الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العبّاس عن قسنطينة دار إمارته ومثوى عزّه ومنبت ملكه، فأوعز إلى عاملها منصور ابن مخلوف بالنزول له عنها وسرّحه إليها وسرّح معه الأمير أبا عبد الله ابن عمّه لطلب حقّه في بجاية، والاجلاب على عمّه السلطان عبد الحق جزاء بما نال من بني مرين عند افتتاحها من المعرّة. وارتحلوا من تلمسان في جمادى من سنة إحدى وستين وسبعمائة وأغذّوا السير إلى مواطنهم. فأمّا السلطان أبو العباس فوقف منصور بن خلوف عامل البلد على خطاب سلطانه بالنزول عن قسنطينة فنزل وأسلمها إليه، وأمكنه منها فدخلها شهر رمضان سنة إحدى وستين وسبعمائة واقتعد سرير ملكه منها وتباشرت بعودته مقاصر قصورها فكانت مبدأ سلطانه ومظهرا لسعادته ومطلعا لدولته على ما نذكر بعد. وأمّا الأمير أبو عبد الله صاحب بجاية فلحق بأوّل وطنها، واجتمع إليه أولاد سبّاع أهل ضاحيتها وقفرها من الزواودة. ثم زحف إليها فنازلها أياما وامتنعت عليه فرحل عنها إلى بني ياورار، واستخدم أولاد محمد بن يوسف والعزيز بين أهل ضاحيتها من سدويكش. ثم نزعوا عنه إلى خدمة عمّه ببجاية فخرج إلى القفر مع الزواودة إلى أن كان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
(الخبر عن وصول الأمير أبي يحيى زكريا من تونس وافتتاحه بونة واستيلائه عليها)
كان الأمير أبو يحيى زكريا منذ بعثه أخوه أبو العبّاس إلى عمّهما السلطان أبي إسحاق صريخا لم يزل مقيما بتونس، وبلغه استيلاء السلطان أبي عنّان على قسنطينة وهو بتونس ثم لما كانت عودة مولانا أبي العبّاس من المغرب واستيلاؤه على قسنطينة فخشي الحاجب أبو محمد بن تافراكين بادرته، وتوقع زحفه إليها [1] وغلبه إياه على الأمر. ورأى أن يخفض [2] جناحه في أخيه، ويتوثّق به فاعتقله بالقصبة تحت كرامة ورعي، وبعث فيه السلطان أبو الحسن بعد مراوضة في السلم فأطلقه وانعقد بينهما السلم. ولمّا وصل الأمير أبو يحيى ابن أخيه بقسنطينة عقد له عن العساكر
[1] وفي نسخة ثانية: إليه.
[2]
وفي نسخة ثانية: يحصر.
وأصاروها نجما لعمله واستمرّت حالها على ذلك إلى أن كان من أمرها ما نذكره إن شاء الله تعالى.
(الخبر عن استيلاء الأمير أبي عبد الله على بجاية ثم على تدلس بعدها) لما قدم السلطان أبو عبد الله من المغرب ونازل بجاية فامتنعت عليه خرج إلى أحياء العرب كما قدّمناه ولزم صحابته أولاد يحيى بن علي بن سبّاع بعد توالي الوفاد بها [1] وأقام بين ظهرانيهم وفي حللهم ومتعهدا في طلب بجاية برحلة الشتاء والصيف وتكفّلوا، نفقة عياله ومؤنة حشمه وأنزلوه بتلك المسيلة من أوطانهم، وتجافوا له عن جبايتها [2] وأقام على ذلك سنين خمسا ينازل بجاية في كل سنة منها مرارا، وتحوّل في السنة الخامسة عنهم إلى أولاد علي بن أحمد، ونزل على يعقوب بن عليّ فأسكنه بمقرّه من بلاده إلى أن بدا لعمّه المولى أبي إسحاق رأيه في اللحاق بتونس لما توقع من مهلك حاجبه وكافله أبي محمد بن تافراكين، أسره إليه بعض الجند فحذّره مغبّته ووقع من ذلك في نفوس أهل بجاية انحراف عنه وحرج أمره [3] وراسلوا أميرهم الأقدم أبا عبد الله من مكانه بمقرّه وظاهره على ذلك يعقوب بن علي وأخذ له العهد على رجالات سدويكش أهل الضاحية، وارتحلوا معه إلى بجاية ونازلها أياما. ثم استيقن الغوغاء اعتزام سلطانهم على التقويض عنهم، وسئموا ملكة علي بن صالح الّذي كان عريفا عليهم فثاروا به ونبذوا عهده وانفضوا من حوله إلى الأمير أبي عبد الله بالحرسة من ساحة البلد. ثم قاد إليه عمه أبا إسحاق فمرّ عليه وخلّى سبيله إلى حضرته فلحق بها واستولى أبو عبد الله على بجاية محل إمارته في رمضان سنة خمس وستين وسبعمائة وتقبّض على عليّ بن أبي صالح [4] ومن معه من عرفاء الغوغاء أهل الفتنة فاستصفى أموالهم، ثم أمضى حكم الله في قتلهم. ثم نهض إلى تدلس
[1] وفي نسخة ثانية: فغربوا في الوفاء بها.
[2]
وفي نسخة ثانية: جبايتهم.
[3]
وفي نسخة أخرى: ومرج أمرهم.
[4]
وفي نسخة أخرى: علي بن صالح.
لشهرين من مملكة بجاية فغلب عليها عمر بن موسى عامل بني عبد الواد، ومن أعياص قبيلهم، وتملّكها في آخر سنة خمس وستين وسبعمائة. وبعث عني من الأندلس وكنت مقيما بها نزيلا عند السلطان أبي عبد الله بن أبي الحاج بن الأحمر في سبيل اغتراب ومطاوعة تغلّب منذ مهلك السلطان أبي سالم الجاذب بضبعي إلى تقويمه، والترقي في [1] في خطط كتابته من ترسيل وتوقيع ونظر في المظالم وغيرها. فلما استدعاني هذا الأمير أبو عبد الله بادرت إلى امتثاله «وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ 6: 112 وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ من الْخَيْرِ» 7: 188 فأجزت البحر شهر جمادى من سنة ست وخمسين وسبعمائة وقلّدني حجابته، ودفع إليّ أمور مملكته. وقمت في ذلك المقام المحمود إلى أن يأذن الله بانقراض أمره، وانقطاع دولته، وللَّه الخلق والأمر، وبيده تصاريف الأمور.
(الخبر عن مهلك الحاجب أبي محمد بن تافراكين واستبداد سلطانه من بعده) كان السلطان أبو إسحاق آخر دولته ببجاية قد تحيّن مهلك حاجبه المستبدّ عليه أبي محمد بن تافراكين لما كان أهل صنهاجة أهل التنجيم يحدّثونه بذلك، فأجمع الرحلة إليها، وانفض عنه أهل بجاية إلى ابن أخيه كما قدّمناه. واستولى عليه ثم أطلقه إلى حضرته فلحق بها في رمضان سنة خمس وستين وسبعمائة وتلقّاه أبو محمد بن تافراكين ورآه مرهف الحدّ للاستبداد الّذي لفّه ببجاية فكايله بصاع الوفاق، وصارفه نقد المصانعة، وازدلف بأنواع القربات. وقاد إليه النجائب ومنحه الذخائر والأموال وتجافى له عن النظر في الجباية. ثم أصهر إليه السلطان في كريمته فعقد له عليها وأعرس السلطان بها. ثم كان مهلكه عقب ذلك فاتح ست وستين وسبعمائة فوجم السلطان لنعيه وشهد جنازته حتى وضع في لحده من المدرسة التي اختطها لقراءة العلم إزاء داره جوفيّ المدينة. وقام على قبره باكيا وحاشيته يتناولون التراب حثيا على جدثه فقرن [2] في الوفاء معه ما تحدّث به الناس واستبدّ من بعده بأمره وأقام سلطانه لنفسه.
[1] وفي نسخة أخرى: تنويهه، والراقي بي في خطط.
[2]
وفي نسخة أخرى: فغرب.
وكان أبو عبد الله الحاجب [1] غائبا عن الحضرة وخرج منها بالعسكر للجباية والتمهيد فلما بلغه خبر مهلك أبيه داخلته الظنّة وأوجس الخيفة فصرف العسكر إلى الحضرة، وارتفع مع حكيم من بني سليم، وعرض نفسه على معاقل إفريقية التي كان يظنّ أنها خالصة لهم. فصدّه محمد بن أبي العيون كاتبه عن عزمه [2] ، فحمد الحكيم صنيعه وطاف بهم على المهدية [3] . وبعث إليه السلطان بما رضيه من الأمان فاستصحب بعد النفور وبادر إلى الحضرة فتلقاه السلطان بالبرّ والترحيب، وقلّده حجابته وأنزله على مراتب العزّ والتنويه والشرف. ونكر هو مباشرة السلطان للناس من رفعه للحجاب، ولم يزل يريضه لما ألف من الاستبداد منذ عهد أبيه فأظلم الجوّ بينه وبين السلطان ودبّت عقارب السعاية لمهاده الوثير، فتنكّر وخرج من تونس ولحق بقسنطينة، ونزل بها على السلطان أبي العبّاس مرغّبا له في ملك تونس ومستحثّا فأنزله خير نزل، ووعده بالنهوض معه إلى إفريقية بعد الفراغ من أمر بجاية لما كان بينه وبين ابن عمّه صاحبها من الفتنة كما نذكرها بعد. واستبدّ السلطان أبو إسحاق بعد مفرّ ابن تافراكين عنه، ونظر في أعطاف ملكه، وعقد على حجابته لأحمد بن إبراهيم المالقي [4] مصطنع الحاجب أبي محمد من طبقة العمّال، وعلى العساكر والحرب لمولاه منصور سريحة من المعلوجي، ورفع الحجاب بينه وبين رجال دولته وصنائع ملكه حتى باشر جبايات الخراج وعرفاء الحشم، وأوصلهم إلى نفسه وألغى الوسائط بينهم وبينه إلى حين مهلكه كما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم.
(الخبر عن استيلاء السلطان أبي العباس على بجاية وملك صاحبها ابن عمه) لما ملك الأمير أبو عبد الله بجاية واستقل بإمارتها تنكّر للرعيّة وساءت سيرته فيهم بإرهاف الحدّ للكافة وإسخاط الخاصّة، فنغلت [5] الصدور ومرضت القلوب
[1] وفي النسخة الباريسية: الحاجب لأبي محمد وفي نسخة أخرى: الحاجب ابن أبي محمد.
[2]
وفي نسخة أخرى: عن جربة.
[3]
وفي نسخة أخرى تختلف العبارة تماما: ومحمد بن الجكجاك ضيعتهم وبطانتهم عن المهدية.
[4]
وفي نسخة أخرى: اليالغي.
[5]
نفلت الصدور: أي ضغنت (قاموس) .
واستحكمت النفرة، وتوجّهت الضاغية إلى ابن عمه السلطان أبي العبّاس بقسنطينة لما كان استفسد منه وأعلن بلذاته وأقوم على سلطانه. وكانت بينهما فتنة وحروب جرّتها المنافسة في تخوم العمالتين منذ عهد الآباء. وكان السلطان أبو العبّاس أيام نزوله على السلطان أبي سالم محمود السيرة والخلال مستقيم الطريقة في مثوى اغترابه. وربما كان ينقم على ابن عمه هذا بعض النزعات المعرّضة لصاحبها للملامة وستثقل نصيحته. وشغل بذلك ضميره فلما استولى على بجاية عاد إلى الفتنة فتنبّه، وشمّر عزائمه لها فكان مغلبا فيها. واعتلق منه يعقوب بن علي بذمّه في المظاهرة على السلطان أبي العبّاس فلم يغن عنه وراجع يعقوب سلطانه. ثم جهّز هو العساكر من بجاية لمزاحمة تخوم قسنطينة وفيها مولانا أبو العباس فنهض إليه ثانية بنفسه في العساكر، وتراجع العرب من أولاد سبّاع بن يحيى وجمع هو أولاد محمد وزحف فيهم وفي عسكر من زناتة، والتقى الفريقان بناحية سطيف فاختلّ مصافّ أهل بجاية وانهزموا، واتبعهم السلطان أبو العبّاس إلى تاكرارت وجال في عمله ووطئ نواحي وطنه، وقفل إلى بلده. ودخل الأمير أبو عبد الله إلى بجاية وقد استحكمت النفرة بينه وبين أهل بلده فدسّوا إلى السلطان أبي العباس بقسنطينة بالقدوم عليهم، فوعدهم من العام القابل وزحف سنة سبع وستين وسبعمائة في عساكره وشيعته من الزواودة أولاد محمد، وانضوى إليه أولاد سبّاع بشيعة بجاية بالجوار والسابقة القديمة لما نكروا من أحوال سلطانهم. وعسكر الأمير أبو عبد الله بلبزو في جمع قليل من الأولياء، وأقام بها يرجو مدافعة ابن عمه بالصلح، فبيّته السلطان بمعسكره من لبزو، وصبحه في غارة شعواء فانفضّ جمعه، وأحيط به، وانتهب المعسكر، وفرّ إلى بجاية، فأدرك في بعض الطريق وتقبّض عليه، وقتل قعصا بالرماح. وأغذ السلطان أبو العبّاس السير إلى بجاية فأدرك بها صلاة الجمعة تاسع عشر شعبان من سنة سبع وستين وسبعمائة وكنت بالبلد مقيما فخرجت في الملأ وتلقّاني بالمبرّة والتنويه. وأشار إليّ بالاصطناع واستوسق له ملك جدّه الأمير أبي زكريا الأوسط في الثغور الغربية وأقمت في خدمته بعض شهر. ثم توخمت الحنقة في نفسي وأذنته في الانطلاق فأذن لي تكرّما وفضلا وسعة صدر ورحمة، ونزلت على يعقوب بن عليّ، ثم تحوّلت عنه إلى بسكرة ونزلت على ابن موسى إلى أن صفا الجوّ، واستقبلت من أمري ما استدبرت واستأذنته لثلاث عشرة سنة من انطلاقي عنه في خبر طويل نقصه من شأني فأذن لي، وقدمت
عليه فقابلتني وجوه عنايته، وأشرقت عليّ أشعة نجعته [1] كما نذكر ذلك من بعد إن شاء الله تعالى.
(الخبر عن زحف حمو وبني عبد الواد الى بجاية ونكبتهم عليها وفتح تدلس من أيديهم بعدها) كان الأمير أبو عبد الله صاحب بجاية لما اشتدّت الفتنة بينه وبين عمّه السلطان أبي العبّاس مع ما كان بينه وبين بني عبد الواد من الفتنة عند غلبه إياهم على تدلس، يكابد حمل العداوة من الجانبين، وصغا إلى مهادنة بني عبد الواد فنزل لهم عن تدلس، وأمكن منها قائد العسكر المحاصر لها. وأوفد رسله على سلطانهم أبي حمو بتلمسان، وأصهر إليه أبو حمو في ابنته فعقد له عليها وزفّها إليه بجهاز أمثالها. فلما غلبه السلطان أبو العباس على بجاية وهلك في مجال حربه، أشاع أبو حمو الامتعاض له لمكان الصهر، وجعلها ذريعة إلى الحركة على بجاية. وزحف من تلمسان يجرّ الشوك والمدر في آلاف من قومه طبقات العساكر والجند. وتراجع العرب حتى انتهى إلى وطن حمزة فأجفل أمامه أبو الليل موسى بن زغلي في قومه بني يزيد، وتحصّنوا في جبال زواوة المطلّة على وطن [2] حمزة. وبعث إليه رسله لاقتضاء طاعته فاوثقهم كتافا، وكان فيهم يحيى حافد أبي محمد صالح نزع عن السلطان أبي العباس إلى أبي حمو، وكان عينا على غزاة أبي الليل هذا لما بينهما من الولاء والجوار والوطن، وجاء في وفد الوفادة عن أبي حمو فتقبّض عليهم وعليه فقتله وبعث برأسه إلى بجاية.
وامتنع على أبي حمو وعساكره فأجلبوا إلى بجاية، ونزل معسكره بساحتها وقاتلها أياما، وجمع الفعلة على الآلات في الحصار. وكان السلطان أبو العباس بالبلد وعسكره مع مولاه بشير بتكرارت، ومعهم أبو زيّان بن عثمان بن عبد الرحمن، وهو عم أبي حمو من أعياص بيتهم، وكان من خبره أنه كان خرج من المغرب كما نذكره في أخباره. ونزل على السلطان أبي إسحاق بالحضرة ورعى له أبو محمد
[1] كذا في النسخة الباريسية ويقال: فلان نجعتي: أي أملي. وفي نسخة ثانية بختة.
[2]
كذا في النسخة الباريسية وفي طبعة بولاق: وطا حمزة.
الحاجب حق بعثه [1] فأوسع في كرامته. ولما غلب الأمير أبو عبد الله على تدلس بعث إليه من تونس ليوليه عليها، وتكون ردءا بينه وبين حمو، ويتفرّغ هو للإجلاب على وطن قسنطينة، فبادر إلى الإجابة وخرج من تونس. ومرّ السلطان أبو العباس بمكانه من قسنطينة فصدر على سبيله واعتقله عنده مكرّما، فلما غلب على بجاية وبلغه الخبر بزحف أبي حمو أطلقه من اعتقاله ذلك واستبلغ في تكرمته وحبائه، ونصبه للملك وجهز له بعض الآلة. وخرج في معسكره مولاه بشير ليجأجئ به بني عبد الواد عن ابن عمه أبي حمو لما سئموا من ملكه وعنفه.
وكان زغبة عرب المغرب الأوسط في معسكر أبي حمو، وكان على حذر من [2] مغبة أمره معهم فراسلوا أبا زيّان وائتمروا بينهم في الإرجاف بالمعسكر. ثم تحيّنوا لذلك أن يشبّ الحرب بين أهل البلد وأهل المعسكر فأجفلوا خامس ذي الحجّة، وانفضّ بالمعسكر وانتحوا إلى مضايق الطرقات بساح البلد فكفّلت بزحامهم وتراكموا عليها فهلك الكثير منهم، وخلّفوا من الأثقال والعيال والسلاح والكراع ما لا يحيط به الوصف. وأسلم أبو حمو عياله وأمواله فصارت نهبا واجتلبت حظاياه إلى السلطان فوهبها لابن عمه ونجا أبو حمو بنفسه بعد أن طاح في كظيظ الزحام عن جواده فنزل له وزيره عمران بن موسى عن مركوبة فكان نجاؤه عليه، ونزل بالجزائر في الفلّ، ولحق منها بتلمسان واتبع أبو زيّان أثره، واضطرب المغرب الأوسط كما نذكره في أخباره. وخرج السلطان أبو العبّاس من بجاية على أثر هذه الواقعة فنازل تدلس وافتتحها وغلب عليها من كان بها من عمّال بني عبد الواد وانتظمت الثغور الغربية كلها في ملكه كما كانت في ملك جدّه الأمير أبي زكريا الأوسط حين قسم الدعوة الحفصيّة بها إلى أن كان ما نذكره بعده إن شاء الله تعالى.
(الخبر عن زحف العساكر الى تونس) كان أبو عبد الله ابن الحاجب أبي محمد بن تافراكين لما نزع عن السلطان أبي إسحاق
[1] وفي نسخة ثانية: بيته.
[2]
وفي نسخة ثانية: وكانوا حذرين مغبة أمره.
صاحب الحضرة لحق بحلل أولاد مهلهل من العرب، ووفدوا جميعا على السلطان أبي العبّاس فاتح سنة سبع وستين وسبعمائة يستحثّونه إلى الحضرة ويرغّبونه في ملكها فاعتذر لهم لما كان عليه من الفتنة مع ابن عمه صاحب بجاية. وزحف إليها في حركة الفتح وصاروا في جملته، فلما استكمل فتح بجاية سرّح معهم أخاه المولى أبا يحيى زكريا في العساكر فساروا معه إلى الحضرة، وابن تافراكين في جملته، فنازلوها أياما وامتنعت عليهم وأقلعوا على سلم ومهادنة انعقدت بين صاحب الحضرة وبينهم، وقفل المولى أبو يحيى بعسكره إلى مكان عمله. ولحق ابن تافراكين بالسلطان، فلم يزل في جملته إلى أن كان من فتح تونس ما نذكره والله تعالى أعلم.
(الخبر عن مهلك السلطان أبي إسحاق صاحب الحضرة وولاية ابنه خالد من بعده) لمّا نزل السلطان أبو إسحاق بالحضرة على ما ذكرناه، وتخلّف عن المهادنة مع السلطان أبي العبّاس طورا بطور، واستخلص لدولتهم منصور بن حمزة أمير بني كعب يستظهر به على أمره، ويستدفع برأيه وشوكته فخلص له سائر أيامه. وعقد سنة تسع وستين وسبعمائة لابنه خالد على عسكر لنظر محمد بن رافع من طبقات الجنود من مغراوة مستبدّا على ابنه. وسرّحه مع منصور بن حمزة وقومه وأوعز إليهم بتدويخ ضواحي بونة واكتساح نعمها وجباية ضواحيها فساروا إليها. وسرّح الأمير أبو يحيى زكريا صاحب بونة عسكره مع أهل الضاحية فأغنوا في مدافعتهم وانقلبوا على أعقابهم فكان آخر العهد بظهورهم. ولما رجعوا إلى الحضرة تنكّر السلطان لمحمد بن رافع قائد العسكر فخرج من الحضرة ولحق بقومه بمكانهم من لحفه من أعمال تونس. واستقدمه السلطان بعد أن استعتب له فلما قدم تقبّض عليه وأودعه السجن. وعلى أثر ذلك كان مهلك السلطان فجأة ليلة من سنة سبعين وسبعمائة بعد أن قضى وطرا من محادثة السمر وغلبه النوم آخر ليله فنام، ولما أيقظه الخادم وجده ميتا، فاستحال السرور، وعظم الأسف وغلب على البطانة الدهش ثم راجعوا بصائرهم ورفعوا الدهش عن أنفسهم وتلافوا أمرهم بالبيعة لابنه الأمير أبي البقاء خالد فأخذها له على الناس مولاه منصور
سريحة من المعلوجين [1] وحاجبه أحمد بن إبراهيم اليالقي [2] ، وحضر لها الموحدون والفقهاء والكافة. وانفضّ المجلس وقد انعقد أمره إلى جنازة أبيه حتى واروه التراب.
واستبدّ منصور وابن الباقي على هذا الأمير المنصوب للأمر فلم يكن له تحكّم عليها، وكان أوّل ما افتتحا به أمرهما أن تقبّضا على القاضي محمد بن خلف الله من طبقة الفقهاء، كان نزع إلى السلطان من بلده نفطة مغاضبا لمقدّمها عبد الله بن علي بن خلف فرعى له نزوعه إليه واستعمله بخطّة القضاء بتونس عند مهلك أبي علي عمر ابن عبد الرفيع. ثم ولّاه قود [3] العساكر إلى بلاد الجريد وحربهم فكان له منها عناء واستدفعوه مرات بجبايتهم يبعثون بها إلى السلطان، ومرات بمصانعة العرب على الإرجاف بمعسكره. وكان ابن اليالقي يغضّ بمكانه عند السلطان فلما اشتدّ على ابنه أعظم فيه السعاية وتقبّض عليه، وأودعه السجن مع محمد بن علي بن رافع. ثم بعث عليهما من داخلهما في الفرار من الاعتقال حتى دبّروه معه، وظهر على أمرهما فقتلهما في محبسهما خنقا والله متولي الجزاء منه. وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون. ثم أظهر ابن اليالقي من سوء سيرته في الناس وجوره عليهم وعسفه بهم وانتزاع أموالهم، وإهانة سبال [4] الأشراف ببابه منهم ما نقموه، وضرعوا إلى الله في إنقاذهم من ملكته فكان ذلك على يد مولانا السلطان أبي العبّاس كما نذكر إن شاء الله تعالى.
(فتح تونس وبقية عمالات إفريقية)(الخبر عن فتح تونس واستيلاء السلطان عليها واستبداده بالدعوة الحفصية في سائر عمالات إفريقية وممالكها) لما هلك السلطان أبو إسحاق صاحب الحضرة سنة سبعين وسبعمائة كما قدّمنا وقام بالأمر مولاه منصور سريحة وصاحبه اليالقي ونصبوا ابنه الأمير خالدا للأمر صبيا لم يناهز
[1] وفي النسخة الباريسية: المعلوجي.
[2]
وفي نسخة أخرى: البالقي.
[3]
وفي نسخة ثانية: قيادة.
[4]
سبله: سبّه وشتمه. (قاموس) .
الحلم غرّا فلم يحسنوا تدبير أمره ولا سياسة سلطانه، واستخلصوا لوقتهم منصور بن حمزة أمير بني كعب المتغلّبين على الضاحية ثم أطمعوه بسوء تدبيرهم في شركته لهم في الأمر. ثم قلبوا له ظهر المجن فسخطهم ولحق بالسلطان أبي العبّاس وهو مطل عليهم بمرقبة من الثغور الغربية مستجمع للتوثّب بهم، فاستحثّه لملكهم وحرّضه على تلافي أمرهم ورمّ ما تثلّم من سياج دولتهم. وكان الأحق بالأمر لشرف نفسه وجلالته واستفحال ملكه وسلطانه، وشياع الحديث على عدله ورفعته [1] وجميل سيرته ولما أن أهل مملكته نظروا لعقب نظره فيهم واستبداد سواه عليهم، فأجاب صريخه وشمّر للنهوض عزمه. وكان أهل قسنطينة قد بعثوا بمثل ذلك، فسرّح إليهم أبا عبد الله بن الحاجب أبي محمد بن تافراكين لاستخبار [2] طاعتهم وابتلاء دخلتهم، فسار إليهم واقتضى سمعهم [3] وطاعتهم، وسارع إليها يحيى بن يملول مقدّم توزر والخلف بن الخلف مقدّم نفطة فآتوها طواعية. وانقلب عنهم وقد أخذوا بدعوة السلطان وأقاموها في أمصارهم.
ثم خرج السلطان من بجاية في العساكر وأغذّ السير إلى المسيلة، وكان بها إبراهيم ابن الأمير أبي زكريا الأخير فأجابه [4] أولاد سليمان بن على من الزواودة من مثوى اغترابه بتلمسان، ونصّبوه لطلب حقه في بجاية من بعد أخيه الأمير أبي عبد الله، وكان ذلك بمداخلة من أبي حمو صاحب تلمسان ومواعيد بالمظاهرة مختلفة. فلما انتهى السلطان إلى المسيلة نبذوا إلى إبراهيم عهده وتبرءوا منه. ورجعوا من حيث جاءوا، وانكفأ السلطان راجعا إلى بجاية. ثم نهض منها إلى الحضرة وتلقته وفود إفريقية جميعا بالطاعة وانتهى إلى البلد فخيّم بساحتها أياما يغاديها القتال ويراوحها. ثم كشف عن مصدوقته وزحف إلى أسوارها وقد ترجّل أخوه والكثير من بطانته وأوليائه فلم يقم لهم حتى تسنموا الأسوار برياض رأس الطابية، فنزل الطابية، فنزل عنها المقاتلة وفرّوا إلى داخل البلد. وخامر الناس الدهش وتبرّأ بعضهم من بعض، وأهل الدولة في مركبهم وقوف بباب الغدر من أبواب القصبة. فلمّا رأوا أنهم أحيط بهم ولّوا الأعقاب
[1] وفي نسخة ثانية: رفقه.
[2]
وفي نسخة ثانية: لاختبار.
[3]
وفي نسخة ثانية: بيعاتهم.
[4]
وفي نسخة ثانية: جأجأ به.