الرافضة بعد ذلك إلى اثني عشريّة نقلوا الخلافة من جعفر بعد الحسن والحسين وعليّ زين العابدين ومحمد الباقر وجعفر الصادق إلى ابنه موسى الكاظم وولده على سلسلة واحدة إلى تمام الاثني عشر، وهو محمد المهدي وزعموا أنه دخل سردابا وهم في انتظاره إلى الآن. وإلى الإسماعيلية نقلوا الخلافة من جعفر الصادق إلى ابنه إسماعيل، ثم ساقوها في عقبة فمنهم من انتهى بها إلى عبيد الله هذا المهدي، وهم العبيديّون، ومنهم من ساقها إلى يحيى بن عبيد الله بن محمد المكتوم. وهؤلاء طائفة من القرامطة وهي من كذباتهم، ولا يعرف لمحمد بن إسماعيل ولد اسمه عبيد الله. وكان شيعة هؤلاء العبيديّين بالمشرق واليمن وإفريقية. وسار بها إلى إفريقية رجلان يعرف أحدهما بالحلوانيّ والآخر بالسفيانيّ أنفذهما الشيعة إلى هنالك وقالوا لهما: إنّ العرب أرض بور فاذهبا واحرثاها حتى يحيا صاحب البذر، وسارا لذلك ونزلا أرض كتامة، أحدهما ببلد يسمّى سوق حمار. وفشت هذه الدعوة منهما في أهل تلك النواحي من البربر وخصوصا في كتامة، وكانوا يزعمون أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أوصى إلى عليّ بالخلافة بالنصوص الجليّة وعدل عنها الصحابة إلى غيره فوجب البراءة ممن عدل عنها. ثم أوصى عليّ إلى ابنه الحسن ثم الحسن إلى أخيه الحسين، ثم الحسين إلى ابنه عليّ زين العابدين، ثم زين العابدين إلى ابنه محمد الباقر، ثم محمد
الباقر إلى ابنه جعفر الصادق، ثم جعفر الصادق إلى ابنه إسماعيل الإمام، ومنه إلى ابنه محمّد، ويسمّونه المكتوم لأنهم كانوا يكتمون اسمه حذرا عليه. ثم اوصى محمد المكتوم إلى ابنه جعفر المصدق، وجعفر المصدق إلى ابنه محمد الحبيب، ومحمد الحبيب إلى ابنه عبيد الله المهدي الّذي دعا له أبو عبد الله الشيعي. وكانت شيعهم منتشرين في الأرض من اليمن إلى الحجاز والبحرين والطرق وخراسان والكوفة والبصرة والطالقان. وكان محمد الحبيب ينزل سلمية من أرض حمص، وكان عادتهم في كل ناحية يدعون للرضا من آل محمد، ويرومون إظهار الدعوة بحسب ما عليهم.
وكان الشيعة من النواحي يعملون مكيهم في أكبر الأوقات لزيارة قبر الحسين، ثم يعرجون على سلمية لزيارة الأئمة من ولد إسماعيل وكان باليمن من شيعتهم. ثم بعده لأئمة قوم يعرفون ببني موسى ورجل آخر يعرف بمحمّد بن الفضل أصله من جند.
وجاء محمد إلى زيارة الإمام محمد الحبيب، فبعث معه أصحابه رستم بن الحسين بن حوشب بن داود النجّار، وهو كوفيّ الأصل وأمره بإقامة الدعوة، وأنّ المهديّ خارج في هذا الوقت، فسار إلى اليمن ونزل على بني موسى وأظهر الدعوة هنالك للمهدي من آل محمد الّذي ينعتونه بالنعوت المعروفة عندهم، فاتّبعه واستولى على كثير من نواحي اليمن. وكان أبو عبد الله الحسن بن أحمد بن محمد بن زكريا المعروف بالمحتسب، وكان محتسبا بالبصرة. وقيل إنما المحتسب أخوه أبو العبّاس المخطوم وأبو عبد الله يعرف بالعلم. لأنه كان يعرف مذهب الإمامية الباطنية، قد اتّصل بالإمام محمد الحبيب وخبر أهليته، فأرسله إلى أبي حوشب، ولزم مجالسته وأفاد علمه. ثم بعثه مع الحاج اليمني إلى مكّة، وبعث معه عبد الله بن أبي ملّا، فأتى الموسم ولقي به رجالات كتامة مثل حريث الحميليّ وموسى بن مكاد، فاختلط بهم وعكفوا عليه لما رأوا عنده من العبادة والزهد، ووجّه إليهم بدرا من ذلك المذهب، فاغتبط واغتبطوا وارتحل معهم إلى بلدهم ونزل بها منتصف ربيع سنة ثمان وثلاثين، وعيّن لهم مكان منزله بفتح الأحار وأن النصّ عنده من المهديّ بذلك، ولجهره المهدي وأنّ أنصاره الأخيار من أهل زمانه، وأنّ اسم أنصاره مشتق من الكتمان ولم يعيّنه، واجتمع لمناظرته كثير من أهل كتامة فأبى، ثم أطاعوه بعد فتن وحروب. واجتمعوا على دعوته وكانوا يسمّونه أبا عبد الله المشرفي والشيعيّ، ولما اختلف كتامة عليه واجتمع كثير منهم على قتله قام بنصرته الحسن بن هارون، وسار به