الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(الخبر عن دولة المرتضى ابن أخي المنصور)
لما لحق فلّ العسكر بعد مهلك السعيد بمراكش، اجتمع الموحّدون على بيعة السيّد أبي حفص عمر بن السيد أبي إبراهيم إسحاق أخي المنصور، واستقدموه لها من سلا، فلقيه وافدهم بتامسنا من طريقه ومعه أشياخ العرب فبايعوه وتلقّب المرتضى، وعقد ليعقوب بن كانون على بني جابر ولعمّه يعقوب بن جرمون على عرب سفيان بعد أن كان قومه قدّموه عليهم، ودخل الحضرة فاستوزر أبا محمد بن يونس وتقبّض على حاشية السعيد، ثم وصل أخوه السيد أبو إسحاق من الفلّ آخذا على طريق سجلماسة فاستوزره واستبدّ عليه واستولى أبو يحيى بن عبد الحق وبنو مرين إثر مهلك السعيد على رباط تازي من يد السيد أبي علي أخي أبي دبّوس وأخرجوه فلحق بمراكش.
ثم استولوا بعدها على مدينة فاس سنة سبع وأربعين وستمائة كما يذكر في أخبارهم بعد. وفي هذه السنة ثار بسبتة أبو القاسم العزفي وأخرج ابن الشهيد الوالي على سبتة من قرابة الأمير أبي زكريّا صاحب إفريقية، وحوّل الدعوة للمرتضى حسبما يذكر في أخبار الدولة الحفصية وأخبار بني العزفي [1] وفي سنة تسع وأربعين وستمائة وفد على المرتضى موسى بن زيّان الونكاسي وأخوه علي من قبائل بني مرين وأغروه بقتال بني عبد الحق فخرج إليهم ولما انتهى إلى أمان إيملولي [2] أشاع يعقوب بن جرمون قضية الصلح بينهما فأصبحوا راحلين، وقد استولى الجزع على قلوبهم فانفضّوا ووقعت الهزيمة من غير قتال. ووصل المرتضى إلى الحضرة فعزل أبا محمد بن يونس عن الوزارة لشيء بلغه عنه، وأسكنه بحملته مع حاشيته، وفرّ من حملته عليّ بن بدر إلى السوس سنة إحدى وخمسين وستمائة، وجاهر بالعناد. وسرّح إليه السلطان عسكرا من الجند فرجعوا عنه ولم يظفروا به، وتفاقم أمره سنة اثنتين وخمسين وستمائة. وجمع أعراب الشبانات وبني حسّان وحمل أموال ونازل تارودانت فحاصر من كان بها. وسرّح المرتضى إليه عسكرا من الموحّدين فأفرج عنها. ثم رجع بعد قفولهم إلى حاله، وعثر المرتضى على خطابه لقريبة ابن يونس وكتاب ابن يونس إليه بخطه، فاعتقل هو
[1] وفي نسخة أخرى: الغزى.
[2]
وفي نسخة أخرى: يملّولن.
وأولاده ثم قتل.
وفي هذه السنة استدعى مشيخة الخلط إلى الحضرة وقتلوا لما كان منهم في مهلك السعيد. وفيها خرج أبو الحسن بن يعلو في عسكر من الموحّدين إلى تامسنا ليكشف أحوال العرب، ومعه يعقوب بن جرمون، وعهد إليه المرتضى بالقبض على يعقوب ابن محمد بن قيطون شيخ بني جابر، فتقبّض عليه وعلى وزيره ابن مسلم وطيّر بهما إلى الحضرة معتقلين.
وفي سنة ثلاث وخمسين وستمائة خرج المرتضى من مراكش لاسترجاع فاس ونواحيها من يد بني مرين المتغلّبين عليها، فوصل إلى بني بهلول، وزحف إليه بنو مرين وأميرهم أبو يحيى فكانت الهزيمة على الموحّدين بذلك الموضع. ورجع المرتضى مفلولا إلى مراكش، ورعى [1] بني مرين من بعد ذلك سائر أيامه. واستبدّ العزفي بسبتة، وابن الأمير بطنجة كما نذكره في أخبارهم.
وفي سنة خمس وخمسين وستمائة بعث المرتضى إلى السوس عسكرا من الموحّدين لنظر أبي محمد بن أصناك فلقيهم عليّ بن بدر وهزمهم واستبدّ بأمره في السوس. وفي هذه السنة استولى أبو يحيى بن عبد الحق على سجلماسة وتقبّض على واليها عبد الحق بن أصكو بمداخلة من خديم له يعرف بمحمد القطراني بنواحي سلا، فصرف عبد الحق ابنه محمد هذا في مهمّة وقرّبه من بين أهل خدمته، وحدّثته نفسه بالثورة فاستمال عرب المعقل أوّلا بالمشاركة في حاجاتهم عند مخدومه، والإحسان إليهم حتى اشتملوا عليه.
ثم داخل أبا يحيى بن عبد الحق في تمكينه من البلد فجاء بجملته، وقدم وفده إلى البلد رسلا في بعض الحديث فتقبّض محمد القطراني على عبد الحق بن أصكو وأخرجه إلى أبي يحيى بن عبد الحق فقاده وسرّحه إلى مراكش. وكان القطراني شرط على أبي يحيى أن يكون والي سجلماسة فأمضى له شرطه، وأنزل معه بها من رجالات بني مرين حتى إذا هلك أبو يحيى بن عبد الحق أخرجهم محمد القطراني واستبدّ بأمر سجلماسة، وراجع دعوة المرتضى واعتذر إليه واشترط عليه الاستبداد فأمضى له شرطه إلّا في أحكام الشريعة [2] .
[1] وفي نسخة أخرى: مروادع.
[2]
وفي نسخة أخرى: الأحكام الشرعية.
وبعث أبا عمر بن حجّاج قاضيا من الحضرة، وبعض السادات للنظر في القضيّة [1] ، وقائدا من النصارى بعسكر للحماية، فأعمل ابن الحجّاج الحيلة في قتل القطراني وتولّاه قائد النصارى. واستبدّ السيّد بأمر سجلماسة بدعوة المرتضى، واستفحل أمر بني مرين أثناء ذلك. ونزل يعقوب بن عبد الحق بسائط تامسنا، فسرّح إليهم المرتضى عساكر الموحّدين لنظر يحيى بن وانودين فأجفلوا إلى وادي أمّ ربيع، فاتبعهم الموحّدون فرجعوا إليهم، وغدر بهم بنو جابر فانهزم الموحّدون بأمر الرجلين [2] . ولحق شيخ الخلط عيسى بن علي ببني مرين وارتحلوا إلى أوطانهم.
وكان المرتضى قدّم يعقوب بن جرمون على قبائل سفيان، وكان محمد ابن أخيه كانون يناهضه في رياسة قومه، وغصّ به فقتله، وثأر به أخواه مسعود وعليّ بفدفد فقتلاه. وولّى المرتضى مكانه ابنه عبد الرحمن فاستوزر يوسف بن وازرك ويعقوب ابن علوان. وشغل بلذّاته وتصدّى لقطع السابلة، ثم نكث الطاعة ولحق ببني مرين، فولّى مكانه عمّه عبد الله بن جرمون ويكنّى بأبي زمّام. وعقد له المرتضى، ثم أدال منه بأخيه مسعود لعجزه. ووفد على المرتضى عواج بن هلال من أمراء الخلط نازعا إلى طاعته ومفارقا لبني مرين، فأنزل معه أصحابه بمراكش وجاء على أثره عبد الرحمن بن يعقوب بن جرمون، فتقبّض على عواج ودفعه إلى علي بن أبي علي فقتله، وكان تقبّض معه على عبد الرحمن بن يعقوب ووزيره فقتلوا جميعا، واستبدّ برياسة سفيان مسعود بن كانون، وبرياسة بني جابر إسماعيل بن يعقوب بن قيطون.
وفي سنة ستين وستمائة عند رجوع يحيى بن وانودين من واقعة أمّ الرجلين، خرج عسكر من الموحّدين إلى السوس لنظر محمد بن علي الزلماط [3] ولقيه علي بن بدر فهزم جموعه وقتله، وعقد المرتضى من بعده على حرب علي بن بدر للوزير أبي زيد بن بكيت، وسرّح معه عسكرا من الجند، وكان فيهم دنلب من زعماء النصرانيّة، فدارت الحرب بين الفريقين، ولم يكن للموحّدين فيها ظهور على كثرتهم وقوّة جلدهم وحسن بلائهم، فسلبهم عن ذلك تكاسل دنلب وخروجه عن طاعة
[1] وفي نسخة أخرى: للسكنى في القصبة.
[2]
وفي نسخة أخرى: بأم الرجلين.
[3]
كذا في النسخة الباريسية وفي نسخة اخرى: أزلماط