الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(الخبر عن فتح جربة ودخولها في دعوة السلطان أبي إسحاق صاحب الحضرة)
هذه الجزيرة من جزر هذا البحر الّذي هو قريب [1] من قابس إلى الشرق عنها قليلا طولها من المغرب إلى المشرق ستون ميلا، وعرضها من ناحية الغرب عشرون ميلا.
ومن ناحية الشرق خمسة عشر ميلا، وبين فرضتيها في ناحية الغرب [2] ستون ميلا.
وشجرها التين والنخل والزيتون والعنب، واختصّت بالنسيج [3] وعمل الصوف للباسهم فيتخذون منه الأكسية المعلمة للاشتمال. وغير المعلمة للّباس. ويجلب منها الى الأقطار فينتقيه الناس للباسهم. وأهلها من البربر من كتامة وفيهم إلى الآن سدويكش وصدغيان من بطونهم، وفيهم أيضا من نغزة وهوّارة وسائر شعوب البربر. وكانوا قديما على رأي الخوارج، وبقي بها إلى الآن فريقان منهم الوهبية وهم بالناحية الغربيّة، ورياستهم لبني سمرمن [4] ، والنكارة وهم بالناحية الشرقية، وجربة فاصلة بينهما.
والظهور والرئاسة على الكل لبني النجّار من الأنصار من جند مصر، ولّاه معاوية على طرابلس سنة ست وأربعين فغزا إفريقية وفتح جربة سنة سبع وأربعين بعدها، وشهد الفتح حسين بن عبد الله الصنعاني ورجع إلى برقة فمات بها. ولم تزل في ملكة المسلمين إلى أن دخل دين الخوارج إلى البربر فأخذوا به. ولما كان شأن أبي زيد سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة فأخذوا بدعوته بعد أن دخلها عنوة، وقتل مقدّمها يومئذ ابن كلوس [5] وصلبه.
ثم استردّها المنصور بن إسماعيل، وقتل أصحاب أبي زيد [6] . ولما غلبت العرب صنهاجة على الضواحي وصارت لهم أخذ أهل جربة في إنشاء الأساطيل وغزوا الساحل. ثم غزاهم علي بن يحيى بن تميم بن المعزّ بن باديس سنة تسع وخمسمائة
[1] وفي نسخة أخرى: الّذي يمر قريبا من قابس.
[2]
وفي نسخة ثانية: وبينها وبين قرقنّة في ناحية المغرب.
[3]
وفي نسخة ثانية: بالتفّاح.
[4]
وفي نسخة ثانية: سمومن.
[5]
كذا في النسخة الباريسية، وفي نسخة أخرى: ابن كلدين وفي نسخة ثانية: ابن الدين.
[6]
وفي نسخة ثانية: ابن يزيد.
بأساطيله إلى أن انقادوا وضمنوا قطع الفساد وصلح الحال. ثم تغلّب النصارى عليها سنة تسع وعشرين وخمسمائة عند تغلّبهم على سواحل إفريقية. ثم ثار أهلها عليهم وأخرجوهم سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ثم غلبوا عليها ثانية وسبوا أهلها واستعملوا على الرعيّة وأهل العلم [1] . ثم عادت للمسلمين ولم تزل متردّدة بين المسلمين والنصارى إلى أن غلب عليها الموحّدون أيام عبد المؤمن بن علي. واستقام أمرها إلى أن استبدّ أمراء بني حفص بإفريقية. ثم افترق أمرهم بعد حين واستبدّ المولى أبو زكريا ابن السلطان أبي إسحاق بالناحية الغربيّة، وشغل صاحب الحضرة بشأنه كما قدّمناه، فتغلّب على هذه الجزيرة أهل صقلّيّة سنة ثمان وثمانين وستمائة وبنوا بها حصن القشتيل مربّع الشكل في كلّ ركن منه برج، وبين كل ركنين برج. ويجاوره حفير وسوران. وأهمّ المسلمين شأنها، ولم تزل عساكر الحضرة تتردّد إليها كما تقدّم إلى أن كان فتحها أيام السلطان أبي بكر على يد مخلوف بن الكماد من بطانته سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة واستضافها ابن مكي صاحب قابس إلى عمله فأضافها إليه، وعقد له عليها فصارت من عمله سائر أيام السلطان ومن بعده.
واتصلت الفتنة بين أبي محمد بن تافراكين وبين ابن مكي، وبعث الحاجب أبو محمد ابن تافراكين عن أبيه أبي عبد الله، وكان في جملة السلطان ببجاية كما قلناه.
ولمّا وصل إليه سرّحه في العساكر لحصار جربة وكان أهلها قد نقموا على ابن مكي سيرته فيهم ودسّوا إلى أبي محمد بن تافراكين بذلك فسرّح إليه ابنه في العساكر سنة ثلاث وستين وسبعمائة وكان أحمد بن مكي غائبا بطرابلس قد نزلها منذ ملكها من أيدي النصارى، وجعلها دارا لإمارته فنهض العسكر من الحضرة لنظر أبي عبد الله ابن الحاجب أبي محمد، ونزلوا في الأسطول فطلعوا بالجزيرة [2] وضايقوا القشتيل بالحصار إلى أن غلبوا عليه وملكوه. وأقاموا به دعوة صاحب الحضرة. واستعمل عليه أبو عبد الله ابن تافراكين كاتبه محمد بن أبي القاسم بن أبي العيون، كان من صنائع الدولة منذ العهد الأوّل، وكانت لأبيه قرابة من أبي عبد العزيز الحاجب ترقّى بها إلى ولاية الأشغال بتونس مناهضا لأبي القاسم بن طاهر الّذي كان يتولاها يومئذ، فكان رديفه عليها إلى أن هلك ابن طاهر فاستبدّ هو بها منذ أيام الحاجب أبي محمد
[1] وفي نسخة ثانية: أهل الفلح.
[2]
وفي نسخة أخرى: ونهض الأسطول في البحر فنزلوا بالجزيرة وضايقوا القشتيل.