الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكره المسعودي أمة عظيمة بالجيزة التي بينها وبين مصر. وكان لما قرب من هذه القصور شيخهم هنالك بدر بن سالم، وانتقض على الترك وسرحوا إليه العساكر فاستلحموا كثيرا من قومه، وفر إلى ناحية برقة وهو الآن في جوار العرب بها. ومن زناتة هؤلاء أحياء بنواحي تادلا قرب مراكش من الغرب الأقصى، ولهم هنالك كثرة. ويزعم كثير من الناس أنهم بنواحي جابر من عرب جشم، واختلطوا بهم وصاروا في عدادهم، ومنهم أوزاع مفترقون بمصر وقرى الصعيد شاوية وفلاحين، ومنهم أيضا بضواحي بجاية قبيلة يعرفون بلواتة، ينزلون بسيط تاكرارت من أعمالها ويعتمرونها، فدنا لمزارعهم ومسارح لأنعامهم ومشيختهم لهذا العهد في ولد راجح بن صواب منهم، وعليهم للسلطان جباية مفروضة وبعث مضروب. هؤلاء المعروفون من بطون لواتة ولهم شعوب أخرى كثيرة اندرجوا في البطون وتوزعوا بين القبائل، والله وارث الأرض ومن عليها.
(الخبر عن بني فاتن من ضريسة إحدى بطون البرابرة البتر وتصاريف أحوالهم)
وهم بطون مضغرة [1] ولماية وصدينة وكومية ومديونة ومغيلة ومطماطة وملزوزة ومكناسة ودونة، وكلهم من ولد فاتن بن تمصيب بن حريس [2] بن زحيك بن مادغيس الأبتر، ولهم ظهور من البرابر وأخبار، نسردها بطنا بطنا إلى آخرها. مضغرة: وهم من أوفر هذه الشعوب. وكانوا خصاصين آهلين. وكان جمهورهم بالمغرب منذ عهد الإسلام نشبوا في نشر الردة وضروبها [3] . وكان لهم فيها مقامات. ولما استوسق الإسلام في البربر أجازوا إلى فتح الأندلس وأجازت منهم أمم واستقروا هنالك. ولما سرى دين الخارجية أجازوا إلى فتح الأندلس وأجازت منهم أمم واستقرّوا هنالك.
ولما سرى دين الخارجية في البربر أخذ مضغرة هؤلاء برأي الصفرية، وكان شيخهم ميسرة، ويعرف بالجفير مقدما فيه.
[1] وفي نسخة أخرى: مطغرة. وقد مرت معنا من قبل وتكتب على الوجهين.
[2]
وفي نسخة أخرى: تمصيت بن ضريس.
[3]
وفي نسخة أخرى: ونوبة الفتح وشئون الردّة وحروبها.
ولما ولى عبيد الله بن الحبحاب على إفريقية من قبل هشام بن عبد الملك، وأمره أن يمضي إليها من مصر، فقدمها سنة أربع عشرة ومائة واستعمل عمر بن عبد الله المرادي على طنجة والمغرب الأقصى وابنه إسماعيل على السوس وما وراءه. واتصل أمر ولائهم وساءت سيرتهم في البربر ونقموا عليهم أحوالهم، وما كانوا يطالبونهم به من الوصائف البربريات والأردية [1] العسلية الألوان، وأنواع طرف المغرب، فكانوا يتغالبون في جمعهم ذلك وانتحالة. حتى كانت الصرمة من الغنم تهلك بالذبح لاتخاذ الجلود العسلية من سخالها، ولا يوجد فيها مع ذلك إلا الواحد وما قرب منه.
فكثر عيثهم بذلك في أموال البربر وجورهم عليهم، وامتعض لذلك ميسرة الحسن [2] زعيم مضغرة الحسن وحمل البرابرة على الفتك بعمر بن عبد الله عامل طنجة فقتلوه سنة خمس وعشرين [3] ومائة وولى ميسرة مكانه عبد الأعلى بن خديم [4] الإفريقي الرومي الأصل، كان من موالي العرب وأهل خارجيتهم، وكان يرى رأي الصفرية، فولاه ميسرة على طنجة، وتقدم إلى السوس فقتله عامله إسماعيل بن عبد الله، واضطرم المغرب نارا وانتقض أمره على خلفاء المشرق فلم يراجع طاعتهم بعد.
وزحف بعض الحجاب إليه من القيروان في العساكر على مقدمة خالد بن أبي حبيب الفهري، فلقيهم ميسرة في جموع البرابرة فهزم المقدمة واستلحمهم، وقتل خالد.
وتسامع البربر بالأندلس بهذا الخبر فثاروا يعاملهم عقبة بن الحجاج السلولي وعزلوه، وولوا عبد الملك بن قطن الفهري، وبلغ الخبر بذلك إلى هشام بن عبد الملك فسرح كلثوم بن عياض المري في اثني عشر الفا من جنود الشام، وولاه على إفريقية وأدال به من عبيد الله بن الحبحاب (القسم الثاني المجلد السادس) وزحف كلثوم إلى البرابرة سنة ثلاث وعشرين ومائة حتى انتهت مقدمته الى اسبو من أعمال طنجة فلقيه البرابرة هنالك مع ميسرة وقد فحصوا عن أوساط رءوسهم ونادوا بشعار الخارجية فهزموا مقدمته ثم هزموه وقتلوه.
[1] وفي نسخة أخرى: الأفرية.
[2]
وفي نسخة أخرى: ميسرة الحفيد وقد ذكر من قبل الحفير.
[3]
وفي النسخة التونسية: سنة اثنتين وعشرين.
[4]
وفي نسخة أخرى: عبد الأعلى بن خدع.
وكان كيدهم في لقائهم إياه، وملئوا الشنان بالحجارة وربطوها بأذناب الخيل تنادي بها فتقعقع الحجارة في شنانها، وسرّبت [1] بمصاف العساكر من العرب فنفرت خيولهم واختل مصافهم وانجرب عليهم الهزيمة فافترقوا، وذهب بلج [2] مع الطلائع من أهل الشام إلى سبتة كما ذكرناه في أخبارهم. ورجع إلى القيروان أهل مصر وإفريقية، وظهرت الخوارج في كل جهة، واقتطع المغرب عن طاعة الخلفاء إلى أن هلك ميسرة، وقام برياسة مضغرة من بعده يحيى بن حارث منهم، وكان خلفا لمحمد بن خزر ومغراوة. ثم كان من بعد ذلك ظهور إدريس بالمغرب، فقدم بها البرابرة وتولى كبرها أوربة منهم كما ذكرناه. وكان على مضغرة يومئذ شيخهم بهلول بن عبد الواحد، فانحرف مالك عن إدريس إلى طاعة هارون الرشيد بمداخله إبراهيم بن الأغلب عامل القيروان، فصالحه إدريس وأنبأه بالسلم.
ثم ركد ريح مضغرة من بعد ذلك وافترق جمعهم، وجرت الدول عليهم أذيالها واندرجوا في عمال البربر الغارمين لهذا العهد بتلول المغرب وصحرائه. فمنهم ما بين فاس وتلمسان أمم يتصلون بكومية ويدخلون حلفهم، واندرجوا من لدن الدعوة الموحدية منهم ورياستهم لولد خليفة. كان شيخهم على عهد الموحدين، وبنى لهم حصنا بمواطنهم على ساحل البحر سمى تاونت. ولما انصرفت دولة بني عبد المؤمن واستولى بنو مرين على المغرب قام هارون بن موسى بن خليفة بدعوة يعقوب بن عبد الحق سلطانهم، وتغلّب على ندرومة، وزحف إليه يغمراسن بن زيان فاسترجع ندرومة من يده، وغلبه على تاونت. ثم زحف يعقوب بن عبد الحق إليهم وأخذها من أيديهم وشحنها بالأقوات، واستعمل هارون ورجع إلى المغرب فحدث هارون نفسه بالاستبداد، فدعا لنفسه معتصما بذلك الحصن خمس سنين.
ثم صاهره يغمراسن واستنزله على صلح سنة اثنتين وسبعين وستمائة. ولحق هارون بيعقوب بن عبد الحق. ثم أجاز إلى الجهاد بإذنه واستشهد هنالك. وقام بأمر مضغرة من بعده أخوه تاشفين إلى أن هلك سنة ثلاث وسبعمائة. واتصلت رياستهم على عقبه لهذا العهد. ومن قبائل مضغرة أمة بجبل قبلة فاس معروف بهم. ومنهم أيضا قبائل كثيرون بنواحي سجلماسة وأكثر أهلها منهم. وربما حدثت بها عصبية من جراهم.
[1] وفي نسخة أخرى: ومرّت.
[2]
هو بلج بن بشر العبسيّ.
ومن قبائل مضغرة أيضا بصحراء المغرب كثيرون نزلوا بقصورها واغترسوا شجرة النخل على طريقة العرب، فمنهم بتوات قبلة سجلماسة إلى تمنطيت آخر عملها، قوم كثيرون موطنون مع غيرهم من أصناف البربر.
ومنهم في قبلة تلمسان وعلى ستة مراحل منها، وهي قصور متقاربة بعضها من بعض ائتلف منها مصر كبير مستبحر بالعمران البدوي، معدود في آحاد الأمصار بالصحراء، ضاح من ظلّ الملك والدول لبعده في القفر. ورياسته في بني سيد الملك منهم. وفي شرقيها وعلى مراحل منها قرى أخرى متتابعة على سمتها متصاعدة قليلا إلى الجوف، آخرها على مرحلة من قبلة جبل راشد. وهي في مجالات بني عامر من زغبة وأوطانهم من القفر، وقد تملكوها لحظ أبنائهم [1] وقضاء حاجاتهم حتى نسبت إليهم في الشهرة. وفي جهة الشرق على هذه القصور وعلى خمس مراحل منها دامعة متوغلة في القفر تعرف بقليعة. الآن يعتمرها رهط من مضغرة هؤلاء. وينتهي إليها ظواعن عن الملثمين من أهل الصحراء بعض السنين إذا لفحهم الهجير، يستبردون في تلولها لتوغلها في ناحيتهم. ومن مضغرة هؤلاء أوزاع في أعمال المغرب الأوسط وإفريقية وللَّه الخلق جميعا.
(لماية) وهم بطون [2] كما ذكرناه أخوه مضغرة، ولهم بطون كثير عدّ منها سابق وأصحابه بنو زكرمار [3] ومزيزة ومليزة بنو مدنيين [4] كلهم من لماية. وكانوا ظواعن بإفريقية والمغرب، وكان جمهورهم بالمغرب الأوسط موطنين بسحومة مما يلي الصحراء. ولما سرى دين الخارجية في البربر أخذوا برأي الاباضية ودانوا به وانتحلوه وانتحله جيرانهم من مواطنهم تلك من لواتة وهوارة. وكانوا بأرض السرسو قبلة منداس وزواغة وكانوا في ناحية الغرب عنهم. وكانت مطماطة ومكناسة وزناتة جميعا في ناحية الجوف والشرق، فكانوا جميعا على دين الخارجية، وعلى رأي الاباضية منهم. وكان عبد الرحمن بن رستم من مسلمة الفتح، وهو من ولد رستم أمير الفرس بالقادسية، وقدم إلى إفريقية مع طوالع الفتح فكان بها. وأخذ بدين الخارجية
[1] وفي نسخة أخرى: لحطّ أثقالهم.
[2]
بياض بالأصل وفي النسخة التونسية: بطون فاتن بن تمزيت. وفي نسخة أخرى: تمصيت.
[3]
وفي نسخة أخرى: بنو زكوفا.
[4]
وفي النسخة الباريسية: بنو مدين.
والاباضية منهم. وكان صنيعة للمتة وحليفا لهم [1] .
ولما تحزب الاباضية بناحية طرابلس منكرين على ورفجومة فعلهم في القيروان كما مر، واجتمعوا إلى ابن الخطاب عبد الأعلى بن السمح المغافري إمام الاباضية فملكوا طرابلس، ثم ملكوا القيروان، وقتل واليها من ورفجومة عبد الملك بن أبي الجعد، وأثخنوا في ورفجومة وسائر مغراوة [2] سنة إحدى وأربعين ومائة ورجع أبو الخطاب والاباضية الذين معه من زناتة وهوارة وغيرهم بعد ان استخلف على القيروان عبد الرحمن بن رستم. وبلغ الخبر بفتنة ورفجومة هذه واضطراب الخوارج من البربر بإفريقية والمغرب وتسلقهم على الكرسي للإمارة بالقيروان إلى المنصور أبي جعفر فسرح محمد بن الأشعث الخزاعي في العساكر إلى إفريقية، وقلده حرب الخوارج بها، فقدمها سنة أربع وأربعين ومائة ولقيهم أبو الخطاب في جموعه قريبا من طرابلس فأوقع به ابن الأشعث وبقومه. وقتل أبو الخطاب وطار الخبر بذلك إلى عبد الرحمن بن رستم بمكان إمارته في القيروان، فاحتمل أهله وولده ولحق باباضية المغرب الأوسط من البرابرة الذين ذكرناهم، ونزل على لماية لقديم حلف بينه وبينهم، فاجتمعوا إليه وبايعوا له بالخلافة. وائتمروا في بناء مدينة ينصبون بها كرسي لإمارتهم، فشرعوا في بناء مدينة تاهرت في سفح جبل كزول السياح على تلول منداس، واختطوها على وادي ميناس النابعة منه عيون بالقبلة، وتمر بها وبالبطحاء إلى أن تصب في وادي شلف. فأسسها عبد الرحمن بن رستم واختطها سنة أربع وأربعين ومائة فتمدّنت واتسعت خطتها إلى أن هلك عبد الرحمن، وولي ابنه عبد الوهاب من بعده، وكان رأس الاباضية.
وزحف سنة ست وسبعين ومائة مع هوارة إلى طرابلس وبها عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب من قبل أبيه فحاصره في جموع الاباضية من البربر إلى أن هلك إبراهيم بن الأغلب واستقدم عبد الله بن الأغلب لإمارته بالقيروان، فصالح عبد الوهاب على أن تكون الصباحية لهم وانصرف الى مقوسة ولحق عبد الله بالقيروان، وولّى عبد الوهاب ابنه ميمونا، وكان رأس الأباضيّة والصفريّة والواصليّة. وانصرف إلى مقوسة والصفريّة والواصليّة. وكان يسلم عليه بالخلافة، وكان أتباعه من الواصلية وحدهم
[1] وفي نسخة أخرى: وكان شيعة لليمنية وحليفا لهم.
[2]
وفي نسخة أخرى: نفزاوة.
ثلاثين ألفا ظواعن ساكنين بالخيام. ولم يزل الملك في بني رستم هؤلاء بتاهرت وحازتهم جيرانهم من مغراوة وبني يفرن على الدخول في طاعة الأدارسة لما ملكوا تلمسان. وأخذت بها زناتة من لدن ثلاث وسبعين ومائة فامتنعوا عليهم سائر أيامهم، إلى أن كان استيلاء أبي عبد الله الشيعي على إفريقية والمغرب سنة ست وسبعين ومائة فغلبهم على مدينة تاهرت وابتزهم ملكهم بها.
وبثّ دعوة عبد الله في أقطار المغربين، فانقرض أمرهم بظهور هذه الدولة وعهد عروبة بن يوسف الكتامي فاتح المغرب للشيعة على تاهرت لأبي حميد دوّاس بن صولان الهيصيّ فغدا إلى المغرب سنة ثمان وتسعين ومائة فأمحى في مؤامرتها الاباضية من لماية وازداجة ولواتة ومكناسة ومطماطة، وحملهم على دين الرافضة وشيخ [1] بها دين الخارجية حتى استحكم في عقائدهم. ثم وليها أيام إسماعيل المنصور ابن صلاص بن حبوس [2] . ثم نزع إلى دعوة الأموية وراء البحر، ولحق بالخير بن محمد بن خزر صاحب دعوتهم في زناتة. واستعمل المنصور بعده على تاهرت ميسورا الحصني [3] مولاه وأحمد بن الزجالي من صنائعه، فزحف إليها حميد والخير وانهزم ميسور.
واقتحموا تاهرت عنده وتعصّبوا على أحمد الزجالي وميسور إلى أن أطلقوهما بعد حين.
ولم تزل تاهرت هذه بعد لأعمال الشيعة وصنهاجة سائر أيامهم، وتغلّب عليها زناتة مرارا ونازلها عسكر بني أمية راجعة في أثر زيري بن عطية أمير المغرب من مغراوة أيام أجاز المظفر بن أبي عامر من العدوة إلى حربه. ولم يزل الشأن هذا إلى أن انقرض أمر تلك الدول، وصار أمر المغرب الى لمتونة. ثم صار إلى دولة الموحدين من بعدهم، وملكوا المغربين. وخرج عليهم بنو غانية بناحية قابس، ولم يزل يجيء منهم جلب على ثغور الموحّدين وشنّ الغارات على بسائط إفريقية والمغرب الأوسط. وتكرر دخوله إليها عنوة مرّة بعد أخرى إلى أن احتمل سكانها وخلا جوّها وعفا رسمها لما يناهز عشرون من المائة السابعة، والأرض للَّه.
(وأما قبائل لماية) فانقرضوا وهلكوا بهلاك مصرهم الّذي اختطوه وحازوه وملكوه سنّة
[1] وفي نسخة أخرى: فسخ.
[2]
وفي نسخة أخرى: إسماعيل المنصور بصلاصن بن حبوس.
[3]
وفي نسخة أخرى: الخصيّ.
الله في عباده. وبقيت فرق منهم أوزاعا في القبائل، ومنهم جربة الذين سميت بهم الجزيرة البحرية تجاه ساحل قابس، وهم بها لهذا العهد. وقد كان النصرانية من أهل صقلّيّة ملكوها على من بها من المسلمين، وهي قبائل لماية وكتامة مثل: جربة وسدويكش ووضعوا عليهم الجزية وشيّدوا على ساحل البحر بها معقلا كافيا لإمارتهم سمّوه القشتيل. وطال تمرّس العساكر به من حضرة الدولة الحفصية بتونس حتى كان افتتاحها أعوام ثمان وثلاثين من المائة الثامنة في دولة مولانا السلطان أبي بكر، وعلى يد مخلوف بن الكماد من صنائعه. واستقرت بها الدعوة الإسلامية إلى هذا العهد. إلا أن القبائل الذين بها من البربر لم يزالوا يدينون لدين الخارجيّة ويتدارسون مذاهبهم مجلدات تشتمل على تآليف لأئمتهم في قواعد ديانتهم وأصول عقائدهم وفروع مذاهبهم يتناقلونها ويعكفون على دراستها وقراءتها والله خلقكم وما تعملون.
(مطماطة) وهم إخوة مضغرة ولماية من ولد فاتن بن تمصيت الذين مرّ ذكرهم، وهم شعوب كثيرة. وعن سابق المطماطي وأصحابه من النسابة أن اسم مطماط مصكاب، ومطماط لقب له وأن شعوبهم من لوا بن مطماط وأنه كان له ولد آخر اسمه ورنشيط، ولم يذكروا له عقبا قالوا: وكان للوا أربعة من الولد: ورماس ومبلاغر ووريكول ويليص [1] . ولم يعقب يليص وأعقب الثلاثة الباقون، ومنهم افترقت شعوب مطماطة كلّها، فأما ورماس فمنه مصمود ويونس ويفرين، وأما وريكول فكان له من الولد كلدام وسيده وقيدر [2] ولم يعقب سيده ولا قيدر وكان لكلدام عصفراص وسليايان فمن سليايان وريغني ووصدى وقسطايان وعمرو ويقال لهؤلاء الخمسة بنو وصطلودة سمّوا بأمهم. وكان لعصفراص زهاص ونهراص [3] فمن عصفراص ورهل وحامد وسكوم [4] ، ويقال لهم بنو تليكشان [5] سمّوا بأمهم وكان من زهاص بلست وبصلاتين فمن بلست ورسقلاسن وسكر ومحمد ومكريل ودكوال [6] . ومن يصلاسن بان يولى وسمساسن ومسامر وملوسن ويحمد ونافع وعبد الله
[1] وفي نسخة أخرى: ورماكسن ويلاغف ووريكول ويليصن.
[2]
وفي نسخة أخرى: كلثام ومسيده وفيدن.
[3]
وفي نسخة أخرى: وكان لعصفراصن يرهاض ويصراصن.
[4]
وفي نسخة أخرى: فمن يصراصن ورتجين ووريكول وجليدا وسكوم.
[5]
وفي نسخة أخرى: تليفكتان.
[6]
وفي نسخة أخرى: وكان ليزهاض بليث ويصلاسن فمن بليث ورسفلاسن وسكن ومحمد ومكديل ودكوال.
وعردابين [1] وأما يلاغف بن لوا بن مطماط فكان له من الولد دحيا وتاينة فمن تاينة ماحرسكن وريغ وعجلان ومقام وقرة [2] . وكان لدحيا ورتجى ومحديل. فمن ورتجى مغرين وبور ورسيكم وممجيس. ومن محديل ماكور وأشكول وكفلان ومذكور وفطارة وأبورة [3] . هذه شعوب مطماطة كما ذكر نسّابة البربر سابق وأصحابه، وهم مفرقون في المواطن، فمنهم من نواحي فاس من قبلتها في جبل هنالك معروف بهم ما بين فاس وصفروى، ومنهم بجهات قابس والبلد المختط على العين الحامية من جهة غربها، منسوب إليهم. ولهذا العهد يقال حمة مطماطة، ويأتي ذكرها في الدولة الحفصيّة وممالك إفريقية وبقاياهم أوزاع من القبائل، وكانت مواطن جمهورهم بتلول منداس عند جبل وانشريس وجبل كزول من نواحي تاهرت. وكان لهم بتلك المواطن عزم بدولة صنهاجة واستفحال وصولة. وفي فتنة حمّاد بن بلكّين مع باديس المنصور مقامات وآثار. وكان كبيرهم يومئذ عزانة، وكانت له مع البرابرة المجاورين له من لواتة وغيرهم حروب وأيام.
(ولما هلك) عزانة قام بأمره في مطماطة ابنه زيري فمكث فيهم أياما. ثم غلبت صنهاجة على أمره فأجاز البحر إلى العدوة، ونزل على المنصور بن أبي عامر فاصطنعه ونظمه في طبقة الأمراء من البربر الذين كانوا في جملته، واستظهره على أمره فكان من أوجه رجالهم عنده، وأعظمهم قدرا لديه، إلى أن هلك، وأجراه ابنه المظفّر من بعده وأخوه عبد الرحمن الناصر على سنن أبيهما في ترفيع مكانه وإخلاص ولايته، وكان عند ثورة محمد بن هشام بن عبد الجبّار غائبا مع أبي عامر في أعراب النعمان مع من كان معه من أمراء البربر وعرفائهم. فلما رأوا انتقاض أمره وسوء تدبيره لحقوا بمحمد بن هشام المهدي فكانوا معه إلى أن كانت الفتنة البربرية بالأندلس إلى أن هلك هنالك. ولا أدري أي السنين كان مهلكه. وأجاز إلى الأندلس أيضا من فصالهم بهلا بهلا من أبي لواي يصلاص [4] ونزل على الناصر، وهو من أهل العلم
[1] وفي نسخة أخرى: ومن يصلاسن: فان يولين ويتماسن وماركسن ومسافر وفلوسن وربجيد ونافع وعبد الله وغرزاي.
[2]
وفي نسخة أخرى: وكان له من الولد دهيا وثابتة فمن ثابتة ماجرسن وريغ وعجلان ويغام وقرة.
[3]
وفي نسخة أخرى: وكان لدهيا ورتجى ومجلين. فمن ورتجى مقرين وثور وسكم وعمجميس. ومن مجلين ماكور وأشكول وكيلان ومذكون وقطارة وأبورة.
[4]
وفي نسخة أخرى: وأجاز إلى الأندلس أيضا من رجالاتهم كهلان بن أبي لوا بن يصلاصن.
بأنساب البربر. (وكان من مشاهيرهم) أيضا النسّابة سابق بن سليمان بن حرّاث بن مولات بن دوياسر [1] وهو كبير نسّابة البربر ممن علمناه. (وكان منهم) أيضا عبد الله بن إدريس كاتب الخراج لعبيد الله المهدي في آخرين يطول ذكرهم أهـ.
[1] وفي نسخة أخرى: دوفاس.
وهذا ما تلقيناه من أخبار مطماطة (وأما موطن منداس) فزعم بعض الأخباريّين من البربر ووقفت على كتابه في ذلك أنه سمّي بمنداس بن مغر بن أوريغ بن لهرر بن المساو وهو هوارة [1] وكأنه والله أعلم يشير إلى أداس بن زحيك الّذي يقال إنه ربيب هوّار كما يأتي في ذكرهم، إلا أنه اختلط عليه الأمر. وكان لمنداس من الولد شراوة وكلتوم وتبكم [2] . قال: ولما استفحل أمر مطماطة وكان شيخهم لهذا العهد إهاص ابن عصفراص فأخرج منداس من الوطن وغلبه على أمره، واعتمر بنوه موطن منداس ولم يزالوا به أهـ. كلامه ولقيه هؤلاء القوم لهذا العهد بجبل أوتبتيش [3] ، لحقوا به لما غلبهم بنو توجين من زناتة على منداس وصاروا في عداد قبائل الغارمة.
والله وارث الأرض ومن عليها.
(مغيلة) وهم إخوة مطماطة ولماية كما قلناه، وإخوتهم ملزوزة معدودون منهم.
وكذلك دونة وكشاتة ولهم افتراق في الوطن. وكان منهم جمهوران: أحدهما بالمغرب الأوسط عند مصب شلف في البحر من صوادر مادونه [4] ، المصر لهذا العهد. ومن ساحلهم أجاز عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس ونزل بالمنكب فكان منهم أبو قرة المغيلي الدائن بدين الصّفريّة من الخوارج ملك أربعين سنة. وكانت بينه وبين أمراء العرب بالقيروان لأول دولة بني العبّاس حروب ونازل طبنة. وقد قيل إن أبا قرة هذا من بني مطماطة وهذا عندي صحيح. فلذلك أخّرت ذكر أخباره إلى أخبار بني يفرن من زناتة.
(وكان) منهم أيضا أبو حسان ثار بإفريقية لأوّل الإسلام، وأبو حاتم يعقوب بن لبيب بن مرين بن يطوفت من مازور الثائر مع أبي قرة سنة خمسين ومائة. وتغلّب على القيروان فيما ذكر خالد بن خراش وخليفة بن خياط من علمائهم. وذكروا من رؤسائهم أيضا موسى بن خليد ومليح بن علوان وحسّان بن زروال الداخل مع عبد الرحمن. وكان منهم أيضا دلول بن حمّاد أميرا في سلطان يعلى بن محمد اليفرني، وهو الّذي اختطّ بلد ايكري على اثني عشر ميلا من البحر، وهي لهذا العهد خراب لم
[1] وفي نسخة أخرى: منداس بن مغر بن أوريغ بن كبوري بن المثنى وهو هوار.
[2]
وفي نسخة أخرى: تكّم.
[3]
وفي نسخة أخرى: جبل وادشنيش.
[4]
وفي نسخة أخرى: من ضواحي مازونة.
يبق منها إلّا الأطلال ماثلة. ولم يبق من مغيلة بذلك الوطن جمع ولا حيّ. وكان جمهورهم الآخر بالمغرب الأقصى وهم الذين تولوا مع أوربة وصدينة القيام بدعوة إدريس بن عبد الله لمّا لحق بالمغرب وأجازه، وحملوا قبائل البربر على طاعته والدخول في أمره. ولم يزالوا على ذلك إلى أن اضمحلت دولة الأدارسة وبقاياهم لهذا العهد بمواطنهم ما بين فاس وصفرون ومكناسة والله وارث الأرض ومن عليها.
(مديونة) وهم من إخوة مغيلة ومطماطة من ولد فاس كما قلناه، وكانت مواطن جمهورهم بنواحي تلمسان ما بين جبل بني راشد لهذا العهد إلى الجبل المعروف بهم قبلة وجدة، يتقلّبون بظواعنهم في ضواحيه وجهاته. وكان بنو يلومي وبنو يفرن من قبلهم يجاورونهم من ناحية المشرق، ومكناسة من ناحية المغرب وكومية وولهاصة من جهة الساحل.
(وكان) من رجالاتهم المذكورين جرير بن مسعود كان أميرا عليهم، وكان مع أبي حاتم وأبي قرة في فتنتهم، وأجاز إلى الأندلس في طوالع الفتح كثير منهم، فكان لهم هنالك استفحال. وخرج هلال بن أبزيا منهم يشتدّ به [1] على عبد الرحمن الداخل متبعا شقيا المكناسي في خروجه. ثم راجع الطاعة فقتله وكتب له على قومه، فكان بشرق الأندلس، وشنت مريّة. ثم خلفه بها من قومه نابتة بن عامر. ولما تغلّب بنو توجين وبنو راشد من زناتة على ضواحي المغرب الأوسط وكان مديونة هؤلاء قد قلّ عددهم وفلّ حدّهم فداخلتهم زناتة على الضواحي من مواطنهم وتملكوها، وصارت مديونة إلى الحصون من بلاده بجبل ماساله [2] وجبل وجده المعروف بهم. وضربت عليهم المغارم وتمرست بهم بهم الأيام، فلم يبق منهم هنالك إلا صبابة محترفون بالفلح. ومنهم أيضا أوزاع في القبائل مندرجون فيهم. وبنواحي فاس ما بينها وبين صفرون قبيلة منهم مجاورة لمغيلة، والله يرث الأرض ومن عليها.
كومية وهم المعروفون قديما بصطفورة إخوة مطاية ومضغرة، وهم من ولد فاتن كما قدّمنا، ولهم ثلاث بطون منها تفرّعت شعوبهم وقبائلهم وهي ندرومة ومغارة [3]
[1] وفي نسخة أخرى: بشنتمرية وتسمى اليوم فارو وتقع في البرتغال وهي عاصمة المقاطعة التي تسمى اليوم الغرب (مجلة البيّنة/ 35) .
[2]
وفي نسخة أخرى: تاسالة، وهي بلاد جبلية قريبة من الشاطئ قبائل المغرب/ 52.
[3]
وفي نسخة أخرى: صفاره.
وبنو يلول، فمن ندرومة مفوطة وحرسة ومردة ومصمانة ومراتة ومن بني يلول مسيقة ورتيوة وهنشبة وهيوارة ووالغة. ومن مغارة ملتيلة وبنو حباسة [1] وكان منهم النسّابة المشهور ماني بن مصدور بن مريس بن نقوط هذا هو المعروف في كتبهم. وكانت مواطن كومية بالمغرب الأوسط لسيف البحر من ناحية أرشكول وتلمسان. وكان لهم كثرة موفورة وشوكة مرهوبة. وصاروا من أعظم قبائل الموحّدين لما ظاهروا المصامدة على أمر المهدي وكلمة توحيده. وربّما كانوا رهط عبد المؤمن صاحبه وخليفته، فإنه كان من بني عابد أحد بيوتاتهم، وهم عبد المؤمن بن علي بن مخلوف بن يعلي بن مروان بن نصر بن علي بن عامر بن الأمير بن موسى بن عبد الله بن يحيى بن وريغ بن صطفور هكذا نسبه مؤرّخو دولة الموحّدين إلى صطفور. ثم يقولون صطفور بن نفور ابن مطماط بن هودج بن قيس عيلان بن مضر. ويذكر بعضهم أنّ في خط أبي عبد الواحد المخلوع ابن يوسف بن عبد المؤمن فأما انتسابهم في قيس عيلان فقد ذكرنا أنه غير صحيح. وفي أسماء هذا العمود من نسب عبد المؤمن ما يدلّ على أنه مصنوع، إذ هذه الأسماء ليست من أسماء البربر وإنما هي كما تراه كلها عربية والقوم كانوا من البرابرة معروفون بينهم، وانتساب صطفور إلى مطماط تخليط أيضا فإنّهما أخوان عند نسّابة البربر أجمع، وعبد المؤمن بلا شك منهم، والله أعلم بما سوى ذلك.
وكان عبد المؤمن هذا من بيوتاتهم وأشرافهم وموطنهم بتاكرارت، وهو حصن في الجبل المطل على هنين من ناحية الشرق. ولما نجح عبد المؤمن منهم وثب وارتحل في طلب العلم فنزل بتلمسان، وأخذ عن مشيختها مثل ابن صاحب الصلاة وعبد السلام البرنسي [2] وكان فقيها صالحا، وهو ضجيع الشيخ أبي مدين في تربته. ولما هلك عبد السلام هذا، ولم يحذق تلميذه بعد في فنونه وكان شيخ عصره في الفقه والكلام. تعطّش التلميذ بعده إلى القراءة، وبلغهم خبر الفقيه محمد بن تومرت المهدي، ووصل إلى بجاية، وكان يعرف إذ ذاك بالفقيه السوسي ونسبته إلى السوس.
[1] وفي نسخة أخرى: فمن ندرومه نغوطة وحرسة وفردة وهفافة وفراثة، ومن بني يلول: مسيفة ووثيوة وهبيشة وهيوارة ووالغة. ومن صغارة ماتيلة وبنو حيّاسة.
[2]
وفي نسخة أخرى: التونسي.
ولم يكن لقب المهدي وضع عليه بعده.
وكان في ارتحاله من المشرق إلى المغرب قد أخذ نفسه مع تغيير المنكر الّذي شأنه وطريقته نشر العلم وتبين الفتاوى وتدريس الفقه والكلام. وكان له في طريقته الأشعرية إمامة وقدم راسخة. وهو الّذي أدخلها إلى المغرب كما ذكرناه، وتشوق طلبة العلم بتلمسان إلى الأخذ عنه وتفاوضوا في ذلك، وندب بعضهم بعضا إلى الرحلة إليه لاستجلابه، وأن يكون له السبق باتحاف القطر بعلومه، فانتدب لها عبد المؤمن بن عليّ مكانه من صغر السن بنشاطه للسفر لبداوته، فارتحل إلى بجاية للقائه وترغيبه في نزوله تلمسان فلقيه بملالة، وقد استحكمت بينه وبين العزيز النفرة وبنو ورياكل متعصّبون على إجارته منهم، ومنعه من إذايته والوصول إليه. فألقى إليه عبد المؤمن ما عنده من الترغيب، وأدّى إليه رسالة طلبة العلم بتلمسان فوعاها، وشأنه غير شأنهم.
وعكف عبد المؤمن على التعليم والأخذ عنه في ظعنه ومقامه. وارتحل إلى المغرب في صحابته، وصدق في العلم وآثره الإمام بمزيد الخصوصية والقرب، بما خصّه الله به من الفهم والوعي للتعليم، حتى كأنه خالصة لإمام وكنز صحابته. وكان يؤمله لخلافته لما ظهر عليه من الشواهد المدوّنة بذلك. ولما اجتازوا في طريقهم إلى المغرب بالثعالبة من موطن العرب الذين ذكرناهم قبل في نواحي المدينة، قرّبوا إليه حمارا فارها يتّخذه له عطية لمركوبه، فكان يؤثر به عبد المؤمن ويقول لأصحابه: أركبوه الحمار يركبكم الخيول المسوّمة. ولما بويع له بهرغة سنة خمس عشرة وخمسمائة، واتفقت على دعوته كلمة المصامدة وحاربوا لمتونة نازلوا مراكش.
وكانت بينهم في بعض أيام منازلتها حرب شديدة هلك فيها من الموحّدين الألف، فقيل للإمام إنّ الموحّدين قد هلكوا. فقال لهم: ما فعل عبد المؤمن؟ قالوا هو على جواده الأدهم قد أحسن البلاء. فقال ما بقي عبد المؤمن فلم يهلك أحد. ولما احتضر الإمام سنة اثنتين وعشرين [وخمسمائة] عهد بخلافته في أمره لعبد المؤمن، واستراب من العصبية بين المصامدة فكتم موت المهدي وأرجأ أمره حتى صرّح الشيخ أبو حفص أمير هنتاتة وكبير المصامدة لمصاهرته. وأمضى عهد الإمام فيه فقام بالأمر واستبد بشياخة الموحّدين وخلافة المسلمين. ونهض سنة سبع وثلاثين وخمسمائة إلى فتح المغرب فدانت له غمارة. ثم ارتحل منها إلى الريف ثم إلى بطوية، ثم إلى