الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أساسي، ووجود زمنين للفعل كما في الماضي، والمضارع؛ وتصريف الفعل يتبع نفس الأسلوب؛ وفي جميع لغات المجموعة السامية؛ نجد تشابهًا بين الكلمات الأساسية؛ كالضمائر الشخصية، والأسماء التي تدل على الغرابة، والأعداد، وأعضاء الجسم الرئيسية؛ هذه القرابة اللغوية بين الشعوب التي تتكلم اللغات السامية هي أهم رابطة تبرر ضمهم تحت اسم واحد، ولكنها ليست الرابطة الوحيدة؛ فإذا ما قارنَّا مؤسساتهم الاجتماعية، وعقائدهم الدينية، وصفاتهم النفسية، وأوصافهم الطبيعية؛ اتضحت لنا نواحٍ هامة للتشابه؛ وعندئذ لا بد من الاستنتاج بأن بعض أسلاف الذين تكلموا البابلية، الآشورية، والكنعانية، والعبرية، والآرامية، والعربية، والحبشية، كانوا غالبا يتكلمون جماعة واحدة، قبل أن تحصل بينهم هذه الاختلافات؛ وأن هذه الجماعة كانت تتكلم اللغة نفسها، وتعيش في المكان نفسه1.
1 تاريخ سورية ولبنان وفلسطين جـ1 ص66، 67.
الأمة السامية بطونها، وتراثها الحضاري والديني:
أولا: السومريون
توحي العناصر المشتركة بين حضارات الشرق الأوسط بأن عوامل نشوئها متشابهة؛ وتتضمن كلمة الشرق الأوسط: مصر، الأناضول، سوريا، لبنان، فلسطين، العراق، إيران، الجزيرة العربية كلها، وكان وادي نهر الهند وأرض الرافدين ووادي النيل خلال 3200 ق. م. نهاية مطاف أولئك الرعاة من البدو الذين يتحركون في أعماق التاريخ إلى تلك الروافد الخصيبة في اندفاع كالموج الهادر يشق مجراه، ومع مصبه يكون ظعنهم وإقامتهم.
ومن هنا يرجع المؤرخون حضارة ما بين النهرين إلى السومريين، الذين عبروا بالعراق إلى خصائص العصور التاريخية بما تركوه من آثار عبرت عن حضارتهم التي بدأت في القرن الثلاثين ق. م، وتعدد مراكز التجمع والتحضر حينذاك في النصف الجنوبي من سهول النهرين؛ وبهم عرف التاريخ باسمهم السومريين؛ ثم استخدمه الساميون خلفاؤهم في قولهم:"مات شوميرين" بمعنى أراض شومير؛
نزحوا من المناطق الجبلية للهند، التي تسمى بلوشيستان؛ واستولوا على مقاليد الحكم في أرض الرافدين؛ وسموا بالسومريين؛ وظلوا إلى أن نزحت الأمة السامية، أو العربية القاطنة في الجزيرة العربية العربية إلى أرض الرافدين وبلاد الشام.
ويرى علماء الأجناس أن وجود ملامح تشابه بين وجوه السومريين، وسكان وادي نهر الهند؛ دعا كثيرا من علماء الأحفار إلى القول بأن السومريين كانوا من الأصل الهندي، نزحوا من المناطق الجبلية التي تسمى ببلوشستان؛ واستولوا على مقاليد الحكم في أرض الرافدين.
ثانيا: الأمة السامية
يقول سفر التكوين: وسام أبو كل بني عابر، أخو يافث الكبير، وله أيضا بنون: يوسام، عيلام، آشور، أرفكشاد، آرام1.
ويعلق الفقيه اللغوي حامد عبد القادر على النص فيقول: قال النص: إن سام هو أبو كل بني عابر مع أنه أبٌ لجميع من تناسل من أبنائه المذكورين "عيلام، آشور، أرفكشاد، آرام"، وعبر هذا من أحفاد أرفكشد؛ لأنه ابن شلح بن أرفكشد؛ عبر أيضًا هو الجد الخامس لإبراهيم؛ وإلى عبر هذا ينسب إبراهيم، فيقال: إبراهيم العبري فالظاهر أن النص خص عبر بالذكر دون غيره من أحفاد سام لما يروى من أنه كان نابها ذا منزلة اجتماعية عظيمة عرفها التاريخ2.
1-
عيلام:
عيلام اسم مملكة كانت تقع في المناطق الجبلية لإيران، وعلى مقربة من أرض الرافدين، شرق بابل، وكانت عاصمتها "سوسة" الوارد ذكرها في التوراة "شوشان"، وهي بلاد مجدبة تكثر فيها المرتفعات، والمعروف تاريخيًّا أن سكانها لم يكونوا ساميين، بدليل أن لغتهم كانت من النوع الإلصاقي؛ وأدخلوا في الساميين؛ لما كان بينهم وبين الساميين من علاقات اجتماعية وسياسية.
1 سفر التكوين: إصحاح 10، آية21.
2 الأمم السامية مصادر تاريخها وحضارتها ص29.
اقتبس عيلام حضارته من الحضارة السومرية؛ وتعلم منها الكتابة بالخط المسماري، ووفق ماجاء في سفر التكوين "14-10" أن ملكا عيلاميا اسمه:كرد لعومر" استعبد البلاد الكنعانية فترة قصيرة1.
2-
الآشوريون:
أما الآشوريون؛ فكانوا ساميين لغة ونسبا، ولغتهم قريبة الشبه تماما بإخوتها اللغات السامية، وخصائص الآشوريين الخلقية، والعقلية هي نفسها الخصائص التي يذكرها المؤرخون على أنها خصائص الجنس السامي.
وينسب الآشوريون إلى بلادهم: آشور، وآشور أكبر مدنها، وعاصمة بلادهم مرتفع على مقربة من التقاء نهر دجلة ونهر الفرات الأسفل؛ ويمكن القول: بأن الآشوريين شعبة من البابليين، هاجروا من بابل، التي هي جنوب العراق بعد أن ضاقت بهم؛ وذلك للتشابه بين اللغتين: الآشورية والبابلية بشكل عظيم، ولم يكن الفرق بين اللغتين يجاوز كثيرًا الفرق بين لهجتين للغة واحدة؛ كذلك أخذ الآشوريون أبجديتهم المسمارية، وعلومهم، وتقاليدهم الاجتماعية؛ وكانت آلهة كل فريق: هي عينها آلهة الفريق الآخر؛ ما عدا إله آشور الأكبر، الذي اختص به الآشوريون، وهو إله الشمس "أشور"، ثم أطلق على المدينة.
يرى حامد عبد القادر أن السبب في إغفال ذكر البابليين في قائمة الأنساب، التي يتضمنها الفصل العاشر من سفر التكوين؛ هو أن هؤلاء البابليين لم يكن لهم نفوذ سياسي، ولا كيان اجتماعي يعتد به عند تدوين ذلك السفر، ولم يكن سكان بابل ساميين دائمًا؛ بل إن سكانها الأقدمين كانوا ينتمون إلى شعب آخر، ولم تكن لغة هؤلاء الأقدمين من الفصيلة السامية اللغوية، بل كانت لغة إلصاقية2، ولكن حتى يرى أنهم الآشوريون بعد ما اندمجوا بالسكان الأصليين، وهؤلاء هم الآكديون بعدما اندمجوا بالحوريين، الوارد ذكرهم في التوراة، الذين ورثوا عنهم الملامح الآرمينية3.
1 الأمم السامية ص26.
2 يراجع الأمم السامية ص27، ص28، حامد عبد القادر.
3 خمسة آلاف سنة من تاريخ الشرق الأوسط جـ1 ص67، فليب حتى.
ولعل السبب الذي مال إليه حامد عبد القادر لا يتأيد تاريخيا؛ لأن خليفة آشور ناصر، وهو شلمناصر الثالث 859-824 ق. م. واجه تحالفا عسكريا في وادي نهر العاص، على رأس هذا التحالف العسكري "بن-هدد" ملك دمشق الآرامي، والتحالف يضم جيش آحاب ملك العبرانيين، وجيش جندب، وهو شيخ من شيوخ العرب، وفي هذه المعركة ذكر لأول زعيم عربي في التاريخ، يذكر اسمه بوضوح.
3-
البابليون الآشوريون:
ورد في سفر التكوين "وكان سفرهم إلى الشرق -أي أبناء نوح- أن وجدوا بقعة من الأرض، في أرض شنعار فأقاموا هناك"1 شنعار: هي بلاد بابل، وهي جزء من بلاد حوض دجلة والفرات يقع جنوب مدينة بابل القديمة، ويمتد إلى الخليج الفارسي، ولم يطلق اسم بابل على هذا الإقليم إلا بعد أن استولى عليه "سرجون الأول" في القرن الثامن والثلاثين ق. م. وأقام هناك معبدا جديدا للإله "صردوح"، ثم أطلق على المدينة التي أقام بها ذلك المعبد اسم "باب إيل" وأصبحت فيما بعد بابل؛ على أنه قد ورد في سفر التكوين "11-89" تعليلا آخر لهذه التسمية؛ فقد قيل هناك: إنها سميت كذلك؛ لأن قوما من الأقدمين بَنَوْا هناك هيكلا كانوا يجلسون عند بابه للفصل في قضاياهم، وفيما يحدث بينهم من خلافات، فسميت المدينة باسم "باب إيل" أي باب الله؛ لأن ذلك هو الاسم الذي أطلقه هؤلاء القدماء على باب الهيكل.
يقول أرسطو: إن بابل أمة أكثر منها مدينة2.
يقول يردسوس: إن بلاد بابل كانت مقرا لجموع من الناس ينتمون إلى شعوب أجنبية، كانت قد أقامت في بلاد الكلدان فترات متعاقبة قبل أن يسكنها الساميون3.
وكانت كلديا تنقسم إلى مقاطعتين؛ الأولى في الشمال وهي مقاطعة آكد.
1 "بابل": نجيب إبراهيم جـ3 ص186، "الأمم السامية" ص31.
2 "تراث العالم القديم" ص45.
3 "السياسة" جـ3.
والثانية في الجنوب؛ وهي مقاطعة شنعار، أو شومر، وكانت آكد أسبق المقاطعتين إلى الخروج من أيدي الشومريين إلى أيدي الساميين، الذين سموا فيما بعد بالبابليين، وهم الذين أسسوا أول إمبراطورية سامية، بلغ أوج عظمتها في عهد سرجون الأول في القرن الثامن والثلاثين قبل الميلاد؛ أما المقاطعة الجنوبية وهي شومر، أو شنعار، فلم تخضع للساميين إلا في عصر متأخر.
4-
الآكديون:
كان الآكديون فرعا من هجرات سامية متوالية، تكاثرت أعدادها بوادي العراق، والشام قبيل منتصف الألف الثالث قبل الميلاد؛ ثم تشعبت فروعًا كثيرة؛ فكان منها ما انتشر في نواحي الشام، واتجهت آمالها نحو المناطق الخصبة بالعراق؛ والشعبة الثانية عرفت باسم الأموريين، أطلق عليهم "السومريون" بمعنى أهل القرب؛ وإن كان هناك بعض نصوص بابلية تذكر أن إحدى آلهتهم الكبرى تسمى "باحور" مما يرجح نسبتهم إليها.
وكانت الجماعة الثانية تعرف "بالآكديين"، الذين اكتسبوا اسمهم بالانتساب مؤخرا فيما يحتمل إلى العاصمة "آكد" التي أصبحت مركزًا لنشاطهم السياسي والحربي، بعد فترة من استقرارهم بالعراق، وبعد أن انتظمت أمورهم وعز شأنهم فيه.
وحين استقر شأنها ونجحت في تكوين دولة كبيرة في العراق، دعت إلى نوع من تعظيم أولي الأمر الكبار فخطر لدى بعض أهل العراق فكرة تقديس الحكام، أو نعتهم بنعوت الربوبية، وإن جمعتهم هذه الفكرة على السواء، وأدخلت معها ألفاظ ومسميات سامية، وجدت سبيلها إلى لغة العقائد، والآداب، والأسماء؛ فأدخلت إلى الدين اسمي: سينن وشمس "القمر والشمس" إلى جانب اسميهما السومريين القديمين، "وأوتو" اسم المعبود الزهرة؛ وهي عشتار عند الساميين الأموريين التي شابهت "أنانا" السومرية، كما أدخلت معها بضع صفات ربانية مثل "بعل" بمعنى: سيد وإيل "أو إل" بمعنى إله، وذلك فضلا عن لقب "شارو" بمعنى ملك، وقد حل محل لقب "لوحال" السومري القديم؛ وألقاب كهنوتية مثل "شيبو" بمعنى كهنة الطقوس، وعدد كبير من أسماء الأفراد من أطرفها اسم يقرب من اسم "إسماعيل" أو "يشع ال" وله دلالة بالغة الأهمية؛ إذ إن ظهوره منذ أكثر من أربعة آلاف عام يدحض دعوى بعض غلاة اليهود ممن أرادوا أن يشككوا العرب الشماليين فيما تواتر
عن نسبهم إلى إسماعيل عليه السلام بدعوى أن اسم إسماعيل لم يعرف مثيل يسبق ظهور الإسلام1.
ويذهب حتى: إن أول شعب سامي هام بحثًا عن موطن له في البلاد السورية، وأقام فيها هو الشعب الذي سماه جيرانه السومريون في الشرق: بالأموريين.
يقول حتى: ولا ندري الاسم الذي كان يطلقه على نفسه، وهذه كلمة سومرية، وهي من جهة الاشتقاق شبيهة باسم البلاد "وماشوا" أي بلاد الغرب؛ وكان هذا أيضا إلههم القديم هو إله الحرب والصيد؛ والأموريون لم يقتصروا على تأسيس دولة في منطقة الفرات الأوسط، واجتياح سورية، وإنما اجتاحوا بلاد ما بين النهرين؛ وفي هذا السهل يبدأ التاريخ السوري المستمر، وأول ممثلي الساميين هم الأموريون.
ويقول: وتظهر أول إشارة إلى أرض الأموريين من عصر سرجون حوالي "225 ق. م"، وقد أسسوا عدة سلالات من آشور في الشمال وأهم هذه السلالات كانت سلالة بابل؛ وهي أول سلالة ظهرت في هذه المدينة، وانتسب إليها حمورابي2.
5-
الكنعانيون الفينيقيون:
كان الكنعانيون الذي سماهم اليونان بالفينيقيين ثاني جماعة سامية لعبت دورا هاما في التاريخ؛ والكنعانيون والآموريون ينتسبون إلى موجة الهجرة نفسها، والاختلاف الحضاري بينهما ناشئ عن أن مركز الآموريين الأصلي كان في شمال سورية فتعرضوا لتأثيرات سومرية بابلية، بينما كان مركز الكنعانيين الجغرافي في الساحل، ولذلك كانوا متجهين نحو مصر.
وقد أطلق اسم كنعان في أول الأمر على الساحل، وغرب فلسطين ثم أصبح الاسم الجغرافي المتعارف عليه لفلسطين، وقسم كبير من سورية؛ وكان هذا أول اسم لفلسطين؛ وفي وثائق العهد القديم الأول أطلق اسم كنعاني بمعناه الواسع على جميع سكان البلاد بدون أي مدلول عرقي، سادت الديانة واللغة الكنعانيتان بالظهور
1 "الشرق الأدنى القديم، مصر والعراق": دكتور عبد العزيز صالح طبعة الأنجلو المصرية طبعة ثانية 1982.
2 تاريخ سورية ص74، 75.
من غياهب العصور السامية القديمة حوالي مطلع الألف الثاني ق. م. غير أن أسلاف الذين سمو كنعانيين كانوا غالبا يحتلون البلاد قبل ذلك بألف سنة أو أكثر.
الوجه الثقافي والديني للحضارة الفينيقية:
كان الفينيقيون أول أمة بحرية في التاريخ، وكان البحر لا يخيفهم والعالم المجهول يفتنهم بدلا من أن يلقي الرعب في قلوبهم، وكان الفينيقيون أول من قدم أربع موادٍّ هامة مفقودة في كثير من بلاد البحر المتوسط وهي "الأخشاب، والقمح، والزيت، السكر" وأصبح البحر المتوسط بحيرة فينيقية قبل أن يكون بحيرة يونانية أو رومانية بوقت كبير، وفي بلاد اليونان يشهد وجود أسماء سامية للمواقع، والآلهة إلى جانب وجود الأساطير الخرافية الكثيرة بنشاط فينيقي، ومن الجزر اليونانية التي لها صلة بالاسعمار الفينيقي ساموس، وكريت، وكانت لهما مكانة بارزة في هذه الناحية، إن السفن كالقوافل -فوق ما تحمل ن شحنات البضائع- تحمل أمورا غير ملموسة تساويها في أهميتها إن لم تفقها بالنسبة للتقدم البشري، وهذه الأمور غير المادية هي المؤثرات الحضارية المتنوعة، التي أتى بها التجار الفينيقيون، ونشروها بين الشعوب التي احتكوا بها، وبخاصة اليونان الذين أصبحوا تلامذتهم في شئون الملاحة؛ وأخذوا عنهم أشياء مختلفة في ميادين الأدب والدين، والفن الزخرفي، وكان الفينيقيون يلعبون دور الوسطاء من الناحيتين الفكرية، والروحية؛ كما كانوا من الناحية التجارية.
يبدو أن الفينيقيين الذين كانوا أول من استعمل نظامًا أبجديًّا راقيًا في الكتابة، ونشروه في العالم، قد أخذوا أساس أسلوبهم من مصادر مصرية هيروغليفية بطريق سيناء؛ والرموز الهيروغليفية كانت في الأصل صورا للأشياء التي أرادت الدلالة عنها، ولكنها أنشأت من وجهة صوتية أربعين إشارة كانت حروفا ساكنة؛ غير أن المصريين المحافظين لم يذهبوا إلى حد استخدام هذه العلامات الساكنة وحدها؛ ولذلك فإن العلامات ظلت بدون أهمية حتى حوالي نهاية القرن السابع عشر حين اتفق لأحد الأسر الكنعانية، أو لأحد العمال في مناجم الفيروز في سيناء -كما يظن- أن يتجاهل الرموز الهيروغليفية المصرية؛ لعدم تمكنه من حل ما فيها من تعقيد، وأن يستعمل العلامات الساكنة، وكان المكان الذي ربما حصل فيه ذلك -هو سرابيط الخادم؛ وقد أعطيت للعلامات الساكنة أسماء سامية، وقيم سامية؛ فقد اتخذ الساميون مثلًا علامة
رأس الثور بدون أن يهتموا ماذا يعني رأس الثور في اللغة المصرية، سموا العلامة "ألف" باسمها السامي؛ ثم طبقوا المبدأ الذي بموجبه يعطى الحرف الصوت الأول في اسم الشيء الذي يمثله؛ وفي هذه الحالة استعملوا علامة الألف لأجل صوت "أ"، وعملوا الشيء نفسه بالنسبة للعلامة الدالة على "بيت" فسموها "بيت"، واستعملوها لأجل صوت "ب"، وعلى ذلك فإن العامل في سيناء استخدم فقط الفكرة الأبجدية، الموجودة في العلامات الساكنة المصرية، وشكل لنفسه مجموعة بسيطة من العلامات التي يمكن أن تتهجى بها الكلمات؛ والفينيقيون الذين كانت لهم علاقات تجارية مع سيناء اقتبسوا على الغالب هذه الإشارات وأضافوا إليها، وجعلوا منها نظاما أبجديا تاما مؤلفا من اثنتين وعشرين علامة، بدون حروف صوتية، بسبب تأثير الهيروغليفية المصرية؛ وهكذا حصل ما سموه بحق أعظم اختراع أتى به الإنسان، ونظام الكتابة الأبجدية الخطية بحروفها الاثنين والعشرين، والمكتوبة من اليمين إلى اليسار، كانت غالبا من عمل الفينيقيين في بيبلوس؛ وقد اخترع فينيقيون آخرون، وهم الذي عاشوا في أوغاريت نظاما أبجديا آخر على أساس مختلف فقد كتبوا الأبجدية بقلم على ألواح من الطين؛ ولذلك اتخذت شكل علامات مسمارية أو اسنينية1.
ومثل هذه الأبجدية، وتطور الكتابة على يدي الفينيقيين لا تترك مجالا للشك، بأن العصر كان عصر تنوع، وتلقيح حضارات تمازجت فيه بحرية الأفكار العلمية، والدينية من بلاد الرافدين، ومصر وسورية، وجرى التبادل فيما بينها؛ وظلت اللغة الفينيقية في شكلها المعروف بالبوني تستعمل حتى العصر الإسلامي.
ديانة الكنعانيين: ديانة الخصب
الأمر الأساسي في الديانة الكنعانية كما تظهره لنا المكتشفات الأثرية الحديثة هو عبارة عن قوى النمو، والتوالد التي يعتمد عليها كيان مجتمع زراعي يهتم بتربية الماشية في أرض أمطارها قليلة، وغير مؤكدة، ويصدق هذا إلى حد كبير على جميع الديانات السامية القديمة؛ والصفات البارزة في ديانة الخصب السامية هذه هي الحزن على موت إله النبات وإجراء طقوس للتمكين من الفوز على خصمه "إله الموت"، و"العالم الأسفل"، حتى يضمنوا كمية كافية من المطر الضروري لإنتاج موسم العام الجديد، والفرح عند عودة الإله الذي يموت، ثم يبعث تصبح جزءا هاما
1 تاريخ سورية ص118، ص119.
من الأعراف المسيحية؛ ويتصل بفكرة جفاف النبات الدوري بسبب حرارة الصيف، وعودته إلى الحياة في الربيع عنصر القوة المتجددة للشمس المنتصرة، عندما تظهر في الشتاء؛ وسمى الكنعانيون هذا الإله "أدون" بمعنى سيد1، ثم اقتبس اليونان هذا الاسم، وجعلوا منه "أودنيس" وجعل فيما بعد معادلا للإله المصري "أوزيريس"، وأصبح "أودنيس" أشهر الآلهة السورية؛ وأقيمت عبادته في اليونان في القرن الخامس، وجعل الفينيقيون حادثته مع "عشتار"، أو سيدة "بيبلوس" عند منبع النهر الذي يسمى اليوم: نهر إبراهيم في لبنان2.
وأما الختان الذي الذي كان عادة سامية قديمة، فقد كان بمثابة علامة قبلية، والديانة الكنعانية تؤكد على دورة الحياة أي تتابع الحياة، والموت؛ ونتج عن ذلك التأكيد على الناحية الجنسية من الحياة؛ وقد تجلى ذلك في البغاء المقدس، الذي كانوا يمارسونه، بمناسبة إقامة الطقوس في الأماكن المقدسة وبعض مظاهر هذه الطقوس، استعارها العبرانيون كما يظهر، وكان لديهم ما يسمى "بمومسات المعبد"3.
الآلهة:
إن ديانة كنعان القديمة، وبقية العالم السامي، باعتبار أنها بالدرجة الأولى تقوم على عبادة الطبيعة، كانت تضم إلهتين رئيستين تعرفان بأسماء مختلفة؛ ولكنهما في جوهرهما الجو الأب الأرض الأم.
وفي أوغاريت، كان إله الجو يعرف باسم "إيل"؛ بينما الإله الأعلى للعالم الكنعاني العبراني؛ وبعده يأتي عليان الذي أصبح كبعل له مكان معين، واعتبر حاميا لإحدى المدن؛ وكانت الأمطار والغلال تحت مراقبته؛ والأعياد كانت تقام؛ لإرضائه، والتقدمات تعطي؛ لاستعطافه؛ والذبيحة، أو التقدمة كانت بجوهرها احتفالا يشترك فيه العابد، والمعبود، أو حفلة اشتراك، ولعدم وجود أية صورة محفورة؛ كانوا يرمزون إلى الإله بعمود أو
1 تاريخ سورية جـ1 ص123.
2 سفر حرفيال 8: 14.
3 تاريخ سورية جـ1 ص127.
حجر، والإله "ملخ" الذي تقدم له الأولاد كضحايا يعتبر أنه نفس "ملقارت" أي سيدة المدينة "مدينة صور" كانت رفيقة "إيل" تسمى "عاشرة" وكانت توجد الإلهة الأخرى اسمها "عشتارت"؛ وعند اليونان "أسنارت" ودمجها اليونان "بأفروديت" فأصبحت أشهر إلهات الخصب وصارت باعتبارها بعلة، أو سيدة متصلة بمكان معين، وأصبحت حامية المدينة؛ وكان اسم "عشتار" هو الذي تتسمى به الإلهات المحلية، المقرونة "بالبعليم" في الأماكن المرتفعة، الكنعانية التي كان لها تأثيرها، وجاذبيتها الخاصة بالنسبة للقوم العبرانيين؛ حتى إن الأنبياء اضطروا لمهاجمتها مرارًا1، وبالإضافة إلى لقب "بعلة" فقد كانت "عشتار" تلقب "ملكة" وتظهر "عشتار" كشقيقة "عليان بعل"، وتعطي لقب عذراء؛ وكانت لإلهة "عنات عشتار" تهب الحياة، وتبيدها، ومن أوصافها البارزة: الحب، الحرب.
الهياكل:
كانت الفكرة الأساسية في بناء الهيكل: تزويد الآلهة بمسكن لها؛ فهناك كان الإله يسكن كما يسكن أي كائن بشرى في بيته الخاص وبواسطة الهيكل كان يتاح مجال للاتصال بينه وبين البشر، بحيث يتمكن الكائن البشري من تأسيس علاقات شخصية مع الكائن الإلهي، وأقدم الهياكل الكنعانية، المكتشفة ترجع إلى مطلع الألف الثالث، وكانت في "أريحا، ومجدو" وكان هذا النموذج القديم يتألف من غرفة واحدة، لها باب على الجانب الطويل من البناء، ويصبح البناء متكاملا أكثر بعد منتصف الألف الثاني، وأهم صفات هذا الهيكل كما ظهرت في الأماكن المكتشفة كانت: المذبح الصخرى، والنصب المقدس، والعمود المقدس، والغرف تحت الأرض، وكان المذبح الذي تقدم عليه الذبيحة، أهم هؤلاء بدون شك2.
1 سفر القضاء 2: 13؛ أرميا 32: 35، الملوك الثاني 23:13.
2 تاريخ سوريةجـ1 ص128.
النصب أو الحجر المقدس:
كان يمثل الإله المذكر، وربما كان لأصله علاقة بعضو التناسل؛ وبجانبه كان العمود المقدس، أو الشجرة المقدسة، وكانت تمثل النبات الدائم الخضرة، الذي تسكنه إلهة الخصب، وفي بيت "شأن" كان هذا العمود يقوم في مدخل الحرم الداخلي؛ والغرف الكائنة تحت الأرض كانت غالبا تستخدم؛ لتلقي النبوءات؛ وكانت الأواني المستخدمة في إراقة السوائل، والمزخرفة بالحيات، وطاسات البخور والمباخر التي وجدت تشير إلى الأعمال التي استخدمت لأجلها هذه الأشياء؛ وتفيد بقايا المعابد، التي كانت لها مصاطب يغسل عليها العابدون أقدامهم قبل الصلاة؛ إن الوضوء الذي يشكل جانبا لا بد منه في الصلاة عند اليهود، والمسلمين لم يكن مجهولا عند الكنعانيين، والمباخر الكنعانية اقتبسها اليونان، وفي "بيت شأن" كان يقوم مكان مرتفع في مؤخرة المعبد؛ حيث كان يوضع غالبا تمثال الإله؛ ويدل على بدء المكان المعروف "بقدس الأقداس".
الأصنام:
اكتفى الكنعانيون عامة بالنصب، والعمود المقدس؛ واستغنوا بها عن صنع الأصنام، والصور، والتماثيل الصغيرة البرونزية التي تمثل بعل واقفا يلوح بالصاعقة بيده اليمني، المرفوعة؛ كانت شائعة، والآلهة كانت عارية، ويداها على جانبيها، أو تمسكان بثدييها، كما لو كانت تعطي الغذاء؛ وقد وجدت تماثيل صغيرة، متعددة من هذا النوع، مصنوعة من المعدن أو الطين؛ ولكنها كلها تبدو أنها كانت تستخدم في المنازل، وليس في الهياكل، وكانت تحترم بسبب قدرتها السحرية، وكان المتعبد المتعلم يعتبر التمثال مسكن الآلهة؛ أما العامي فربما اعتبر التمثال نفسه هو الإله، وكانوا يمثلون الإلهة السورية "أتارغاتس" عادة في أواخر الألف الثاني بشكل امرأة عارية أيضا، وترفع إحدى يديها ممسكة بساق نبات الزنبق، أو الحيات؛ وهناك إلهة سورية أخرى وهي:"قادش" تتخذ شكل امرأة عارية واقفة على أسد، وكان الأسد، أو الثور رمزا للحيوية والقوة، أما لماذا اتخذت الحية رمزا للخصب فإن ذلك غير واضح؛ كانت عبادة الحية شائعة في مصر القديمة، وكريت، وغيرهما من بلاد الشرق، "وبيت شأن" التي كان التأثير المصري ظاهرا في هياكلها الأربعة المكتشفة، كانت من مراكز عبادة الحية1.
1 تاريخ سورية جـ1 ص132.
التأثيرات الدينية بين مصر وسوريا والرافدين:
كانت الدول الكبرى في غرب آسيا في الألفين الثالث والثاني ق. م. ثلاث دول هي: مصر، بابل، الحيثيون. وتبعها أربع دول أخرى؛ وهي: دولة الآشوريين، الدولة البابلية الحديثة، دولة الكلدانيين، دولة الفرس، قامت بينها علاقات متبادلة بدأت هذه العلاقات في بادئ الأمر تجارية؛ ثم تنوعت وكانت أول مدينة احتلت مكانة كبيرة ورئيسية في العلاقات المصرية السورية مدينة جبلة "جبيل"، وقد نقش خوفو "2600ق. م." باني الهرم الأكبر اسمه على آنية من الألباستر، وأرسلها كهدية إلى سيدة "جبيل"، واعتبرت هذه الإلهة من قبل المصريين مساوية لإلهتهم "هاتور" التي بذلك أصبحت بالنسبة لهم سيدة البلاد، وكان أبو الهول الذي يمثل إمنمحت الثالث "1642-1633" يقوم عند مدخل هيكل بعل في هذه المدينة، وتدل أسماء الأماكن على اللوائح المصرية، أنه في حوالي نهاية حكم إمنمحت كانت فلسطين، حتى حلفاد في الشرق، وفينيقية حتى وادي النهر الكبير في الشمال، وحوران، ودمشق ومعظم البقاع؛ جزءًا من الإمبراطورية المصرية1. وعندما وصل أمنحوتب الرابع إخناتون "1371-1358" العرش، وكان من أكثر شخصيات التاريخ القديم جاذبية، ولم يكن اهتمام إمنحوتب موجها نحو قضايا الدولة؛ وإنما نحو القضايا اللاهوتية، متأثرا بزوجته السورية.
الديانة الحيثية:
تظهر أفكار هذه الديانة متعلقة بعبادة الأرواح، فالينابيع، والأنهار والأشجار والجبال كانت تعتبر مقدسة، وكان أشهر الآلهة "نيشوب" إله العاصفة، وإلهة المدن كانت مظاهر محلية لهذا الإله، وكان اسمه "تلبنش"، وهو يقابل الإله السوري "حدد" ورفيقته تسمى "عشتاروت" وعبادة "نيشوب" عشتاروت تقابل عبادة "تموز عشتاروت" عند السوريين، وأصبحت في الغرب عبادة "أدونيس" والزهرة "فينوس"، وفي آسيا الصغرى لدى الفريجيين أصبحت عبادة "أتيس"، "سبيل" وكان
1 تاريخ سورية جـ1 ص172.
يمثل "نيشوب" عادة بشكل رجل يقف على ثور، ويمسك الصاعقة؛ وأقوى إلهة أنثى كانت إلهة الشمس، والتي أصبحت إلهة الحرب، واتخذت بعض صفات الأرض الأم، ولباس الإله كان رداء قصيرًا، وقبعة مخروطية الشكل، وأما لباس الإلهة فكان ثوبا طويلا، وقبعة أسطوانية مرتفعة1.
التأثيرات الدينية بين مصر وغرب آسيا:
وكما كان تأثير الحضارة المصرية على سورية بارزًا، فإن هنالك دلائل تستلفت النظر بصورة أوسع عن التأثير السوري في مصر، ويتضح التأثير السوري في أقدس قصة مصرية، وهي: قصة آلام أوزيريس، الذي قطع جسمه إربا، ووضع تحت شجرة الأثل في جبيل، وقد تكون عبادة "أوزيريس" برمتها مأخوذة من الساحل السوري في تاريخ قديم جدًّا، وقد أدخل الإله "حورون" وهو الإله الرئيسي في بينة إلى معابد مصر أيام أمنحوتب الثاني، ويمكن الاستدلال على عبادة "عشتاروت" في منتصف القرن الثالث عشر؛ من أن اسم أحد أبناء "رعمسيس" الثاني كان يدعى "استروت" أي محبوب "عشتاروت"2.
دامت فترة السيطرة المصرية السياسية على سورية مدة أطول من فترة سيطرة بلاد الرافدين، غير أن تأثير بلاد الرافدين الحضاري كان أعظم بكثير من تأثير مصر، وكان السوريون أقرب إلى الآشوريين البابليين منهم إلى المصريين، من وجهة عرقية، ولغوية وجغرافية.
كان السومريون -وهم الشعب غير السامي الذي أبدع حضارة وادي الفرات- يمثلون طيلة الألف الثالث ق. م. أهم جماعة حضارية في غرب آسيا كلها، وأصبحت الكتابة المسمارية التي اخترعوها، والأفكار الدينية، والروحية التي طوروها، والآداب التي أنشأوها جزءا من تراث سورية، بما فيها إسرائيل3.
1 سفر أخبار الأيام الثاني: 26: 6.
2 تاريخ سورية جـ1 ص146.
3 تاريخ سورية جـ1 ص146.
التأثيرات الدينية المتبادلة بين مصر والكلدان، وسورية، والفرس:
ادعى الكلدانيون أصحاب دولة بابل الجديدة، السيطرة على سورية كورثة الإمبراطورية الآشورية، وفي عام 587-ظهر "نبوخذ نصر" بنفسه في شمال سورية، وأقام معسكره في "ربلة" في وادي العاصي، ومن هناك أرسل قسما من جيشه إلى الجنوب للتغلب على المدن الفينيقية، وفتح بلاد اليهودية نهائيا، وكانت المستعمرات اليونانية في هذه الفترة قد حلت محل المستعمرات الفينيقية الأصلية وبذلك انتهى العالم الفينيقي، الذي اشتهر بنشاطه وعلمه؛ ولكن الشعب الفينيقي حافظ على شخصيته حتى فتوحات الإسكندر.
كتاب الموتى:
يقول فيليب حتى: ومن المصادر الأولية الفريدة للاطلاع على الفكر الديني القديم في مصر وصف الدينونة أو الحساب الذي يؤديه الميت في العالم الثاني، فقد خلف لنا المصريون في -كتاب الموتى- تفاصيل دقيقة عما يجري يوم الحساب مما لا نجد له مثيلا في حضارات أخرى في هذا الكتاب، وهو أفضل كتاب أدبي يعني بناحية الدين في مصر القديمة، وصف لطقوس الدفن بلغة رمزية خفية المعنى؛ ووصف للمغامرات الخطرة التي سيمر بها الميت؛ وأفضل نسخة من هذا الكتاب هي نسخة مزينة بالرسوم على ورق البردي يملكها المتحف البريطاني الذي يعرضها في غرفة تعرف "بالغرفة المصرية"، وقد وضعت هذه النسخة من كتاب الموتى في منتصف القرن الخامس عشر قبل الميلاد لأحد الكتاب وزوجته في ثيبة، واسمه آني؛ وأروع ما في المشاهد المصورة في هذه النسخة تلك المشاهد التي تمثل يوم الدينونة.
يدخل الميت قاعة الدينونة بخشوع تتبعه زوجته توتو، وعندما يتقدم نحو الديان يتلو صلاة ندامة على اثنين وأربعين خطيئة أمام اثنين وأربعين قاضيا يحق لكل قاض منهم أن يحاسبه على خطيئة تقع ضمن دائرة اختصاصه، يبدأ الرجل بسلسلة من الاعترافات السلبية، كأن يقول: لم أسرق ولم أكذب، ولم أتآمر ولم أُبك أحدا ولم أغتصب أرضا، ولم أزْن ولست بقاتل، ولم أتلاعب بالموازين ولم أخدع، ثم يلي هذه الاعترافات السلبية اعترافات إيجابية فيبدأ قائلا: إني طاهر نقي، أطعمت الجائع
وسقيت العطشان، وكسوت العريان، ونقلت الرجل الذي لم يكن عنده مركب ينقله1.
وبعد أن تغفر خطايا آني وزوجته -وهو وزوجته واحد- يحضرونه؛ ليقف أمام الإله أوزيريس الجالس على عرشه في محراب تحيط به زوجته إيزيس وأختها نفتيس كما كانا في الحياة الدنيا.
مما لا شك فيه أن فكرة الخلود بعد الحياة الدنيا التي يتوقف الفوز بها على تصرف المرء وسلوكه في المجتمع قللت من أهمية الطقوس والشرائع ورفعت من شأن الحياة العملية الفاضلة التي يحياها الإنسان على الأرض، كما أنها قللت من شأن العبادة والقيام بشعائرها ورفعت من شأن السلوك والتصرف الاجتماعي، ولكن النظرة إلى الخطيئة أنها تخلف المرء عن المحافظة على الشعائر والطقوس الدينية ظلت النظرة الشائعة التي كان أهل العراق القديم ومصر وإيران يأخذون بها.
وقد تحدرت إلينا من عصر بناة الأهرام أقوال حكمية تتضمن تعاليم اجتماعية عن طريق الاعترافات التي كان الميت يعترف بها يوم الدينونة، وعن طريق النقوش الكتابية على القبور والتوابيت والمراسيم المتعارف عليها في أمور الدفن؛ هذه الأقوال الحكمية وهذه المبادئ الاجتماعية تشير كما يقول المؤرخ برستد2 عنها "إلى انبلاج فجر الضمير الإنساني" وإلى نشوء نظام أخلاقي، ففي سياق إسداء النصح إلى ولده سيزوز ستريس الأول يقول الملك الطاعن في السن أمينمحات الأول "حكم في حدود 2000 ق. م:"تصدقت على السائل وأطعمت اليتيم وأذنت للوضيع أن يدخل إلى مجلسي كما كنت أُدخل النبيل"3.
1 خمسة آلاف سنة من تاريخ الشرق الأدني جـ1 ص92 ص93 تأليف فيليب حتى طبعة الدار المتحدة للطبع والنشر والتوزيع 1982م.
E. A Wallis Budge، The Bood of the Dead The: papyrus of ani london 1913. pp. 537.
2 خمسة آلاف سنة جـ1 ص93.
James H. Brearted the Daum of conscince pp. 183. seg p.p 203.
3 خمسة آلاف سنة جـ1 ص94. ونفس المرجع السابق.
ولم يكن للآراميين، الذين أتوا حديثا، ولا الإسرائيليين، والفلسطينيين تأثير كبير على هذه الشخصية؛ لقد أفادت الحضارة الآشورية البابلية شعوب الشرق الأدني إفادات كثيرة مثل: المحراث، الذي كان؛ لاستنتاج الأرض نسبيا عما كانت عليه قبل، وتقسيم السنة إلى اثني عشر شهرًا، وإلى أسبوع مؤلف من سبعة أيام، وأول يوم في الأسبوع اكتسب اسمه من زحل، واليوم الثاني كرسي لإله القمر، والثالث لعبادة الشمس؛ وتاريخ الاحتفال بعيد "الفصح" لا يزال متصلا بالتقويم الغربي، والساعات الشمسية ونظام التنبؤ بالخسوف والكسوف، وعلامات الأبراج الاثني عشر، وكثيرًا من أنظمة المقاييس والموازين1.
6-
الآراميون:
ينسب سفر التكوين الآراميين إلى آرام بن سام بن نوح، وقيل: هم المقصودون في القرآن الكريم بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} 2، إلخ، والآراميون قبيلة من قبائل السامية، تتنقل في البادية، في الشمال الشرقي من جزيرة العرب على حدود بلاد العراق الجنوبية، إلى أن انتهى أمرهم إلى الاستقرار بعض الوقت في بعض جهات سورية؛ حيث أسسوا دولة قوية، وعاشوا عيشة حضارية4.
يقول حامد عبد القادر: وكان من أشهر تلك الدويلات:
1-
دويلة آرام دمشق، في منطقة "دمشق".
2-
دويلة آرام صوبة في منطقة "حران"، وكانت حران على الطرق التجارية الهامة، التي تصل الشام بالجزيرة، وشمال الشام ببلاد العرب.
3-
مملكة آرام راحوب، في منطقة اليرموك.
1 تاريخ سورية جـ1 ص156.
2 سورة الفجر آية 7.
3 الأمم السامية ص104.
4-
مملكة آرام -قفخا في منطقة جبل حرمون.
7-
الآراميون-حران:
وقد احتل الآراميون مدينة حران غالبًا، وهي أحد مراكزهم في ما بين النهرين، قبل احتلالهم دمشق، واقتبس القادمون الجدد بالتدريج حضارة الآموريين، والكنعانيين، الذين أقاموا بينهم غير أنهم احتفظوا بمظهر واحد من حضارتهم، وهو اللغة، وبخلاف الإسرائيليين والفلسطينيين؛ الذي أقاموا في أ، اخر القرن الثالث عشر في جنوب مناطقهم؛ فإن الآراميين احتفظوا بلهجتهم الأصلية، التي قدر لها أن تلعب دورا بالغ الأهمية في حياة غرب آسيا؛ وقد انقسمت إلى أقسام:
1-
آرام النهري، وهم الذين سكنوا ما بين الفرات، ورافدة الخابور.
2-
فدان آرام؛ وهم الذين سكنوا ما بين دجلة، والفرات، ومركزها حران، وتقع حران على طريق تجاري عظيم، وأصبحت من أعظم مراكز الحضارة الآرامية.
3-
آرام دمشق؛ وقد تأسست مملكة دمشق في أواخر القرن الحادي عشر؛ وأصبحت مملكة كبرى تمتد إلى الفرات من جهة، وإلى اليرموك من جهة أخرى.
الوجه الثقافي والديني للحضارة الآرامية:
كان التجار الآراميون هم الذين نشروا لغتهم؛ منذ أول عهدهم في مختلف البلدان؛ وهي فرع من مجموعة اللغات السامية الشمالية الغربي؛ وكان فوزها على شقيقاتها اللغات السامية الأخرى، بما فيها العبرية؛ وأصبحت لغة المسيح وشعبه، والإشارة الثانية إن لم تكن الأولى للمسيحيين وجدت مكتوبة بالآرامية بحروف لاتينية مشوهة على جدار مسكن؛ وربما كنيسة في بومبي، مما يجعل تاريخها قبل 79م؛ وهناك صلاة آرامية تسمى "مديش المقدس" تشبه الصلاة المسيحية، المعروفة بالصلاة الربانية في بعض عباراتها؛ وهي أقدم منها، وتبدأ بعبارة "ليتمجد ويتقدس اسمه العظيم" وأسطورة أحيناء الواسعة الانتشار تحوي بعض حكم آشورية، أو بابلية، ولكنها بالآرامية؛ وقد كتبت في القرن السابع أو ما بعده؛ ولم يقتصر انتشار الآرامية
على المناطق السامية؛ ففي عهد "داربوس" الكبير 52-86 جعلت الآرامية اللغة الرسمية بين مقاطعات الإمبراطورية الفارسية، وهكذا أصبحت حتى فتوحات الإسكندر اللغة المتداولة في إمبراطورية تمتد من الهند حتى الحبشة، وإن مثل هذا الفوز الذي حققته لغة لا تدعمها سلطة إمبراطورية من أهلها ليس له مثيل في التاريخ، ومع انتشار اللغة الآرامية انتشرت الأبجدية الفينيقية، التي كان الآراميون أول من اقتبسها، واستعملت في لغات أخرى في القارة الآسيوية؛ وحصل العبرانيون على أبجديتهم من الآراميين بين القرنين السادس، والرابع، وكانوا قبل يستعملون الأجدية الفينيقية القديمة مدة من الزمن، والحروف المربعة التي تطبع اليوم بها كتب التوراة العبرانية نشأت من الكتابة الآرامية وأخذ عرب الشمال أبجديتهم التي كتب بها القرآن الكريم من الآرامية التي استعملها الأنباط؛ وكذلك حصل الأرمن، والفرس، والهنود على أبجديتهم من مصادر آرامية، وحروف البهلوية، والسنسيكريتية إلى قلب الصين، وكوريا، وهكذا وصلت الحروف الفينيقية شرقًا بطريقة الآرامية إلى الشرق الأقصى، وغربًا بطريق اليونان إلى الأمريكتين مطوفة العالم كله1.
وقد تفرعت اللغة الآرامية مع الزمن إلى مجموعتين هما:
1-
المجموعة الشرقية، في وادي الفرات، وتمثلها المندعية والسريانية.
ب- المجموعة الغربية، وتمثلها الآرامية التوراتية، والترجوم، ولهجات الشمال، وحماة، والتدمرية والنبطية؛ ثم أصبحت السريانية وهي لغة "أوديسا" لغة الكنائس في سورية، ولبنان وبلاد الرافدين مع بعض الاختلافات المحلية، حتى حلت العربية محلها؛ عندما اتخذ المسيحيون الآراميون لهجة أديسا، وجعلوها لغة الكنيسة، والأدب، والتعامل الثقافي، وصاروا يعرفون باسم سوريين.
الديانة الآرامية "حدد الراعد":
والإله الذي كان يوجه الآراميون أعظم اهتمام لعبادته كان "حدد" إله الزوابع والرعد، ويسمى أيضًا "أدو أو: أدو" وكان مفيدا حين يرسل المطر الذي يخصب
1 تاريخ سورية جـ1 ص182، ص183.
الأرض، وكان مفيدا حين يرسل السيول، وكان من ألقابه "ريمون" الراعد؛ وقد يطلق عليه الاسمان معا "حدد ريمون" وكان أهم معبد للإله "حدد" في هيرابولس "منبج" أي المدينة المقدسة. ولكن له معابد في مدن سورية أخرى كثيرة، وفي لبنان، وكان محبوبا بصورة خاصة بين المزارعين في سورية، وامتزجت عبادته فيما بعد بعبادة الشمس وزخرف راسه عند ذلك بالأشعبة كما في بعلبك، وفي الغالب يعتبر "جوبتر" هليوبولينانس، الذي عبد في بعلبك معادلا للإله "حدد" الذي تبدل فيما بعد، فأصبح "جوبيتر الدمشقي" وعرف الآراميون عادة تسمية أبنائهم "بار حدد" أي "ابن حدد" أو ابن آلهة أخرى، وعبدت رفيقة "حدد" أو زوجته في هيرابولس وفي مراكز سامية أخرى باسم "أتارغاتس"، ويتألف رمزها من الهلال مع قرص الشمس؛ كان لها معبد في كرنيون في جلفاد، وكانت عسقلان في فلسطين مركزا لعبادتها، حيث اعتبرت غالبا معادلة لأفروديت. كذلك انتشرت عبادة "أتارغاتس" بين اليونان، وكان كهنتها عموما من الخصيان الذين اعتادوا القيام برحلات اليونان وإيطاليا؛ لنشر عبادتها بواسطة التنبؤات، والرقص الروحاني، ولجمع تبرعات الأتقياء لأجل معبدها، وكان التشريع الآشوري يطلب من نساء الرجال الأحرار، وبناتهم أن يغطين رءوسهن حين يخرجن إلى الشارع، وكانت مجموعة الآلهة الآرامية تضم فيما سوى الزوج الإلهي "حدد وأتارغاتس" عددا من الآلهة الأخرى، ذات المكانة الثانوية، بعضها محلي والبعض الآخر مستعار من الأمم المجاورة، وكانت الآلهة: حدد، وإيل، وركاب، وشمس؛ وهي التي أعطت الملك بناموا الأول الصولجان في الكتابة الأثرية التي تركها، ومنحته الأشياء التي صلى لأجلها ركاب، أو سائق المركبات هو إله مستورد إلى سورة مع إله الشمس الآشوري؛ وشمس الأشوري هو اسم إله الشمس، الذي كان يعبد في العالم السامي كله؛ ورشوف هو الإله الفينيقي "رشف" الذي كان كثيرا ما يمثل بشكل جندي مسلح، وفي كتابة ذاكر ملك حماة يرفع هذا الملك يديه لبعل شمين "سيد السموات" ورد فيها: فإن بعل شمين وإيلن وبرو شمشن وسهر، وإله السماء وإله الأرض مستهلكة، ويتضح أن بعل شمين هو "حدد" وهو "غيل وير" في الغاب وسهر هو إله القمر؛ وكانت حران مركزا الإله القمر الذي يسمى "سين" عند الأشوريين.
ويرد ذكر هذا الإله "سين" القمر على حجر تيماء، وهي واحة في شمال الحجاز، التي ترجع كتابتها إلى القرن الخامس ق. م. والإلهان المذكوران على هذا الحجر هما: سلم، ويشير إلى بعل المحلي، والثاني عاشرة.
تشريعات حمورابي:
استولى "ساموابي" أولا على شمال بابل نحو سنة 2460 ق. م. وكان جنوبها يومئذ في حوزة ملك عيلامي، وخلف ساموابي ابنه "ساموليلا" وانتقل إلى بابل فاتخذها كرسيًّا لمملكته، وهو أول من فعل ذلك؛ وتوالي بعده خلفاؤه من أسرته كما سيأتي حتى أفضى الملك إلى حمواربي؛ وهو سادسهم، فناهض العلاميين في الجنوب وعليهم ملك اسمه في آثار بابل "كرد لا قمر" وهو "كرد لا عومر" التوراة، وكانت بابل عاصمة غربي آسيا لا يثبت أمير علي إمارته إلا بعد أن يشخص إليها وينال التصديق من أنه "ابن بعل".
وفي أواسط الألف الثالث قبل الميلاد دخل الآراميون في دور جديد؛ فتدرجوا في الرقي بما امتازوا به من النشاط، فحازوا الأرضين وملكوا الإقطاع، وفي جملة المالكين "سموا أبي" جد عائلة حمورابي فاستعان بأبناء قبيلته في توسيع دائرة سلطته وفي أثناء هذه الدولة ظهر إبراهيم الخليل، وهاجر من أور الكلدانيين1.
تمدن دولة حمورابي:
كان السومريون قبل هذه الدولة قد اتخذوا دينا ووضعوا شريعة واخترعوا كتابة، ولهم لغة خاصة، فلما غلبهم الحمواربيون اقتبسوا تمدنهم، ونظمهم، وكان الحمورابيون في أول دولتهم يستخدمون اللغة السومرية في المكاتبات، ثم أهملوها بالتدريج حتى ذهبت وذهب معها العنصر السومري، وبقى العنصر السامي.
ولكن الحمورابين استبقوا الخط السومري، وهو القلم المسماري؛ لأنهم استخدموه في تدوين لسانهم، وزادوا فيه أحرفا لم تكن في السومرية.
1 العرب قبل الإسلام جـ1 ص40، ص41، ص42.
أما تمدن السومريين فاقتبسه الحمورابيون ورقوه وزادوا فيه كما فعل المسلمون بتمدن الروم والفرس وأكثرهم عناية في ذلك حمورابي؛ فإنه جمع الشرائع ونظمها وبوَّبها فعرفت باسمه، وقد رتبها في 282 مادة، وجدوا نسخة منها 1901 في بلاد السوس منقوشة بالحرف المسماري على مسلة من الحجر الأسود الصلب طولها سبع أقدام وتدل تلك الشريعة على تقدم تلك الأمة في سلم الاجتماع إلى أرقي ما بلغت إليه تلك العصور ولا سيما في شروط الزواج والتنبي والإرث وإليك خلاصة ذلك.
نظام الاجتماع، طبقات الناس:
كان الناس في ذلك العصر ثلاث طبقات: الأحرار، العبيد، طبقة متوسطة بينهما، عبرنا عنها بالموالي على نحو ما كان عليه العرب في صدر الإسلام؛ فإن الموالي عندهم أرقى من العبد وأدنى من الحر، فإذا صح أن هذه الدولة عربية كان العرب أسبق أمم الأرض إلى سن الشرائع، وتنشيط العلم وأهم بلغوا في نظام الاجتماع ما لم يبلغ إليه معاصروهم، وما زالت الدولة البابلية الأولى -الحمورابية- قائمة حتى غلبت على أمرها، فخرج بعض أهل الدولة فرارًا من ذلك الغالب إلى إخوانهم في جزيرة العرب وأنشأوا في اليمن دولة عربية عرفت بدولة المعينيين، كان لها شأن كبير في تاريخ اليمن قبل دولة سبأ وحمير1.
هل دولة حمورابي عربية؟:
لا خلاف في أن دولة حمورابي سامية الأصل، ولكنهم اختلفوا في نسبتها إلى فرقة من الفرق السامية؛ وعندنا أنها من بدو الآراميين، وهم عرب ذلك العصر أو العمالقة، والأدلة على ذلك:
1-
أن بروسوس مؤرخ الكلدان ذكر بين الدول التي حكمت بابل دولة سماها: عربية، وذكر عدد ملوكها وسنى حكمها ودولة حمورابي أقرب دول بابل عهدا من الزمن الذي عينه بروسوس للدولة العربية.
1 تاريخ العرب جـ1 ص49 ص51.
2-
أن سكان بادية العراق كانوا يعرفون عند أهل بابل باسم عمورو -أي أبناء المغرب- وهذا الاسم يشمل كل من سكن غرب الفرات من الأمم السامية، وفيهم الآراميون في الشام، وبدوهم في باديتها، وفي التاريخ القديم أن الكنعانيين اكتسحوا فلسطين في القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد، وأخرجوا أهلها الأصليين، ويوافق ذلك نزول بدو الآراميين بابل وأنشأ تلك الدولة فيها واسمهم عمورو كما تقدم، ثم سموهم عريبي ومعناها أهل المغرب أيضا، والطبري يسمي جدَّ العمالقة عريب1.
3-
أن معبودات البابليين كثيرة الشبه في أسمائها وأسماء الذين ينتسبون إليها بأقدم آلهة العرب في اليمن وغيرها مثل "إيل، ويل، وشمس وأشتار، وسين، وسمدان، ونسر".
4-
أن الحمورايين اتخذوا بابل قصبة لمملكتهم على حدود البادية قرب المكان الذي اختاره اللخميون كرسيا لدولتهم الحيرة بعد ذلك بنحو ثلاثين قرنًا، والمكان الذي اختاره العرب المسلمون في أيام بداوتهم "الكوفة" عملا برأي عمر حتى لا يكون بينه وبين المسلمين ماء، فإذا أحب أن يركب راحلته إليهم ركبها2.
8-
العبرانيون:
كان دخول العبرانيين إلى كنعان نتيجة ثلاث هجرات:
الأولى: هجرة إبراهيم من بلاد الرافدين، تتصل بالهكسوس.
الثانية: هجرة إسرائيل، وتتصل بالآراميين.
الثالثة: قد أتت من مصر، والجنوب الشرقي، بقيادة موسى في أوخر القرن الثالث عشر.
من خلال تلك الهجرات أتى الشعب الذي عرف فيما بعد، بالعبرانيين متجولين، ومغامرين ومرتزقة، وجنودا لا ارتباط بينهم، ثم استقروا بالتدريج بين السكان الذين سبقوهم، وفاقوهم في مدنيتهم، وتعلموا منهم حرث الأرض، وبناء المنازل،
1 تاريخ العرب جـ1 ص49.
2 تاريخ العرب جـ1 ص51.
وممارسة فنون السلم، وأهم من ذلك القراءة، والكتابة، ويضاف إلى هذا كله، أن العبرانيين تركوا لهجتهم السامية القديمة، واتخذوا اللغة الكنعانية لغة لهم، واللغة الفينيقية، واللغة العبرانية القديمة، كما هي مدونة في العهد القديم، لا تختلفان إلا من ناحية اللهجة، وأصبح العبرانيون القدماء بوجه الإجمال، ورثة المظاهر الأساسية للحضارة، الكنعانية المادية؛ وأتباع كثير من العبادات والعادات، والصفات الدينية الكنعانية.
هجرة إبراهيم وإسرائيل:
تقول المرويات العبرانية: إن إبراهيم1 جدهم الأكبر، أو قبيلتهم الأصلية أتى "أور" في بلاد الرافدين، بطريق حران؛ وقام مؤقتا قرب حبرون "الخليل"، وترك وريثه إسحق2 ابنا اسمه يعقوب3، وبعد أن قام يعقوب في فدان آرام عدة سنوات، وقع عليه الاختيار ليكون صاحب الشأن؛ تفضيلا له على أخيه "عيسو"4 وتغير اسمه، فأصبح "إسرائيل"5 وحصل عيسو على اسم آخر وهو:"آروم" أي أحمر؛ وحل ورثته فيما بعد محل كل سكان منطقة جبل سعير، وعرفوا باسم الأروميين؛ وهكذا أزيل عيسو من حياة العبرانيين وتفكيرهم؛ كما أزيل قبلا إسماعيل بن إبراهيم من جاريته المصرية هاجر، وفضل عليه إسحق، وبين أولاد يعقوب الاثني عشر كان يوسف6 الحادي عشر وهو الابن الأكبر لراحيل؛ وقد باعه إخوته لجماعة في مصر، وارتفع شأنه في الدولة المصرية، وبعد أن أقام ورثة يوسف وإخوته أجيالا عديدة في مصر عادوا إلى فلسطين.
الخروج من مصر؛ هجرة موسى:
يبدأ تاريخ بني إسرائيل الحقيقي كشعب بالخروج من مصر، وفي حدين وهو القسم الجنوبي من شبه جزيرة سيناء وضع العهد القديم، وتزوج زعيم الإسرائيليين موسى، الذي يبدو اسمه ككلمة مصرية، من ابنة كاهن مدين الذي يعبد يهوة7.
1 بالعبرية إبرام أي الأب.
2 بالعبرية ليتسم إبل.
3 بالعبرية ليحفظ إبل.
4 سفر التكوين 20: 23.
5 بالعبرية ليحكم إبل.
6 بالعبرية باسف ليضيف إبل.
7 سفر الخروج 3: 1، 18، 10.
والذي علم موسى هذه العبادة الجديدة قبل أن يوحى إليه، وكان هذا الإله العربي الشمالي إله الصحراء؛ والأصل إله القمر، ومقره كان خيمة، وطقوسه تشمل بعض الأعياد والتضحيات من بين القطيع1؛ وتزواج آخرون غالبا مع المدينيين، والفينيقيين وسائر سكان بادية من شمالي الجزيرة العربية؛ وفي حوالي "1250" ظهر هؤلاء البدو المنحدرون من أطلال العشار في الجهة الجنوبية الشرقية من سورية، أي من بادية شرقي الأردن؛ وكان أول فوز عبراني في شرق الأردن على "سيمون" ملك الأموريين؛ وتبعه فوز آخر على "عوج" الملك الجبار، ملك باشان، وعندما سيطر العبرانيون على البلاد كانوا يقسمونما بين القبائل الإحدى عشرة، وتركوا قبيلة "لاوي" الكهنوتية موزعة بين سائر القبائل؛ لتهتم بشئونها الدينية؛ وهكذا أسكنت قبيلتا "يهوذا، وبنيامين" في الأراضي المرتفعة حول أورشليم، بينما استقرت القبائل الأخرى في السهول الكثر خصبا في الشمال.
وكان العبرانيون الشعب الوحيد بين الشعوب السامية القديمة الذي أنشأ شعورا قوميا متطرفا، كما أن العبرانيين وحدهم من بين الساميين القدماء الذين احتفظوا بصفاتهم القومية وبفرديتهم، وقد ساعدت الديانة مساعدة كبرى في توحيدهم، وتعاونهم؛ وفي عهد نبي الله "داود 1004-963 ق. م" تمت له بنتيجة فتح "أدوم" السيطرة على طريق التجارة العظيم بين سورية والجزيرة العربية؛ وفي عهده أيضا بدأ الأدب العبري، وهو من أغنى وأرفع ما تركه الشرق القديم من مظاهر حضارية؛ وقد استعاروا الكتابة من الفينقيين، ويظن أن الكهان بدوا فيما بعد بإعداد كتب مشابهة للوثائق الرسمية وأدخل جانب منها في العهد القديم؛ وأول فصلين من سفر الملوك الأول هما: أول قطع من النثر العربي، وكتابة عن ترجمة حياة داود في الفصول "9 إلى 20" من سفر صموئيل الثاني هي قطعة رائعة من الإنشاء التاريخي؛ كذلك بدأت مجموعات من المؤلفات الشرعية في عصر داود؛ وكان هو نفسه شاعرا، وله مكانته؛ وفي الواقع فإن الأثر الذي تركته مواهبه الشرعية، والموسيقية
1 نفس المرجع 3، 18، 105.
كان عظيما، حتى إن الأجيال نسبت له، وضع عدد من المزامير التي بلغ من قيمتها الإنسانية العامة، وأهميتها الدائمة، أنها لا تزال تستخدم كمصدر روحي، وكوسيلة لرفع القوى الروحية1.
إسرائيل:
كان داود وسليمان قد وحدا بصورة مؤقتة شعبي إسرائيل، ويهوذا المنفصلين، كانت قبيلة "إفرايم" وغيرها من القبائل الشمالية التي تسكن الشمال أكثر تعرضا للتأثير الكنعاني، وكانت تفضل الزراعة، وفي مسائل العبادة الألوهية "جمع إبل" وتعبدها بطقوس شمسية مأخوذة من الطقوس الكنعانية القديمة؛ وكان أشهر ملوك إسرائيل الأوائل "عبري 885-874" ويدل "اسمه على أصل عربي أو بالأحرى نبطي؛ وكان الأثر المهم الذي تركه مدينة السامر2 التي أسسها وحصنها، ونقل إليها مركز الحكم من ترزن3 وبنى في عاصمته الجديدة قصران وسَّعه وزخرفه ابنه ووريثه "أخاب".
ويذكر الرواة أن الملك "أخاب" تزوج "إيزابل" ابنة "اتبعل" ملك صور، وكانت ذات شخصية، وسيطرت على زوجها، وحاولت فرض عبادة "بعل صور" على إسرائيل؛ وأدى ذلك إلى نزاع مرير وطويل للسيادة على حياة إسرائيل الدينية بين عبادة البعل، وعبادة "يهوه"، وظل النزاع إلى أن استولى "باهو" على العرش في "842 ق. م" وأعاد عبادة يهوه كعبادة وحيدة في إسرائيل4.
السامريون:
وفي عهد "سلمناصر الخامس" وعلى يديه تلاشت مملكة إسرائيل إلى الأبد، ولم يشكل المسبيون سوى قسم صغير من سكان المملكة الشمالية غرب الأردن،
1 تاريخ سورية جـ1 ص204، ص205.
2 سفر الملوك الأول 16: 24.
3 ترزن لم يعرف موقعها بعد.
4 سفر الملوك الأول 16: 31.
وهكذا فإن الأسباط العشرة المفقودة؛ إنما المسببون منهم اندمجوا بغيرهم؛ ثم أضاف "سرجون" وخلفاؤه إلى سياسة السبي، ونقل الذين كانوا شوكة في جانب دولة "آشور" شيئا آخر، وهو: فقد أتوا بقبائل من بلاد بابل، وعيلام، وسورية، وبلاد العرب لتحل محل الإسرائيليين المسببين، وأسكنوها في السامرة.
وقد امتزج المستوطنون الجدد بين إسرائيل؛ ليشكلوا السامريين، واتخذت معتقداتهم الدينية أيضا مع عبادة "يهوه" وبعد عودة "عزرا" و"نحميا" من السبي حيث دافعا عن فكرة النقاوة العنصرية وطردوا من أورشليم حفيد الكاهن الأعلى؛ لزواجه من ابنة الحاكم السامري، ويبدو أن ذلك الكاهن المطرود أصبح كاهن السامريين، وبنى هيكل "لاجل" على جبل "جريزيم"؛ لينافس هيكل أورشليم"؛ وكان كتاب اليهود المقدس حينذاك يتألف من الكتب الخمسة فقط؛ ولذا فإن هذا القسم من العهد القديم، ظل منذ ذلك الحين الكتاب المقدس الوحيد للسامريين، وقد نقلوه في نوع قديم من الحروف العبرية "وجريزيم" وليس "صهيون" هو المكان المقدس بالنسبة لهم؛ وازداد العداء بين اليهود والسامريين مع الزمن، ولم يكن التزاوج بينهم مسموحًا في أي وقت؛ ومن أطراف أحاديث المسيح حديثه مع امرأة سامرية تعجبت كيف يطلب منها أن تعطيه؛ ليشرب مع أنه يهودي1؛ واختار المسيح في مثل من أبدع أمثاله رجلا سامريا؛ ليكون بطل قصة، ويلعب فيها دورا نبيلا2، وفي أثناء اضطهاد أنطيوقس تألم السامريون، كما تألم اليهود3، بالرغم من موافقتهم بالظاهر على التساهل وتكريس هيكلهم على جبل "جريزيم" للإله "زفس4" ولغة السامريين هي العبرية5.
1 إنجيل يوحنا 4: 9.
2 إنجيل لوقا 10: 30، 37.
3 سفر المكابيين الثاني 5: 23.
4 المرجع السابق 6: 2.
5 تاريخ سورية جـ1 ص214.
يهوذا:
وكانت قبيلتا يهوذا، وبنيامين في الجنوب تفضلان "يهوه" الذي مسكنه هيكل "أورشليم"، والذي كانت عبادته أكثر بساطة، وشهد عرش "يهوذا" عددا من الملوك يشبه عدد ملوك إسرائيل؛ وهو تسعة عشر ملكا، غير أن هذه المملكة الجنوبية
دامت نحو قرن وثلث، أكثر من مملكة إسرائيل في الشمال.
وفي عهد "بوشيا" توسعت المملكة في أيامه نحو الشمال، وحاولت إعادة توحيد إسرائيل مع "يهوذا" ثم اكتسب "بوشيا" شهرة خالدة كمصلح ديني حين تعاهد مع شعبه على عبادة "يهوه" وحده، وأحرقوا أواني بعل، والأجرام السماوية المؤلهة، التي كانت في الهيكل، وهدموا بيوت المابونين المجاورة، وخربوا المرتفعات في بلاد "يهوذا" في بلاد إسرائيل1.
الوجه الثقافي والديني للعبرانيين:
اتبع العبرانيون في مراحل حياتهم الأولى في فلسطين النموذج الحضاري للشرق الأدنى، الذي كان يمثله الكنعانيون، وقد أعطت كنعان لإسرائيل لغتها وأبجديتها.
ويعني ذلك: أنهم اقتبسوا دفعة واحدة تقريبا مجموعة من الطقوس، والمشاهد، والمراسيم القديمة، التي تضم الأعمدة الخشبية، والأماكن المرتفعة، وعبادة الحية2، والعجل الذهبي3 والتحريمات المتصلة بالطقوس في الأسفار الخمسة تفيد ضمنا أن هذه العادة كانت قبل تحريمها قد اقتبسها العبرانيون من جيرانهم، ثم اعتبرها الرؤساء غير متفقة مع اتجاهات الديانة العبرانية، والاعتراف بـ"يهوه" كالإله الرئيسي -بحق الفتح- لم يمنع اعتبار الآلهة المحلية مسيطرة على
1 الملوك الثاني 23: 1-25.
2 سفر الملوك الثاني 18: 4.
3 السابق جزءا وصفحة.
خصب البلاد؛ وكانت سلطة "يهوه" على الدولة؛ بينما شئون الحياة العادية من زراعة وتجارة لم تكن من صلاحياته الرئيسية، وكان "يهوه" يكتسب كثيرا من صفات "بعل" مما جعله سيد السماء وباعث المطر، والمسيطر على العواصف، وكان الأهل كثيرًا ما يسمون ابنهم البكر بالنسبة ليهوه؛ بينما يسمون صغارهم بالنسبة "لبعل"، وتزداد نسبة الأسماء العبرانية المؤلفة من اسم "بعل" باطراد في الفترة الأولى، "وشاول" يسمى ابنه "إيش بعل ورجل بعل"، و"يوناثان" يسمى ابنه "مريد بعل- بعل ينازع"، ولقد سبق أن بعل فرضته "إيزابيل"1. يقول فيليب حتى: لم يصلنا مؤلف يشبه العهد القديم في أهميته من العصور التي سبقت المسيحية، والعهد خلال العصور قوة فعالة في حياة الرجال والنساء، ومرت مادته نفسه بأطوار كثيرة من الانتقاء والحذف، والتحقيق والضبط قبل أن تتخذ شكلها النهائي، وهناك نوع من الوحدة تتخلل العهد القديم2.
الكهنة:
كان الكهنة يشكلون طبقة خاصة بين الأمم القديمة. أما الكهنة عند العبرانيين، فكانت تنحصر في أسرة هارون بصورة وراثية، والكاهن هو الذي كان يعلم الشريعة، ويعمل أكثر مما يعلم، ويقوم بالمراسم عند المذبح، ويجري سائر الطقوس، ويعمل كوسيط بين الإنسان والله، وتفسيرات الكهنة يطلق عليها الحكمة، والحكمة بخلاف الشريعة، فالأولى مصدرها الإنسان نتيجة اجتهاده واختياره وتعاليمه، وكتب الحكمة العبرانية الكبرى هي:
أسفار أيوب، والأمثال، والجامعة، وأعظم كتب الحكمة بدون شك سفر أيوب، وكان الحكيم العبراني يخاطب الفرد وليس المجموع، ورسالته كانت إدراك النجاح أكثر منها الحصول على رضى الله3.
1 تاريخ سورية جـ1 ص222.
2 سفر الخروج 28: 1.
3 تاريخ سورية جـ1 ص231.
النبوة الإلهية عربية لفظا ومعنى:
ويؤكد المرحوم الأستاذ العقاد أن الإسرائيليين "اليهود" تعلموا النبوة الإلهية بلفظها ومعناها من شعوب العرب، ولم تكن لهذه الكلمة عند الإسرائيليين "اليهود" لفظة تؤديها قبل وفودهم على أرض كنعان ومحاورتهم للعرب المقيمين في أرض مدين. فيقول:"إن كلمة نبي عربية لفظا ومعنى؛ لأن المعنى الذي يؤديه لا تجمعه كلمة واحدة في اللغات الأخرى، والعبريون قد استعاروها من العرب في شمال الجزيرة بعد اتصالهم بها؛ لأنهم كانوا يسمون الأنبياء القدماء بالآباء، ولم يفهموا من كلمة النبوة في مبدأ الأمر إلا معنى الإنذار فكانوا يسمّون النبي بالرائي1 أو الناظر أو رجل الله، ولم يطلقوا عليه اسم نبي إلا بعد معرفتهم بأربعة من أنبياء العرب المذكورين في التوراة، وهم: ملكي صادق، وأيوب، وبلعام، وشعيب الذي يسمونه يثروب، وهو معلم موسى الكليم"2، وقد سمى إبراهيم الخليل برئيس الآباء3، ويستشهد العقاد ببعض علماء الأديان الغربيين الذين ذهبوا إلى تأييد اقتباس أتباع موسى كلمة النبوة من العرب مثل الأستاذ هولشر والأستاذ شميدت اللذين يرجحان أن الكلمة دخلت اللغة العبرية بعد وفود القوم على فلسطين، فتشير التوراة إلى أن عاموس اغتاظ وغضب لما أطلق عليه اسم نبي، وقال:"لست أنا نبيًّا ولا أنا ابن نبي بل أنا راعٍ وجاني جميز"4.
فأخذني الرب من وراء الضأن، وقال الرب: اذهب تنبأ لشعبي، ويعطي نص عاموس دلالتين؛ على خلاف ما يذهب بعض المستشرقين في تأويله في أنه اغتاظ أو غضب إنما أراد من إطلاقه عليه دلالتين:
الدلالة الأولى: أنه تنبأ من الله.
الدلالة الثانية: أن النبوة كانت تورث.
1 عا 7: 12.
2 العقاد، "الثقافة العربية" ص71.
3 عب: 7: 4.
4 عا 7: 14-15.
ولما كانت النبوة لها إطلاقات شتى فهي تطلق في التراث العبراني على الكهنة والعرافين والسحرة وعلى الأنبياء الكذبة إلخ، فإن عاموس حددها على أن الله نبأه من عنده وليست نبوته من قبيل تلك المعاني ولا من قبيل الإرث.
تعقيب:
من هنا نلاحظ أن: معظم الدوات التي تعبر عن العقائد يتشابه بعضها مع البعض، والديانات تضم:
1-
الآلهة الأنثى أكثر من الذكور.
2-
الآلهات الأنثى مزينة بالحلى الجميلة، وفي بعض الأحيان تحمل أطفالا في بطنها.
3-
وهناك تماثيل للآلهة تعبر عن تقديم الناس النذور والطلبات والحاجات.
4-
وللثور مكانة بارزة بين تلك الآلهة، شأنه في ذلك شأن أرض الرافدين، وسوريا ومصر.
5-
كما وجدت بين تلك الآلهة والتماثيل: أصنام وصخر طويل عريض.
وكذلك تشير إلى لوحات عديدة إلى آلهة كثيرين، وهناك لوحات تصف تدفق النهرين من رحم الآلهة، ولوحات أخرى رسمت آلهة الأشجار، وهذه الآلهة كلها رسمها الهنود بكل براعة، ودون غموض؛ وهي تختلف بطبيعتها وصفاتها وملامحها عن آلهة أرض الرافدين كل الاختلاف؛ وكذلك عن آلهة مصر.
وكذلك نرى من بين آلهتهم بطلين عظيمين؛ واحد منهما يصارع الأسود بكل شجاعة؛ والآخر نصف جسمه يشبه إنسانا والنصف الآخر يشبه حيوانا متوحشا بشعا، ممسكا بيديه ثورا وأسدا؛ وهو يشبه أنكير، والبطل السومري في أرض الرافدين من بعض الوجوه، كما تصفه أسطورة الطوفان السومرية، وهناك رموز دينية وسحرية كثيرة مثل الصليب، والنقاد.
الكتفان نقشت على الطوابع، والأدوات المعدنية شأنها في ذلك شأن رموز بابل، وعيلم، وهناك صورة تصوره جالسا رسم بقرن وثلاثة وجوه، وهذا الإله: هو
الذي سمي لدى الآراميين "سيفا" وهو إله عظيم جليل القدر ملك الغابات والوحوش له عدة وجوه، ومما لا شك فيه أنه أقدم الآلهة الهندية، وقد وجد في وادي نهر الهند منذ القدم، وهو يملك السلطات الواسعة في الكونفإنه يشبه "براهما" إله الخلق في الشكل، وكذلك الإله "فشنوا" الحارس المحافظ؛ وقد اجتمعت فيه صفات في مصر ومع أنه كان يتخلق بصفات هامة مثل الهدم والتخريب، فقد تحلى أيضا بصفات بناءة، مثل منح الحياة، وجلب الخصوبة وفق عقيدتهم، ولقد أدخله الآراميون في عقائدهم.
ومن شيدت له المعابد، ووضعت له التماثيل، ولم تزل هذه الظاهرة معروفة وموجودة في عابد الهندوس، وكانت العبادة تؤدي لكل من الإله "سيفا" ورمزه الفروج جنبا إلى جنب؛ وبهذا تكون الآلهة الثلاثة، أي الآلهة:"الأمن والإله سيفا، وإله الفروج" من أهم آلهة سكان وادي نهر الهند.
تكاد تتشابه العقائد الوثنية في كل عصر وزمان من حيث صفاتها: كل صفة من صفات الله صورة إنسانية أو حياونية وهذه هي الآلهة. وإن قدرة الله وجبروته قد تجسدت في صورة إله في كل أمة من الأمم مثل:
بعل عند الساميين.
أندرا عند الآراميين.
جوبتر عند اليونانيين.
أما "فشنوا" عند الدراوديين؛ فهو شخصية بطل تاريخي أضفوا عليه صفات الألوهية، وهذه الشخصيات "كراما، كرشنا" وهذا أساس نظرية التفحص أو التجسد، وأخذ بهذه النظرية المسيحيون في: تجسد المسيح، وبعض الفرق الإسلامية كالإسماعيلية والبهائية، والقديانية.
كذلك عقيدة سيطرة الجن، والعفاريت على الإنسان وتغلغلهما فيه، وتعذيبهما إياه، أو إخضاعه ليتحدثوا على لسانه مظهر من مظاهر التجسد للقوى الخفية الشريرة، ولطردها ألفت التمائم والتعاوبذ، والكلمات السحرية في أرض الرافدين في حضارة
بابل والهند الآرية، وإذا استطاع الجن السيطرة على الأشرار من الناس، فإن الآلهة أقدر منهم على التجسد في الناس الطيبين، فمن الصعب أن يتبين علماء الآثار والتاريخ أين تكمن بداية تلك الشعوب في مجراها ومرساها، وما هو موطنها الأصلي.
فلم يقع أي انقطاع في تيار الحضارة في البلاد القديمة في الشرق إيران سورية بلاد ما بين النهرين مصر، بل اتصلت وشائج الحضارة البيزنطية الساسانية: الإطارات الذهنية، طرق التفكير، والطرق التقنية والأفكار السائدة والأشكال الفنية.