الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تعقيب حول فكر الصابئة:
وأخيرا.. لقد خلفت الصابئة أثرا شاهدا على تاريخها: وهو عبادة النجوم التي تولد منها التنجيم؛ ذلك أن النجوم وفوق كل شيء الكواكب كانت فيما يبدو وفق قوانين ثابتة تقول بالتقابل والتوافق؛ أي أن السموات من فوق والأرض من تحت شقيقتان متكاملتان فما كان يحدث في العالم النجمي كان يعاد إخراجه على الأرض، وها هو الأمر الحيوي في الموضوع.
بيد أن حركات العالم النجمي ثابتة فإذا كان هناك تقابل فكل ما يحدث على الأرض يكون ثابتا، والحال بالمثل بالنسبة لأفعال الناس أيضا، فهي ثابتة وذلك الإنسان هو كون مصغر فهو الشقيق المكمل للعالم الكبير، وروحه شرارة من تلك النار السماوية التي تتوهج في صفحة النجوم.
ومن هنا نشأ مذهب من أفظع المذاهب التي عذبت الإنسانية على مر الزمان وهو المذهب البابلي المسمى "القضاء المحتوم" الذي يتحكم على السواء في النجوم والأرض والناس.
فحركة هذه الكائنات جميعا ثاتبة بفضل قوة باقية لا تتبدل وهي قوة لا علاقة لها بالأخلاق. قوة لا تحب ولا تكره ولكنها تواظب على مسارها بطريقة لا هوادة فيها مواظبة النجوم في مسارها عبر القبة الزرقاء.
وقد استطاع التنجيم في النهاية أن يتغلغل في كثير من الديانات ويصبغها بلونه. وكان هناك أكثر من نظام للتنجيم.
- عبادة الكواكب.
- أبراج الفلك وعلاماتها الاثنتا عشرة.
بيد أن التنجيم القائم على الكواكب كانت له قوة أعظم؛ فالكواكب السبع هي: الشمس والقمر وعطارد والزهرة والمريخ والمشترى وزحل.
كانت في عبادتها المسيرات للقضاء والقدر وفي النهاية هي مستقر عروش "حكام هذا العالم" الذين أصبحوا فيما بعد معادين لروح الإنسان وشرا عليها بصورة قاطعة؛ لأنهم أصبحوا يجرون المقادير عليها بلا هوادة.
كذلك خصص للكواكب السبعة ألوانها الخاصة المقابلة للطوابق السبعة للمعبد البابلي.
كما خصص لها معادنها الخاصة ونباتاتها وحيواناتها.
- أما أبراج الفلك فقد كانت تتحكم في مصائر الشعوب ومدتها المنوعة وتشهد العملية بأن أنطاكية ونصيبين كانتا تحت سيطرة برج الحمل.
والرها تحت سيطرة برج الدلو.
وأن سنجارا و"ريساينا" تحت برج القوس1.
وإن الذي كان يهم الناس هو أن مصائرهم كانت ثابتة منذ الولادة بفضل نجومهم، كما أن المنجم المقتدر كان يستطيع أن يتنبأ لهم بالمستقبل عن طريق حسبانه لطوالعهم، وقد أسهم التنجيم في إدخال عناصر كثيرة غير منطقية مثل:
- الحظ.
- الفرص.
ثم تحدد مسار الكفاح الإنساني ضد سيطرة النجوم عليه بثلاثة خطوط رئيسية حاول بها الإنسان الفرار من تأثير نجومه عليه، وكلها تعتمد على الاعتقاد في الله الأقوى من كل شيء أعطى الإنسان كثيرا من الحرية والإرداة، والعقل البشرى سيادته من خلال توجيهات الوحي الذي استطاع به أن يثور ضد ثقل:"الجبرية" القاهر بسبب الاعتقاد في تأثير النجوم بأفلاكها عليه وعلى مصدره.
والخطوط الثلاثة هى:
- الدين.
- المعرفة الروحية.
- السحر.
1 الحضارة الهيلينستية ن. ن. تارن ترجمة عبد العزيز جاويد ص141-142.
وكفاح الدين ضد سيطرة النجوم على الإنسان سوف نعرض له من خلال محاورة نبى الله إبراهيم معهم.
أما المعرفة الروحانية: فهي بكنه الأشياء وليست هي المعرفة التي تتوافر للفيلسوف.
فالمعرفة الروحانية الحقة تجعل الإنسان يأمن من قضاء وقدر النجوم على أساس اعتقاده أن روحه بعيدة عن منالها، هذا من المبادئ الرفيعة للمعرفة الروحانية التي تساعد الإنسان ألا يذل لغير الله وهذا ما يتفق مع العقل.
السحر:
أما السحر فالفكرة الأساسية فيه: هي أنه باستخدام الوسائل الصحيحة يمكن إجبار القوى الخفية على العمل من أهداف السحر التي يراها الإنسان القديم أن يعود بالحرية إليه من سيطرة الكواكب عليه، ويعطي الإنسان مزيدًا من السيادة على القوى الخفية، وتصبح كل عبادة للنجوم التي تعطي لنفسها السيادة على الإنسان في نظر السحر والسحرة مرفوضة.
فالسحر طريق اتخذه الإنسان للحصول على رغائبه المادية والروحية، وفلسفته قائمة على منح الإنسان قدرة على تغيير ما قضت به النجوم عليه، وقد أوشك السحر أن يصبح نظاما دينيا.
وكانت للسحر صلات بأشكال المعرفة الروحانية السفلى. فأنت تستطيع أن تجبر القوى الروحية على أن تطلع الإنسان على ما لديها من خفايا وأسرار، بيد أن المعرفة الروحية في أسمى مراتبها تنبذ السحر، وكذلك الدين ينبذه؛ لأن السحر إذا كان يغير من قضاء المقدر من لدن الأرواح، فإن الدين يرفعك فوق قضاء التنجيم؛ إذ الهدف العام للدين هو أن يجعلك مرتبطا بالله مؤثرا كل قضاء صادر عنه.