الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عمر بن الخطاب فقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله توفي، وإن رسول الله والله ما مات؛ ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع بعد أن قيل: قد مات، والله ليرجعن رسول الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، يزعمون أن رسول الله مات، ثم جاء أبو بكر وعمر يكلم الناس فقال: على رسلك يا عمر؛ فانصت فأبى إلا أن يتكلم؛ فلما رآه أبوبكر لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه، وتركوا عمر؛ فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس؛ إنه من كان يعبد محمدا فإن محمد قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت؛ ثم تلا قوله تعالى:{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُول} 1
…
إلخ. وقال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها، فعقرت حتى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله قد مات.
وقد اعتقد بعض الجاهليين "بالمسخ" وهو: تحول صورة إلى صورة أخرى أقبح، وتحول إنسان قردًا أو حيوانًا آخر، أو إلى شيء جماد؛ من ذلك ما يراه بعض أهل الأخبار عن "اللات" من أنه كان رجلا يلت السويق عند صخرة بالطائف؛ فلما مات قال لهم: عمرو بن لحي: إنه لم يمت، ولكنه دخل الصخرة، ثم أمرهم بعبادته، وبنى بيتا عليها يسمى "اللات"2.
1 سورة آل عمران الآية 144.
2 تاج العروس مادة مسخ جـ2 ص279، مادة لت جـ1 ص580.
تسخير عالم الأرواح:
لم يتوصل الباحثون حتى الآن إلى رأى ثابت في أصل كلمة "الجن".
فمنهم من رأى أنها اسم صنم من أصنام العرب القديمة، ومنهم من رأى أنها من أصل أعجمي؛ ومنهم من وجد لها صلة بالحبشية.
أما علماء اللغة فرأوا: أن معنى الكلمة الأصلى هو الاستتار، وأنها من الاجتنان، ولعدم إمكان رؤية ذلك العالم أطلقت عليه كلمة "الجن"؛ وتقابل لفظة "الجن" لفظة "Demons" الإنجليزية ويرى "نولدكه": أن فكرة الجن فكرة
استوردها العرب من الخارج بدليل قولهم: إن الجنة من عمل الجن، ومن تلبس الجن بالإنسان، وهي في نظره عقيدة قديمة دخلت العرب من جيرانهم الشماليين، فقد كان الإيرانيون يطلقون على المجنون لفظة:"ديوانة" أي الذي به "ديو" من الأصل "ديوة" ومعناه الجان.
ومن هذه الفكرة دخلت العهد الجديد من الكتاب المقدس.
ويأتي "نولدكه": بدليل آخر على إثبات نظريته في أن فكرة "الجن" فكرة مستوردة، شيوع قصص بناء جن سليمان مدينة تدمر بين الجاهليين، وهو قصص ورد من قصة بناء سليمان "لتامار" في العهد القديم، وتفسير "تامار بتدمر" عند المفسرين العبرانيين، وإذا سكن الجني مع الناس قالوا:"عامر"، والجمع "عمار"؛ وإن كان ممن يعرض للصبيان فهم "أرواح"؛ فإن خبث أحدهم وتعرم فهو:"شيطان" فإن زاد على ذلك فهو: "مارد"؛ فإن زاد على ذلك فهو "عفريت"؛ فإن ظهر الجني ونظف وصار خيرا كله فهو "ملك"، وهم في الجملة "جن وخوافي" وفي القرآن الكريم: إن قريشا جعلت بين الله تعالى وبين الجنة نسبا؟ قال تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} 1.
وإنها جعلت: "الجن" شركاء له قال تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ} 2.
أي: جعلوا "لله" تعالى الجن شركاء في عبادتهم إياه، وخرقوا له بنين وبنات، وتخرصوا لله كذبا؛ فافتعلوا له بنين وبنات وجهلا وكذبا. وورد: أن الله -تعالى- تزوج الجن، وأن الملائكة هم بناته من هذا الزواج؛ وقال كبار قريش: الملائكة بنات الله فقال لهم أبو بكر الصديق: فمن أمهاتهم؟ قالوا: بنات سراة الجن، ويفهم من القرآن الكريم أيضا: أن من العرب من كان يعبد الجن. قال تعالى: {قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ} 3 إلخ الآية.
1 سورة الصافات: 158.
2 سورة الأنعام: 100.
3 سورة سبأ: 41.
وذكر ابن الكلبي: أن بني مليح من خزاعة كانوا: ممن تعبد الجن من الجاهليين؛ ويزعمون أن الجن تتراءى لهم، وفيهم نزل قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} 1.
وذكر: أن قبائل من العرب عبدت الجن، أو صنفا من الملائكة يقال لهم: الجن، ويقولون هم بنات الله؛ فأنزل الله:{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} 2 إلخ الآية.
وقد يقع الحب بين الجن والإنس، فقد ذكر: أن الجنية قد تتبع الرجل تحبه، ويقال لها تابعة، ومن ذلك قولهم: معه تابعة أي من الجن، والتابعة جنية تتبع الإنسان، كما يكون للمرأة تابع من الجن، يتبع المرأة يحبها، وقد يعشق الجن امرأة ويتصادق معها؛ هذا "منظور" الجني عشق امرأة اسمها "حبة"، وتصادق معها، فكانت "حبة" تتطبب بما يعلمها "منظور".
وأهم مواطن الجن في نظر الجاهليين: هي المواضع الموحشة، والأماكن المقفرة، التي لا تطرق إلا نادرا، والمحلات التي لا تلائم الصحة والمقابر، والأماكن المظلمة المهجورة.
وسكنت الجن المواضع المظلمة والفجوات العميقة فيها، وباطن الأرض ولذلك قيل لا: ساكنو الأرض ما سكنت المقابر.
وقد ادعى أناس من الجاهليين أنهم كانوا يرون الغيلان، والجن، ويسمعون عزيف الجان، أي صوت الجن، وقد بالغ الأعراب في ذلك، وأغربوا في قصص الجان؛ لما كانوا يتوهمونه من ظهور الأشباح لهم في تجوالهم بالفيافي المقفرة الخالية، فتصوروه جنًّا وغولا وسعالى، وبالغوا في ذلك أيضا لما وجدوه في أهل الحضر؛ ولا سيما في الإسلام من ميل إلى سماع قصص الجان، والسعالى والغول3.
1 سورة الأعراف آية 193.
2 سورة الإسراء آية 57. وأيضا المفصل جـ6 ص709، 710.
3 المفصل جـ6 ص718، ص723.
ونسبوا إلى الجن إحداث كثير من الأمور غير الطبيعية مثل: الأمراض والأوبئة، والصرع والاستهواء، والجنون خاصة.
فالجنون هو: تلبس الجن بالإنسان، ودخولهم جسمه؛ لذلك: ربطوا بين الجن والجنون.
ويرى "نولدكه": أن فكرة الجنون من عمل الجن عقيدة قديمة، وجدت عند غير العرب كذلك1.
الشيطان:
الشيطان -"سلطان، سطن" في العبرانية، ومعناه عدو ومشتكٌّ في هذه اللغة.
وذكر الطبري: "الشيطان" في كلام العرب: كل متمرد من الجن والإنس والدواب، وكل شيء؛ ثم قال: وإنما سمي المتمرد من كل شيء شيطانا؛ لمفارقة أخلاقه وأفعاله أخلاق سائر جنسه وأفعاله، وبعده من الخير، وقد قيل: إنه أخذ من قول القائل: شطنت داري من دارك؛ يريد بذلك بعدت.
ومن الشياطين: شيطان اسمه "زوبعة"، وقيل هو رئيس للجن، ومنه سمي الإعصار زوبعة، ويقال:"أم زوبعة، وأبو زوبعة"، وهو الذي يثير الأعصاب حين يدور على نفسه، ثم يرتفع في السماء ساطعًا كأنه عمود.
وأما ما ورد في القصص عن الشياطين عند الجاهليين: فهو يختلف عما جاء عن الشيطان في الكتب اليهودية والنصرانية؛ مما يدل على أن منبعه منبع آخر، وأن الشيطان عند الجاهليين هو غير الشيطان المعروف عند اليهود والنصارى، الذي دخل إلى العرب قبيل الإسلام وفي الإسلام.
وقد وصف الشيطان بالقبح؛ فإذا أريد تعنيف شخص وتقبيحه قيل له: يا وجه الشيطان، وما هو إلا شيطان؛ يريدون بذلك القبح، وذلك على سبيل تمثيل قبحه بقبح الشيطان.
1 المفصل جـ6 ص723.
وقيل: الشيطان حية ذو عرف قبيح الخلقة، وقالوا: الشجرة تكون ببلاد اليمن لها مظهر كريه، رؤوس الشياطين؛ وبهذا لمعنى فسرت رؤوس الشياطين في قوله تعالى:{إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيم} 1
…
إلخ الآية؛ يعني: شجرة الزقوم في قبحه وسماجته رؤوس الشياطين في قبحها؛ وذلك أن استعمال الناس قد جرى بينهم في مبالغتهم إذا أراد أحدهم المبالغة في تقبيح الشيء قال: كأنه شيطان؛ فذلك أحد الأقوال؛ والثاني: أن يكون مثل برأس حية معروفة عند العرب تسمى شيطانا2.
وكانت الشعراء تزعم: أن الشياطين تلقي على أفواهها الشعر، وتلقنها إياه وتعينها عليه، وتدعي أن لكل فحل منهم شيطانًا يقول الشعر على لسانه؛ فمن كان شيطانه أمرد كان شعره أجود.
وقد انتقلت هذه العقيدة في إلهام الشعر للشعراء إلى المسلمين كذلك، وقد دعا جرير شيطانه الذي يلقي عليه الشعر: إبليس الأباليس.
ويكنى عن الشيطان بالشيخ النجدي، وقد أشير إليه مرارا في كتب السير والأخبار؛ أشير إليه في بنيان الكعبة؛ حين حكموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الركن من يرفعه فحضر في زي شيخ نجدي بين الحاضرين، وصاح: يا معشر قريش أرضيتهم أن يليه هذا الغلام دون أشرافكم وذوي أسنانكم، وحضر اجتماع دار الندوة، وأيَّد قرارهم في قتله.
وذكر علماء الأخبار: أنه عرف بالشيخ النجدي؛ لأنه: تمثل نجديا، وقيل: لأن نجدا يطلع منها قرن الشيطان، ورووا أحاديث تذكر ذلك؛ وتذكر أن الفتن تخرج من المشرق والمشرق:"نجد" بالنسبة لأهل الحجاز.
وكان الكهان يستعينون بالشياطين في الإخبار عن المغيبات، يذكرون أن الشياطين يسترقون السمع من السماء؛ فيخبرونهم عن أنباء الأرض؛ وكان للكاهن "صاف بن صياد" شيطان يلقي إليه بما خفي من أخبار الأرض.
1 سورة الصافات آية 64.
2 المفصل جـ6 ص731، تاج العروس جـ5 ص367.
وإبليس من هذه الأفكار التي نفذت إلى العرب عن طريق أهل الكتاب والعلماء، على أن الكلمة معربة، وهي كذلك؛ فأصلها: ديابولس Diabolos، وهي كلمة يونانية استعملت في مقابل لفظة شيطان1.
الهاتف والرئى:
ويؤمن الأعراب بالهاتف، ويتعجبون ممن يرد ذلك، وهم يزعمون أنهم يسمعون الهاتف يخبرهم ببعض الخبر فيكون صحيحًا، وكانوا يقولون: إذا ألف الجني إنسانًا وتعطف عليه، وخبره ببعض الأخبار وجد حسه، ورأى خياله، فإذا كان عندهم كذلك قالوا: مع فلان رئى من الجن يخبره بما وقع، ويقع وعن الأسرار2.
الملائكة:
والملائكة: هم روحانيون؛ أي من أرواح في نظر أهل الجاهلية، ويدل ورود الملائكة في مواضع عديدة من القرآن الكريم، ومن الآيات التي تشير إلى مجادلة المشركين، ومحادثتهم للرسول في الملائكة، وإن فكرة الملائكة كانت معروفة شائعة بينهم؛ وأن بعض العرب كانوا يعبدونها كما يظهر ذلك من قوله تعالى:{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ} إلخ الآية [سبأ: 40] .
ويظهر: أن الجاهليين لم يكونوا يعرفون شيئا عن الملائكة؛ لأن الاعتقاد بالملائكة من عقيدة الديانة اليهودية، ثم النصرانية، وهم لا يعرفون الكتاب إلا من كان منهم على دين اليهودية، أو النصرانية أو كان من الحنفاء، أو على اتصال بأهل الكتاب كأمية بن أبي الصلت، وأمثاله3.
الهامة:
الهامة وهي اليوم وكانوا يعتقدون أن الرجل إذا قتل خرجت من رأسه هامة تصيح: اسقوني اسقوني حتى يأخذ بثأره، قال ذو الأصبع العدواني:
1 المفصل جـ6 ص733، ص734، ص735.
2 السابق جـ6 ص736، ص737.
3 سيرة ابن هشام جـ1 ص134.
يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي
…
أضربك حتى تقول الهامة اسقوني1
ويضيف المسعودي ص369.
وهي أن تتوحش وتصدح وتوجد أبدًا في الديار المعطلة والنواويس وحيث مصارع القتلى وأجداث الموتى.
ويزعمون أن الهامة لا تزال على ذلك عند ولد الميت في محلته بفنائهم؛ لتعلم ما يكون بعده فتخبره به.
وحتى قال الصلت بن أمية لبنيه: هامتي تخبرني بما تستشعرون.
لنتجنب الشنعاء والمكروه.
ولما جاء الإسلام قال: لا هام ولا صفر2.
وذكر الزبير بن بكار أن العرب كانت في الجاهلية تقول: إذا قتل الرجل ولم يؤخذ بثأره خرجت من راسه هامة وهي دودة فتدور حول قبره فتقول: اسقوني اسقوني فإن أدرك ثأره ذهبت وإلا بقيت.
قال: وكانت اليهود تزعم أنها تدور حول قبره سبعة أيام ثم تذهب.
وذكر ابن فارس وغيره من اللغويين نحو الأول إلا أنهم لم يعينوا كونها دودة، وقال القزاز: الهامة طائر من طير الليل كأنه البومة، وقال ابن الأعرابي: كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم، يقول: نعت إلي نفسي أو أحدًا من أهل داري.
وقال أبو عبيد: كانوا يزعمون أن عظام الميت تصير هامة فتطير ويسمون ذلك الطائر3: الصدى.
1 مروج الذهب جـ1 ص134.
2 ومعنى الحديث: لا حياة لهامة من الميت ولا شؤم بالبومة.
3 فتح الباري "10: 197".
ويعبر هذا عن فتن اليهود للسيطرة على عرب الجاهلية؛ لأن معنى سبعة أيام مدة زمنية كافية ليؤلب اليهود مواقع الثأر بين العرب أي على العربي أن يثأر، وبذلك أشعلوا الحرب بين الأوس والخزرج باستغلال تلك المعتقدات.
ب- الغول:
"العرب يزعمون أن الغول "السعلاة" يتغول لهم في الفلوات ويظهر لخواصهم في أنواع من الصور فيخاطبونها، وربما ضيفوها، وكانت إذا تراءت لهم في الليالي وأوقات الخلوات فيتوهمون أنها إنسان فيتبعونها فتزيلهم عن الطريق التي هم عليها وتتبعهم، وكذلك لهم اعتقادات ومزاعم في الشياطين والمردة والجن1.
يقول المسعودي: ويمكن لجميع ما قلناه مما حكيناه عما ذكرناه من أهل البقاع أن يكون ضربًا من السوانح الفاسدة والخواطر الرديئة أو غير ذلك من الآفات والأدوار المعترضة لجنس الحيوان من الناطقين وغيرهم.
ج- الهواتف والجان 2:
أما الهواتف فقد كانت كثرة في العرب، ومن حكم الهاتفة أن يهتف بصوت مسموع وجسم غير مرئي، وقد كانت العرب قبل ظهور الإسلام تقول: إن من الجن من هو على صورة نصف الإنسان وأنه يظهر لهم في أسفارهم وحين خلواتهم وتسميه شقا، وذكروا أشخاصا قتلتهم الجن:
- حرب بن أمية.
- وعباس بن مرداس3.
1 مروج الذهب "1: 401" المسعودي.
2، 3 المرجع نفسه "1: 405".
يقول المسعودي:
إن ما تذكره العرب وتنبئ به من ذلك فإنما يعرض لا من قبل التوحد في القفار، والتفرد في الأودية والسلوك في المهامه الموحشة؛ لأن الإنسان إذا صار في مثل هذه الأماكن وتوحد وتفكر إذا هو تفكر وجل وجبن وإذا هو جبن داخلته الظنون الكاذبة والأوهام المؤذية والسوداوية الفاسدة فصورت له الأصوات ومثلت له الأشخاص وأوهمته الحال بنحو ما يعرض لذوي الوسواس، وأنتج ذلك في رأسه سوء التفكير والخروج على غير نظام قوي أو طريق مستقيم سليم؛ لأن المنفرد في القفار والمتوحد في المفاوز مستشعر للمخاوف متوهم للمتالف متوقع للحتوف؛ لقوة الظنون الفاسدة على فكره وانغراسها في نفسه فيتوهم ما يحكيه من هتاف الهواتف واعتراض الجان له.
ونضيف أن مثل هذه الأشياء تعتبر من لوازم الوثنية؛ إذ أن الإيمان بالله موجب لطرح هذه الخواطر الفاسدة.
د- التطير:
- التطير هو: أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير فإذا خرج أحدهم لأمر فإن رأى الطير طار يمنة تيمن به واستمر، وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع.
- وربما كان أحدهم يهيج الطير ليطير فيعتمدها، وكانوا يسمونها السانح والبارح.
فالسانح ما ولاك ميامنة بأن يمر عن يسارك إلى يمينك، والبارح العكس وكانوا يتيمنون بالسانح، ويتشاءمون بالبارح لأنه لا يمكن رمية إلا بأن ينحرف إليه.
يقول ابن حجر: وليس في شيء من سنوح الطير وبروحها ما يقتضي شيئا مما اعتقدوه1.
وإنما هو تكلف بتعاطي ما لا أصل له؛ إذا لا نطق للطير ولا تمييز فيستدل بفعله على مضمون معنى فيه. وطلب العلم من غير مكانه جهل من فاعله.
1 فتح الباري "10: 174".
وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير ويمتدح بتركه.
قال شاعر منهم:
ولقد عدوت وكنت لا
…
أعدو على وافٍ وحائمْ
فإذا الأشائم كالأيا
…
من والأيامن كالأشائمْ
وقال آخر:
الزجر والطير والكهان كلهم
…
مضللون ودون الغيب أقفال
وقال آخر:
بلى شيء يوافق بعض شيء
…
أحايينا وباطله كثير
ويقول لبيد2:
لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى
…
ولا زاجرات الطير ما الله صانع
سلوهن إن كذبتموني متى الفتى
…
يذوق المنايا أو متى الغيث واقع؟
ويقول ابن حجر: وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين.
يقول أبو هريرة: إذا تطيرتم فأمضوا وعلى الله فتوكلوا.
وعن أبي الدرداء: لن ينال الدرجات العلا من تكهن أو استقسم أو رجع.
وعن ابن مسعود: الطيرة شرك، وما منا إلا تطير ولكن الله يذهبهن بالتوكل. من كلام ابن مسعود.
وقال ابن حجر: وإنما جعل ذلك شركا؛ لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعا أو يدفع ضرا فإنهم أشركوه مع الله.
وعن عبد الله بن عمر: من عرض له من هذه الطيرة شيء فليقل: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك.
ومن علاج التطير الفأل:
1 ديوان لبيد بن ربيعة العامري ص90 دار صادر.
يقول أبو هريرة عن الرسول: لا طيرة وخيرها الفأل: قيل: وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم.
وقال عن أنس: ويعجبني الفأل الصالح والكلمة الحسنة.
قال ابن بطال: جعل الله في فطر الناس محبة الكلمة الطيبة والأنس بها كما جعل الارتياح بالمنظر الأنيق والماء الصافي وإن كان لا يملكه ولا يشربه.
الفرق بين الفال والتطير:
- الفأل من طريق حسن الظن بالله.
- والطيرة لا تكون إلا في السوء، وفيها سوء ظن بالله بغير سبب محقق، وذكر البيهقي في الشعب عن الحليمي ما ملخصه: كان التطير في الجاهلية في العرب إزعاج الطير عند إرادة الخروج للحاجة وكانوا يتطيرون بصوت الغراب، وبمرور الظباء فسموا الكل تطيرا؛ لأن أصله الأول.
قال: وكان التشاؤم في العجم إذا رأى الصبي ذاهبًا إلى المعلم تشاءم أو راجعًا تيمن
…
إلخ، فجاء الشرع يرفع ذلك كله واسند التدبير إلى الله1.
هـ- الكهانة:
الكهانة: ادعاء علم الغيب كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب.
والكاهن: لفظ يطلق على:
1-
العراف الذي يضرب بالحصى، والمنجِّم.
2-
ويطلق على من يقوم بأمر آخر ويسعى في قضاء حوائجه.
3-
وقال في المحكم: الكاهن: القاضي بالغيب.
1 يراجع فتح الباري "10: 171"، والسيرة الحلبية للاستزادة "1: 65".
4-
وقال في الجامع: العرب تسمي كل من أذن بشيء قبل وقوعه كاهنًا.
الكهنة:
يشملون الفئة المتعلمة، النيرة في المجتمع؛ وهم على جانب كبير من الثراء والنفوذ، يتعاطون في بعض أعمال السحر في إخراج الأرواح الشريرة من المرضى.
وكثيرا ما يكون الكاهن حاكما يحكم من قصره المجاور للهيكل، وهذا الحاكم: كان يتولى السلطتين: الزمنية والكهنوتية وكثيرا ما يكونون ملاك الأرض كحق من حقوقهم، وامتياز من امتيازاتهم بصفتهم نوابا عن الآلهة.
قال الخطابي: الكهنة قوم لهم أذهان حادة ونفوس شريرة، وطباع نارية.
وكانت الكهانة في الجاهلية فاشية خصوصا في العرب لانقطاع النبوة فيهم.
أصناف الكهانة:
1-
منها ما يخبر الجني به من يواليه بما غاب عن غيره مما لا يطلع الإنسان عليه غالبا، أو يطلع عليه من قرب منه لا من بعد.
2-
ما يستند إلى ظن وتخمين وحدس، فهذا قد يجعل الله فيه لبعض الناس قوة مع كثرة الكذب فيه.
3-
ما يستند إلى التجربة والعادة فيستدل على الحادث بما وقع قبل ذلك، وقد يعضده بعضهم بالزجر، والطرق والنجوم.
وكل ذلك مذموم شرعا؛ فعن أبي هريرة: من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد.
وقال القرطبي: كانوا في الجاهلية يترافعون إلى الكهان في الوقائع والأحكام ويرجعون
إلى أقوالهم، وقد انقطعت الكهانة بالبعثة المحمدية، لكن بقى في الوجود من يتشبه بهم، وثبت النهي عن إتيانهم فلا يحل إتيانهم ولا تصديقهم.
قال ابن إسحاق: الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى والكهان من العرب، ويربطون انتهاء الكهانة بقوله تعالى:
{وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا}
…
إلخ الآية1.
وتحدث عن الكواكب بقوله: {وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِين} 2.
الكاهن:
هو الذي يخبر بالأخبار الماضية الخفية يضرب من الظن. والعراف: الذي يخبر بالأخبار المستقبلية على نحو ذلك.
ولكون هاتين الصناعتين مبنيتين على الظن الذي يخطئ ويصيب، قال عليه الصلاة والسلام:"من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما قال، فقد كفر بما أنزل على أبي القاسم".
ويقال: كهن فلان كهانة؛ إذا تعاطى ذلك، وكهن: إذا تخصص بذلك، وتكهن إذا تكلف ذلك، قال تعالى:{وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُون} 3.
من الكهان:
1-
صاف بن صياد، كان يتكهن ويدعي النبوة، وينسبون إليه أنه تكلم مع الرسول صلى الله عليه وسلم وينسبون إليه أنه قال فيه: اخسأ فلن تعدو قدر الله فيك.
2-
الغيطلة الكاهنة بنت مالك بن الحارث، وينسبون إليها أنها قالت: شعوب ما شعوب، يصرع فيه كعب لجنوب، وهو كعب بن لؤي.
السحر:
وقد جمع "البخاري": بين الكهانة والسحر، بأن قدم الكهانة على السحر؛ لأن مرجع الاثنين شيء واحد هو: الشياطين.
وقد كان أكثر السحرة في الجاهلية من يهود، يقصدهم الجاهليون من أنحاء بعيدة؛ لاعتقادهم بسعة علمهم، وباختصاصهم فيه، وكان اليهود يسندون علمهم إلى بابل، ولهذا نجد الأحاديث والأخبار العربية ترجع علم السحر إلى بابل واليهود.
1 سورة الجن: 8.
2 سورة الملك: 5.
3 سورة الحاقة: 42.
والفرق بين الكهانة والسحر؛ أن الكهانة تنبؤ فسند الكاهن هو كلامه، الذي يذكره للناس، أما السحر فإنه عمل في الأكثر؛ للتأثير في الأرواح؛ كي تقوم بأداء ما طلب منها، ولا يمكن صنع سحر ما لم يقترن بعمل، ويصحب هذا العمل كلام مفهوم أو غير مفهوم، وإشارات يدعى الساحر أنه إنما يقوم به، وبالإشارات؛ لتسخير الأرواح، وإن ما يفعله مفهوم عند جنوده، وهم: الجن والشياطين.
ومن طرق السحر عند الجاهليين: "النفث في العقد"، وقد دلت عليه الآية الكريمة:{وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد} 1، ويكون ذلك بعقد عقد، والنفث عليها2.
وأما الكهان من العرب: فأتتهم به الشياطين من الجن فيما تسترق من السمع إذا كانت وهي لا تحجب عن ذلك بالقذف من النجوم، وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يسمع منهما بعض أموره ولكن لا تلقي العرب لذلك فيه بالا.
و السحر:
من صفات اليهود وليس من صفات العرب.
قال الراغب2: السحر يطلق على معانٍ:
1-
أحدهما: ما لطف ودق، منه سحرت الصبي خادعته واستملته، ومنه: إطلاق الشعراء يسحرون العيون؛ لاستمالتها النفوس، ومنه قول الأدباء: الطبيعة ساحرة.
2-
الثاني: ما يقع بخداع وتخيلات لا حقيقة لها نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، وإلى ذلك أشار قوله تعالى:{يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} 3، وقوله:{سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاس} 4.
3-
الثالث: ما يحصل بمعاونة الشياطين بضرب من التقرب إليهم وإلى ذلك أشار قوله تعالى: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْر} 5.
4-
الرابع: ما يحصل بمخاطبة الكواكب واستنزال روحانيتها بزعمهم:
والسحر يطلق ويراد به:
1 سورة الفلق: 4.
2 المفصل جـ6 ص740، ص741، ص743، أسباب النزول ص346.
3 سورة طه: 66.
4 سورة الأعراف: 166.
5 سورة البقرة: 102.
1-
الآلة التي يسحر بها.
2-
ويطلق ويراد به: فعل السحر.
الآلة التي يسحر بها قد تكون معنى من المعاني: كالرقى والنفث في العقد، وقد تكون من المحسوسات؛ كتصوير الصورة على المسحور وتارة بجمع الأمرين وهو أبلغ.
والسحر: تخييل فقط ولا حقيقة له.
3-
فاطمة بنت النعمان النجارية: كان لها تابع من الجن ويزعمون أن تابعها كان إذا جاءها اقتحم عليها بيتها، وفي أول البعث جاءها وقعد على حائط الدار فقالت له: لم لا تدخل؟ قال: قد بعث نبي بتحريم الزنا.
4-
أخطر بن مالك من أعلم الكهان وعنده علم النجوم ينسبون إليه:
يا معشر أعني بني قحطانِ
…
أخبركم بالحق والبيانِ
أقسمت بالكعبة والأركانِ
…
والبلد المؤتمن السدانِ
قد منع السمع عتاة الجانِ
…
بثاقب بكف ذي سلطانِ
من أجل مبعوث عظيم الشأنِ
…
يبعث بالتنزيل والقرآنِ
وبالهدى وفواصل القرآنِ
…
تبطل به عبادة الأوثانِ
فقالوا: وماذا ترى لقومك؟ فقال:
أرى لقومي ما أرى لنفسي
…
أن يتبعوا خير نبي الإنسِ
برهانه مثل شعاع الشمس
…
يبعث في مكة دار الحمسِ
بمحكم التنزيل غير اللبسِ
فقلنا: يا أخطر من هو؟
فقال: والحياة والعيش، وإنه لمن قريش، ما في حلمه طيش، وما في خلقه طيش.. أخبرني به رئيس الجان.
1 سيرة ابن هشام "14: 125".
1-
ويقال أن جنيا من بطن اليمن كان لقومه كاهن في الجاهلية سألوه عن الرسول عندما انتشر أمره بين العرب فقال:
أيها الناس إن الله أكرم محمدا واصطفاه.
وجنى مذحج وهم: عبد الله، وأنس الله، وزيد الله، وأوس الله.
قال ابن إسحاق: وكانت الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى، وكلها من العرب قد تحدثوا بأمر الرسول قبل مبعثه لما تقارب من زمانه.
- أما الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى، فمما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه وما كان من عهد أنبيائهم فيه.
وقال النووي: إن له حقيقة1.
والذي قال تخييل جعله انقلاب عين، والذي جعله حقيقة جعل له تأثيرا على المزاج فيكون نوعًا من الأمراض أو تأثيرا بحالة الجماد الحيوان.
ونحن نرى أن ما يقع منه لا يخرج عن كونه خيالات باطلة، ولما كان السحر يشبه خوارق العادات رأى العلماء أن يفرقوا بينه وبين غير من الكرامة والمعجزة.
1-
السحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد، وقال الجويني نقلا بالإجماع على أن السحر لا يظهر إلا من فاسق، وقال القرطبي: كذلك "السحر" حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، وحده الوقوف على ظواهر الأشياء وأكثرها تخييلات بغير حقيقة، وإيهامات بغير ثبوت.
الكرامة: لا تحتاج إلى ذلك من أقوال الناس أو أفعالهم، أوتعلم إنما تقع غالبا اتفاقا وأنها لا تظهر، على فاسق.
المعجزة: مثل الكرامة غير أنها تمتاز عنها بالتحدي.
1 فتح الباري "10: 180".
والسحر: يرجع إلى اليهود منذ نبي الله سليمان وظهوره في جزيرة العرب مرتبط باليهود.
قال النووي: عمل السحر حرام وهو من الكبائر بالإجماع.
قال صاحب المحيط: وأما في زماننا الآن فكل ما وقفنا عليه في الكتب فهو كذب وافتراء لا يترتب عليه شيء ولا يصح منه شيء البتة، وكذلك العزائم وضرب المندل، والناس الذين يعتقد فيهم أنهم عقلاء يصدقون بهذه الأشياء ويصغون إلى سماعها.
قال: وقد رأيت بعض من ينتمي إلى العلم إذا أفلس وضع كتبًا، وذكر فيها أشياء من رأسه وباعها في السواق بالدراهم الجيدة.
قال في فتح الباري1: شرح: لا عدوى:
البرهان العقلي والحسي: رد على قول أن المرض يعدي بطبيعته عقيدة للطبعيين يجوز مشافهة من وقعت له شبهة في اعتقاده بذكر البرهان العقلي إذا كان السائل أهل لفهمه.
وأما من كان قاصرًا فيخاطب بما يحتمله عقله من الاقتناعات.
وقول الرسول لا عدوى نفي لشبهة وقع فهيا الطبعيون أولا والمعتزلة ثانيا: فقال الطبعيون بتأثير الأشياء بعضها في بعض وإيجادها وسمو المؤثر طبيعة.
وقال المعتزلة: بنحو من ذلك في الحيوانات والمتولدات وأن قدرتهم مؤثرة فيها بالإيجاد وأنهم خالقون لأفعالهم مستقلون باختراعها.
واستندت الطائفتان إلى المشاهد الحسية ونسبوا من أنكر ذلك إلى إنكار البديهة.
وغلط من قال منهم غلطًا فاحشا لالتباس إدراك الحس بإدراك العقل، فإن المشاهد إنما هو تأثير شيء على آخر وهذا حظ الحس فأما تأثيره فهو حظ العقل.
1 فتح الباري "3: 299".
فالحس إدراك وجود شيء عند وجود شيء وارتفاعه عند ارتفاعه، وأما إيجاد به للحس فليس للحس فيه مدخل.
فالعقل هو الذي يفرق فيحكم بتلازمهما عقلا أو عادة مع جواز التبدل عقلا.
على أي حال كانت الخرافات المتعددة وتنوعها ثقلا شديدا على كاهل الوثني الذي تشتت فكره واضطربت عقليته.
وكنا نرى ذلك سببا وراء عدم ظهور وحدة القصيدة في قصيدة الشاعر الجاهلي مضافا إليه تأثرا الشاعر ببيئته القبلية، وكان مجتمعه محكوما بأنظمة قبلية شتى، ومن جانب آخر افتقد الوحدة التي تجمع بينه وبين أديانه المتعددة أضف ذلك كله إلى شخصية الشاعر التي وقعت تحت ذاتية منغلقة، وبسبب من واقع الشاعر تحت مؤثرات البيئة التي لم تشعره بضرورة وحدة القصيدة.
العراف:
في حديث: "من أتى عرافا أو كاهنا"، ذكر أن: العراف، الكاهن، أو الطيب، أو المنجم، أو الحازي الذي يدعى علم الغيب.
فللكلمة معانٍ عديدة، ولا تختص بمعنى واحد.
وقد ذهب المسعودي: إلى أن العراف دون الكاهن.
وخلاصة ما يفهم عن الكهانة، والعرافة في روايات الإخباريين أن: الكهانة هي التنبؤ بواسطة تابع؛ وأن العرافة -تكون بالملاحظات، وبالاستنتاجات، وبمراقبة الأشياء؛ لاستنتاج أمور منها يخبر بها السائلون على سبيل التنبؤ.
وقد عد العبرانيون العرافة من الحيل الشيطانية كالسحر، والتفاؤل؛ لأنها من رجس المشركين1.
1 المفصل جـ6 ص773.
القيافة:
ويقصد بها التنبؤ، والإخبار عن شيء بتتبع الأثر والشبه.
الفراسة:
فتكون بالاستدلال بهيئة الإنسان وأشكاله، واقواله على صفاته وطبائعه.
وقد ذهب بعض المستشرقين: إلى أنها من الكلمات المعربة، التي أخذت من بني إرم.
العيافة:
هي: التنبؤ بملاحظة حركات الطيور، والحيوانات، ودراسة أصواتها، وقراءة بعض أحشائها؛ ولذلك قيل في العبرانية للعائف:"الشاق"؛ لشقه الحيوانات والطيور؛ لدراسة أحشائها واستخراج الخبر مما يراه على تلك الأحشاء من ألياف، يرى أن في أوضاعها معاني يذكرها للسائل على شكل نبوءة.
والزجر: العيافة؛ وهو يزجر الطير يعافها، وأصله أن يرمي الطير، يصيح؛ فإن ولاه في طيرانه ميامنه تفاءل بهن أو مياسره تطير، وهو ضرب من التكهن1.
الاستقسام بالأزلام:
ومن طرق التنبؤ: الاستقسام بالأزلام؛ وتقابل ذلك ما يقال له: "كسيم، كسم" في العبرانية؛ وهي طريقة معروفة عند البابليين كذلك، وعند غيرهم من الشعوب.
وقد أشير في التوراة إلى أن: بختنصر أجال السهام حين عزم على فتح أورشليم "القدس" فإن ملك بابل قد وقف عند أم الطريق في رأس الطريقين؛ ليباشر عرافة فأجال السهام، وسأل التراقيم، ونظر في الكبد، وقد خرج السهم الذي كتب عليه أورشليم؛ فعمل به وهاجم القدس وفتحها.
1 المفصل جـ6 ص774، ص775.
وقد عرف أهل الأخبار: الأزلام؛ أنها السهام التي كان أهل الجاهلية يستقسمون بها؛ وعرفوا "الزلم" أنه السهم؛ وأنه القدح المزلم.
وذكر بعض آخر: أن الأزلام سهام كانت لأهل الجاهلية، مكتوب على بعضها "أمرني ربي"، وعلى بعضها نهاني ربي؛ فإذا أراد الرجل سفرا أو أمرا ضرب تلك القداح؛ فإن خرج السهم الذي عليه أمرني ربي مضى لحاجته؛ وإن خرج الذي عليه "نهاني ربي" لم يمض في أمره1، وطريقة الضرب أن الرجل منهم إذا أراد أن يخرج مسافرا كتب في قدح هذا يأمرني بالمكث، وهذا يأمرني بالخروج وجعل معهما أزلاما مسحة لم يكتب فيها شيئا؛ ثم استقسم بها حين يريد الخروج؛ فإن خرج الذي يأمر بالمكث مكث؛ وإن خرج الذي يأمر بالخروج خرج، وإن خرج الآخر أي المسح أجالها ثانية حتى يخرج أحد القدحين؛ وجاء في سورة المائدة:{وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} 2، وذلك مع أمور نهى عنها الإسلام؛ منها تحريم أكل الميتة، والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة
…
إلخ ما جاء في الآية.
وجاء ذكر الأزلام في موضع آخر: مع ذكر الخمر، والميسر والأنصاب، والأزلام حيث جعلت رجسا من عمل الشيطان لذلك على المسلم اجتنابها والابتعاد عنها.
فالاستقسام بالأزلام من الأمور التي نزل الأمر بالنهي عنها في الإسلام، وقد جاء الأمر بالنهي عنها في شريعة "يهود" كذلك؛ إذ اعتبرت رجسا ومن أعمال الوثنيين.
والأزلام: كانت لقريش في الجاهلية، مكتوب عليها: أمر، نهي، وافعل ولا تفعل، وقد زلمت وسويت ووضعت في الكعبة، يقوم بها سدنة البيت؛ فإذا أراد رجل سفرًا، أو نكاحًا: أتى السادن، فقال: أخرج لي زلما فيخرجه، وينظر إليه؛ فإذا خرج
1 المفصل جـ6 ص776.
2 سورة المائدة آية 3.
قدح الأمر مضى على ما عزم عليه؛ وإن خرج قدح النهي قعد عما أراده؛ وربما كان مع الرجل زلمان وضعهما في قرابه؛ فإذا أراد الاستقسام أخرج أحدهما1.
الطيرة:
قال الجاحظ: وأصل التطير إنما كان من الطير، ومن جهة الطير إذا مر بارحا أو سانحا، أو رآه يتفلى، وينتف حتى صاروا إذا عاينوا الأعور من الناس، أو البهائم، أو الأبتر زجروا عند ذلك وتطيروا كما تطيروا من الطير إذا رأوها على تلك الحال فكان زجر الطير هو الأصل، ومنه اشتقوا التطير، ثم استعملوا ذلك في كل شيء2.
1 المفصل جـ6 ص777، ص778، ص779، اللسان جـ12 ص270 وما بعدها.
2 المفصل جـ6 ص786، ص787، الحيوان جـ1 ص438، العمدة جـ2 ص259.