الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال: من العباديين نصارى الحيرة كان يأتيهم يشتري منهم الخمر، فلقنوه ذلك.
كذلك كانت لهم وجهة نظر في تقسيم القوى الروحية فكان فيها الأرواح الخيرة، مثل الملائكة وكان فيها الأرواح الشريرة مثل الشياطين.
وكانت فكرتهم عن هذه الأرواح أنها تحل فيما حولهم من مظاهر الطبيعة.
كذلك كانت لهم دراية بتقسيم الشيء أو الأشياء: إلى شيء مقدس، وإلى شيء غير مقدس.
وقد أشار إلى ذلك القرآن فقال: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا} 1.
1 سورة الأنعام آية 136.
2، 3، 4 سورة الأنعام الآيات 8-10.
موقفهم من الرسالة:
ذهبت الصابئة والبراهمة ومعهم الوثنيون إلى القول باستحالة النبوات، فرأينا في العرب من مال منهم إلى مبادئ الصابئة فطعنوا في أصل النبوة وهم الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا أبعث الله بشرا رسولا؟
فإن الصابئة لا يجوزون أن يكون الوسيط بشريا إنما يجوزوه ملكا فرد الله عليهم بقوله:
{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} 2.
وهناك موقف اليهود والنصارى ومن تابعهم ممن يسلم بأصل النبوة غير أنهم طعنوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
والقرآن مملوء بالرد عليهم. وعلى طعنهم من وجوه:
1، 2 سورة الأنعام الآيات 8-10.
تارة بالطعن في القرآن فأجاب الله بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26] .
وتارة بالتماس سائر المعجزات كقوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا} [الإسراء: 90] .
وتارة بأن هذا القرآن نزل منجما نجما نجما وذلك يوجب تطرق التهمة إليه فأجاب الله بقوله: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَك} [الفرقان: 32] .
وهناك موقف من ينكر رسالة محمد على جهة العصبية القبلية حكى الله ذلك بقوله: {لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم} [الزخرف: 31] .
وهناك موقف أهل عبادة الأوثان والدهريين الذين لا يعرفون جنة ولا نارا ولا قيامة ولا كتابا مثل الأوس والخزرج.
يقول الشهرستاني: وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة، وأنكروا الرسل، وعبدوا الأصنام، وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الدار الآخرة وحجوا إليها، ونحروا لها الهدايا وقربوا القرابين، وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر وأحلوا وحرموا، وهم الدهماء من العرب إلا شرذمة منهم نذكرهم وهم الذين أخبر عنهم التنزيل:{وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ}
…
إلى قوله: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} ، فاستدل عليهم بأن المرسلين كلهم كانوا كذلك؛ قال الله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} 1، ويقول تعالى:{وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ، وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ، مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ} 2.
3-
قضايا الغيب:
ومن العرب من أقر بالخالق وأثبت حدوث العالم وأقر بالبعث والإعادة وأنكر الرسل وعكف على عبادة الأصنام.
1 سورة الفرقان آية 20.
2 سورة ص الآيات 74.
وهم الذين قال الله فيهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] .
قال المسعودي: وهذا الصنف هم الذين حجوا إلى الأصنام وقصدوها ونحروا لها البدن ونسكوا لها النساك وأحلوا لها وحرموا1.
يقول الشهرستاني: وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق والإبداع، وأنكروا البعث والإعادة وهم الذين أخبر عنهم القرآن:{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} 2.
فاستدل عليهم بالنشأة الأولى إذ اعترفوا بالخلق الول. فقال عز وجل: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} 2، وقال:{أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} 4.
ومن العرب من يعتقد التناسخ فيقول: إذا مات الإنسان أو قتل اجتمع دم الدماغ وأجزاء بنيته وانتصب طيرا "هامة" فيرجع إلى رأس القبر كل مائة سنة وعلى هذا أنكر عليهم الرسول فقال:
"لا هامة ولا عدوى ولا صفر"5.
يقول الألوسي عند قوله تعالى: {نَمُوتُ وَنَحْيَا} : إعادة الروح لبدن آخر بطريق التناسخ وهو اعتقاد كثير من عبدة الأصنام6.
ويقول الشهرستاني: وشبهات العرب كانت مقصورة على هاتين الشبهتين:
إحداهما: إنكار البعث؛ بعث الأنام.
والثانية: جحد البعث؛ بعث الرسل.
فعلى الأولى قالوا: أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون؟
1 مروج الذهب: 1: 25.
2 سور يس آية 78.
3 سورة يس آية 79.
4 سورة يس آية 15.
5 سورة الجاثية آية 24، وانظر روح المعاني 9:69.
6 سورة الصافات الآيتان 16، 17.
وعبروا عن ذلك في أشعارهم:
حياة ثم موت ثم نشر
…
حديث خرافة يا أم عمرو
ولبعضهم مرثية في أهل بدر من المشركين يقول فيها:
فماذا يا قليب قليب بدر
…
ترى ماذا تكلل بالسنام
يخبرنا الرسول بأن سنحيا
…
وكيف حياة أصداء وهام
وأما الشبهة الثانية: فكان إنكارهم لبعث الرسول صلى الله عليه وسلم في الصورة البشرية أشد وإصرارهم على ذلك أبلغ، وأخبر التنزيل عنهم بقوله تعالى:{وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} 1، {فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} 2؟
فمن كان يعترف بالملائكة كان يريد أن يأتيه ملك من السماء، وقالوا:{لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَك} 3، ومن كان لا يعترف بهم كان يقول: الشفيع والوسيلة لنا إلى الله هي الأصنام المنصوبة أما الأمر والشريعة من الله إلينا فهو المنكر.
لاحظنا مما سبق تدرجا في مستويات القربى الروحية أو القوى المعبودة المؤلهة لدى عرب الجاهلية فرأينا قوى روحية عليا معبودة مثل الملائكة واختلطت صور بعضها الملائكة ببعض مثل بشرية أو أخضعوها لتصوراتهم البشرية.
فقالوا عنها: إنها بنات الله تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ} 4.
ووجدت قوى روحية سفلى في بني مليح من خزاعة وهم رهط طلحة الطلحات يعبدون5 الجن والشياطين وأنهم كانوا يستخدمونها في كتابتهم، ولهم معها أساطير واتخذوا أيضا منها شركاء لله. قال تعالى:{وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ} 6.
1 سورة الإسراء: 94.
2 سورة التغابن: 6.
3 سورة الأنعام: 8.
4 سورة الزخر: 19.
5 تشككها في رمي الجن.
قال ابن إسحاق: إنه حدث أن أول العرب فزع للرمي بالنجوم -حين رمى عليا- هذا الحي من ثقيف وأنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له: عمرو بن أمية.
6 سورة الأنعام: 100.
ولهم أيضًا بجانب ذلك اتجاهات وثنية لا تنفك عن سذاجة الفطرة، كعبادة المحسوسات من شجر وحجر وغير ذلك، ورأينا فيهم على جاهليتهم وثنيهم أنهم يعرفون لفظ الجلالة "الله".
وتدلنا الروايات التاريخية: أنهم وجدوه في الكعبة منذ أن بناها إبراهيم ومعه إسماعيل، وكانت قريش تعتبره هو المعبود الحقيقي، ومظاهرها الوثنية كانت زلفى إليه.
ورأينا فيهم: من يتكلم عن الدهر كقوة عظمى تعلو فوق التصور الإنساني، وعبدوا النيران من شمس وقمر إلخ.
ومع كل هذا لا يوجد في العرب طبقة دينية تختص بأمور الدين، وليس في بلاد العرب، ولا سيما في منطقة الحجاز ونجد طبقة إكليريكية خاصة، ولكن يقوم مقامها طائفة العرافين والزاجرين والقائفين والسدنة، ولم يكن لهذه الطائفة ما يميزهما أو يرفعهما عن سائر الناس فلا مسحة خاصة بها، ولا رتبة ولا فرقة في أساليب المعيشة بينهم وبين أبناء قبيلتهم لهم ما لها وعليهم ما عليها.
القضاء والقدر:
ونرى حاتم الطائي: وهو من النصارى على رأى مؤمنا بالقضاء والقدر، وبما يأمر به الله تعالى.
ونجد المثقب العبدي: مؤمنا بالله تعالى وبالقدر. فما يقع للإنسان يكون بمشيئة الإله وقدره1.
كذلك: نجد هذه العقيدة -عقيدة القدر في شعر "زهير بن أبي سلمى" وفي شعر غيره من الشعراء. هذا زهير يقول: إن المنايا أمر لا مفر منه، وإن من جاءت منيته لابد أن يموت راو حاول الارتقاء إلى السماء فرارا منه؛ ثم يقول:
وجدت المنايا خبط عشواء من نصب
…
تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
ومن القائلين بالقدر: عبيد بن الأبرص الشاعر الجاهلي الشهير ونجد: عمرو ابن كلثوم- في جملة من آمن بالقضاء والقدر. وتؤدي: لفظة "منا": معنى القدر؛
1 المفصل جـ6 ص148، المعارف ص621، المجد ص161.
ومنها: "الماني" بمعنى القادر والمنية بمعنى الموت؛ لأن الموت مقدر بوقت مخصوص، وهي من الكلمات السامية المشتركة الواردة في مختلف لهجات هذه المجموعة، ولهذه الكلمة: صلة باسم الإله الكنعاني "منى": وهو إله القدر ولها أيضا: صلة بالصنم "منوات" من أصنام ثمود. و"مناة" من أصنام الجاهليين1.
وتؤدي كلمة "المنون" معنى الدهر والموت؛ وقد تسبق بكلمة ريب في بعض الأحيان فيقال: ريب المنون؛ ما يقال: ريب الدهر.
ويرى نولدكه: إن هذه الكلمات هي أسماء آلهة، وليست أسماء أعلام، هي أسماء تعبر عن معانٍ مجردة للألوهية، وهي مما استخدم في لغة الشعر للتعبير عن هذه العقائد الدينية، فالزمان مثلا أو الدهر لا يعنيان على رأيه هذا إلها معينا، ولا صنما خاصا؛ إنما هي تعبير عن فعل الآلهة في الإنسان.
وبعض هذه الكلمات في رأي: "ولهوزن" مثل: "قضاء ومنية" هي بقايا جمل اختصرت ولم يبق منها غير بقايا هذه الكلمات. فكلمة قضاء هي بقية جملة أصلها: قضاء الله؛ سقطت منها الكلمة الأخيرة، وبقيت الأولى، وكذلك الحال في منية فإنها: بقية جملة هي: "منية الله" سقط عجزها وبقى صدرا، وهي تعني أن المنيةهي منية "الله" تصيب الإنسان2.
يبدو أن: من الغريب ذكر الدهر والزمان والحمام والمنايا، وأمثالا في الشعر، ونسبة الفعل إليها، بينما يهمل ذكر الأصنام فيه، أو نسبة الفعل إلى "الله" تعالى.
فهل يعني هذا أن الجاهليين لم يكونوا يعلمون أن "لله" سلطانا وحولا، وأن المنايا، والحتوف وكل خير أو مكروه هو من فعل "الله تعالى"؟
الواقع: أن هذا الذي نذكر يذهب إليه أهل الجاهلية، ولم يقصدوه، وما ذكر الدهر في الشعر إلا: كتشكي الناس من الزمان أو من الحظ أو النصيب في هذه الأيام، وشكواهم من ذلك لا يعني تحديد سلطان "الله" تعالى أو نكرانه؛ وإنما هو بقية من تصور إنساني قديم بنسبة كل فعل وعمل إلى قوة خفية هي القوة العاملة،
1 المفصل جـ6 ص155، ص156، 157.
2 السابق جـ6 ص158.