المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مصادر مناقشة العرب للرسول صلى الله عليه وسلم في مصدر القرآن: - تاريخ الفكر الديني الجاهلي

[محمد إبراهيم الفيومي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمات

- ‌مقدمة الطبعة الرابعة

- ‌مقدمة الطبعة الثالثة:

- ‌مقدمة الطبعة الثانية:

- ‌مقدمة:

- ‌الباب الأول: الشرق السامي وحدة حضارية ودينية

- ‌مدخل

- ‌الشرق وحدة حضارية ودينية:

- ‌نظريات ومذاهب في تحديد موطن الساميين الأصلي:

- ‌الأمة السامية بطونها، وتراثها الحضاري والديني:

- ‌مراجع هذا الباب:

- ‌الباب الثاني: العرب في طورهم التاريخي والسياسي

- ‌عرب" ومدلوله التاريخي:

- ‌رأي المستشرقين وعلماء التوراة:

- ‌الجاهلية:

- ‌أقسام العرب لدى الإخباريين

- ‌مدخل

- ‌العمالقة في العراف وفي مصر

- ‌إبراهيم عليه السلام مؤسس البيت العبري والعربي:

- ‌عرب الشمال عرب عدنان -الإسماعيليون: الحجاز

- ‌ عرب الجنوب عرب قحطان: اليمن

- ‌الدور المعيني:

- ‌ الدور السبئي:

- ‌الدور الحمير الثاني

- ‌الفروق بين القحطانية والإسماعيلية:

- ‌اللغة-الأسماء:

- ‌دول العرب قبل الإسلام

- ‌مدخل

- ‌ الأنباط، عاصمتها بتراء:

- ‌مملكة تدمر

- ‌مدخل

- ‌من ملوك تدمر:

- ‌فيلسوف "تدمر" لونجينوس:

- ‌دولة الغساسنة، عاصمتها بصرى:

- ‌دولة المناذرة- الحيرة والأنبار-اللخميون في العراق:

- ‌حضارة الحيرة:

- ‌مملكة كندة:

- ‌مراجع هذا الباب:

- ‌الباب الثالث: العرب وروافد الفكر الديني

- ‌العلاقات التجارية والدبلوماسية:

- ‌البتراء:

- ‌ تدمر:

- ‌ دولة الغساسنة:

- ‌ دويلة المناذرة:

- ‌الأفلاطونية المحدثة:

- ‌فيلو الإسكندري" ونشأة الفلسفة الدينية والأصول العرفانية:

- ‌مدرسة إنطاكية

- ‌مدخل

- ‌نيقولاس وظهور الهرطقة في أنطاكية

- ‌برنابا في أنطاكية:

- ‌من أهم جهود برنابا:

- ‌مدرسة نصيبين، مدرس الرها، المدائن-المانوية216

- ‌جنديسابور:

- ‌آراء فلسفية للمستشرقين حول الهلينستية والسامية

- ‌اليهود في بلاد العرب

- ‌مدخل

- ‌عوامل هجرة اليهود إلى الجزيرة العربية:

- ‌ اليهودية في جزيرة العرب:

- ‌مصادر مناقشة العرب للرسول صلى الله عليه وسلم في مصدر القرآن:

- ‌المسيحية في بلاد العرب

- ‌مدخل

- ‌مدرسة الإسكندرية واللاهوت المسيحي:

- ‌الكنيسة السريانية الغربية، آباء الكنيسة اللاتين، أوغسطس 354

- ‌توسع الرهبنة، القديس مارون، أفرام السورياني 306-373:

- ‌كيف دخلت المسيحية مكة والجزيرة العربية:

- ‌ المسيحية والرسول:

- ‌أصحاب الطبيعة الواحدة:

- ‌رواية بحيرا:

- ‌التنظيم الديني:

- ‌الراهب:

- ‌الساعور-الدير:

- ‌المحراب، الهيكل، قنديل:

- ‌أثر النصرانية في الجاهليين:

- ‌الباب الرابع: الصابئة والمجوسية

- ‌تاريخ الصابئة وجغرافيتها الفكرية

- ‌مدخل

- ‌انتقالها إلى جزيرة العرب:

- ‌العرب وعبادة الكواكب:

- ‌معنى الصابئة وأقسامها:

- ‌أقسام الصابئة

- ‌صابئة بوداسف: أو الصابئة المشركون

- ‌صابئة الأشخاص:

- ‌صابئة الهند:

- ‌صابئة الفلاسفة:

- ‌صابئة أهل الكتاب:

- ‌صابئة البطائح:

- ‌حول نسبة مذاهب الصابئة:

- ‌بوداسف:

- ‌أصول فكر الصابئة الأولى:

- ‌أنواع الوساطات:

- ‌هياكلهم-رؤساؤهم:

- ‌تعقيب حول فكر الصابئة:

- ‌من قضايا الصابئة وموقف القرآن منها:

- ‌إبراهيم والصابئة:

- ‌الوساطة بين الإنسان والله

- ‌مدخل

- ‌ملاحظات على ما أورده الشهرستاني في المناظرة بين الصابئة والحنفاء:

- ‌ملاحظات على ما ذكره المسعودي:

- ‌الزندقة عند عرب الجاهلية:

- ‌المجوسية أقدم من زرادشت

- ‌زرادشت

- ‌مدخل

- ‌مضمون العقيدة:

- ‌الخير والشر:

- ‌زرادشت وكتاب الأفستا:

- ‌المجوسية والعرب

- ‌مدخل

- ‌علاقة الإسلام بهم:

- ‌القدرية والمجوس:

- ‌سحب الثقة من عبادة الأصنام:

- ‌ المتشككون في أوثانهم:

- ‌الباب الخامس: مكة عاصمةٌ ثقافية ودينية

- ‌الحجاز:

- ‌مكة والصراعات السياسية بين الفرس والرومان:

- ‌بناء البيت والدعوة إلى التوحيد:

- ‌نبي الله إبراهيم والجزيرة العربية:

- ‌إله إبراهيم الخليل غير إله اليهود:

- ‌النبوة الإلهية عربية لفظا ومعنى:

- ‌إلى وايل:

- ‌الاتجاه نحو الوثنية وأصنامها:

- ‌كيف نشأت:

- ‌الأصنام

- ‌اللات

- ‌ العزى:

- ‌ مناة:

- ‌ هبل:

- ‌ ود:

- ‌ سواع:

- ‌ يغوث:

- ‌ يعوق:

- ‌ عميانس:

- ‌ أساف ونائلة-رضى:

- ‌ مناف-ذو الخلصة:

- ‌ سعد-ذو الكفين:

- ‌ ذو الشرى-الأقيصر-نهم:

- ‌عائم-سعير-الغلس-اليعبوب-باجر-المحرق-شمس

- ‌ تيم:

- ‌ مرحب-رئام-الوثن:

- ‌سدنتها:

- ‌اتجاه قريش نحو الزعامة:

- ‌ولاية الكعبة:

- ‌ لقريش محامد تنسب إليهم:

- ‌معاهدتهم التجارية

- ‌ التحمس القرشي

- ‌ نتائج التحمس القرشي:

- ‌تقويم التحمس القرشي:

- ‌موقف القرآن من التحمس:

- ‌الباب السادس: من قضايا الفكر الديني الجاهلي

- ‌نظرات تحليلية في نشأة الديانة الوثنية

- ‌الشرك ومظاهره عند العرب:

- ‌موقفهم من الرسالة:

- ‌التأله والقرابين:

- ‌المقدس وغير المقدس:

- ‌بيوت العبادة:

- ‌رمزياتهم:

- ‌تسخير عالم الأرواح:

- ‌تعقيب:

- ‌المراجع

- ‌فهرس الكتاب:

الفصل: ‌مصادر مناقشة العرب للرسول صلى الله عليه وسلم في مصدر القرآن:

ابن سعية "سعنة" في طبقة الصحابة، ويقال: إنه كان أحد أحبار اليهود الذين أسلموا، وأنه كان أكثرهم علماء ومالا، وقد شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم مشاهدة كثيرة وتوفي في غزوة بتوك مُقبلا إلى المدينة.

ولم يظهر من يهود اليمن في الإسلام ممن عرفوا برواية الإسرائيليات سوى رجلينن؛ هما كعب الأحبار ووهب بن منبه.

فأما كعب فقد أدرك زمن الرسول غير أنه لم يره، ولم يدخل في الإسلام إلا في أيام أبي بكر أو عمر، وهو أبو إسحق كعب بن مانع بن هينوع هيسوع، وقد عرف بين المسلمين بكعب الأحبار وبكعب الحبر من باب التعظيم والتقدير لعلمه.

ولم ينسب أد إلى كعب مؤلفان وكل ما نسب إليه فهو مما ورد عنه بالمشافهة والسماع وهو بين صحيح يمكن أن يكون قد صدر منه وبين مشكوك في أمره وُضِع عليه، وفيه ما هو إسرائيلي صحيح أي أنه مما هو وارد في التوراة أو في التلمود أو في الكتب الإسرائيلية الأخرى وفيه ما هو قصص إسرائيلي نصراني وما هو محض افتعال وخلط.

ص: 204

‌مصادر مناقشة العرب للرسول صلى الله عليه وسلم في مصدر القرآن:

نسوق هذا النموذج بعدما قدمنا ما تعرضت له المنطقة من اتجاهات فكرية ودينية، يتميز هذا النموذج بأنه جمع لجنة تمثل اتجاه المثقف ثقافة عقلية في مدرسة "جنديسابور"، وهو: النضر. واتجاه رجال الدين اليهودي، وذلك عندما أفلست الوثنية العربية اتجه رجالها إلى يهود يثرب ليسألوهم عن مسائل يختبرون بها الرسول، وذلك كان بعد أن اتخذ الإسلام طريقه في قبائل قريش: من الرجال والنساء، وقريش تحبس من قدرت على حبسه، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين، دعا رجال من أشراف قريش من كل قبيلة إلى اجتمع بينهم فاجتمع:

ص: 204

عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب والنضر بن الحارث، أخو: بني عبد الدار، وأبو البختري بن هشام، والأسود بن عبد المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية والعاصي بن وائل، ونبيه ومنبه، ابنا: الحجاج السهميان، وأمية بن خلف.

اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة.

قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد، فكلِّموه، وخاصِموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه: إنَّ أشراف قومك قد اجتمعوا لك؛ ليكلموك، فائتهم، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا؛ فهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء؛ وكان عليهم حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم، ودار ذلك في نفسه حديثا نفسيا حتى جلس إليهم.

فقالوا له: يا محمد، إنا قد بعثنا لك؛ لنكلمك، وإنا والله، ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك؛ لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تطلب به الشرف فينا، فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكًا: ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا نراه قد غلب عليك -وكانوا يسمون التابع من الجن رئيا- فربما كان ذلك، بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك.

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بي ما تقولون".

ص: 205

ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل عليَّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا".

قالوا يا محمد: فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدا، ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا؛ ليبسط لنا بلادنا، وليفجر لنا فيها أنهارا كأنهار الشام، والعراق1.

فقال لهم رسول الله: "ما بهذا بعثت إليكم، إنما جئتمكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه: فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وأن تردوه عليَّ: أصبرْ لأمر الله حتى يحكم بيني وبينكم"، وقد حكى القرآن ذلك2.

قالوا: فإذا لم تفعل هذا لنا: فخذ لنفسك3، سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك.

1 وقد أنزل الله عليه قرآنا سأله فيما قومه من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وبعث الموتى؛ قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} [الرعد: 31] .

2 وأنزل عليه في قولهم: خذ لنفسك ما سألوه أن يأخذ لنفسه أن يجعل له جنانا وقصورا وكنوزا ويبعث معه ملكا يصدقه عما ويرد عليه:

{وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا، أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا، انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا، تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا} [الفرقان: 6-10] .

وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان: 20] .

3 وأنزل عليه فيما قال عبد الله بن أمية:

{وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 89-93] .

ورد عليهم فيما عرضوا عليه من أموال: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [سبأ: 47] .

ص: 206

وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة، يغنيك بها عما نراك تبغي؛ فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم وتتلمس من المعاش، كما نتلمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم.

فقال لهم رسول الله: "ما أنا بفاعل، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم". قال القرآن حاكيا ذلك منهم1.

قالوا: "فأسقط علينا كسفا كما زعمت أن ربك لو شاء فعل، لا نؤمن لك إلا أن تفعل".

فقال رسول الله: ذلك إلى الله إن شاء أن يفعله بكم فعل.

قالوا: يا محمد أفما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به.

ثم يقولون: إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة.

فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا، حتى نهلك أو تهلكنا.

وقال قائلهم: فمن تعبد الملائكة أو بنات الله؟

وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا.

فلما قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: قام عنهم، وقال معه: عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، بن عبد الله، بن عمر، بن مخزوم، وهو ابن عمته: فهو لعاتكة بنت عبد المطلب.

1 قال الله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُون} ، فقال عبد الله بن الزبعرى: أكل ما يعبد من دون الله حصب جهنم؟ قال: فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد عيسى، فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعرى، ورأوا أنه احتج وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله من قول ابن الزبعرى، فقال رسول الله: كل من أحب أن يعبد من دون الله مع من عبده، إنهم يعبدون الشياطين.

ص: 207

فقال له: يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا؛ ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول، ويصدقوك، ويتبعوك، لم تفعل، ثم سالوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم، ومنزلتك من الله، فلم تفعل. ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم من العذاب: فلم تفعل.

فوالله لا أؤمن بك أبدا، حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه، وأنا أنظر إليك، حتى تأتيها، ثم تأتي معك بصك أربعة من الملائكة، يشهدون لك أنك كما تقول، وايم الله إنك لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك، ثم انصرف عن رسول الله.

وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا آسفا مما كان من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه.

فلما قام عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمدا قد أبى، ألا ما ترون منه من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وشتم آلهتنا.

وإني أعاهد الله لأجلسن له غدًا بحجر، ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته؛ لأهوي بصخرة على رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم.

قالوا: والله لا نسلمك لشيء أبدًا فامض لما تريد.

فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا -كما وصف- ثم جلس لرسول الله ينتظره، وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو، وكان رسول الله بمكة وقبلته الشام، فكان إذا صلى بين الركنين: البراني، والأسود، جعل الكعبة بينه وبين الشام، فقام رسول الله يصلي، وقد غدت قريش.

فقالوا له: مالك يا أبا الحكم؟

قال: قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، ما رأيت مثل هامته، ولا أنيابه لفحل قط، فهم بي أن يأكلني.

ص: 208

فلما قال لهم ذلك أبو جهل قام النضر بن الحارث بن كلدة، فقال: يا معشر قريش إنه والله قد نزل أمر ما أتيتم بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم: غلاما حدثا، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر؛ لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم.

وقلتم: كاهن.. لا والله ما هو بكاهن؛ قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم.

وقلتم: شاعر.. لا والله ما هو بشاعر؛ قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه.

وقلتم.. مجنون؛ لقد رأينا الجنون، فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه.

يا معشر قريش: فانظروا في شأنكم؛ فإنه والله قد نزل بكم أمر عظيم.

وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة، وتعلم فيها أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم وإسفندبار فكان إذا جلس رسول الله مجلسًا يذكِّر فيه بالله، وحذر قومه من قبلهم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام ثم قال:

أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلم إلى: فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وإسفنديار، وكان قد تعلم في فارس.

ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثا مني؟

قال ابن هشام: وهو الذي قال فيما بلغني: سأنزل مثل ما أنزل الله.

وكان ابن عباس يقول: نزل فيه ثماني آيات من القرآن.

قول الله عز وجل: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} .

وكل ما ذكر عن الأساطير في القرآن وردت فيه.

ص: 209

فلما قال لهم النضر بن الحارث بعثوه وبعثوا معه: عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، وقالوا لهما: سلاهم عنه، وصفا لهم صفته، وأخبراهم بقوله: فإنهم أهل الكتاب وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى قدما المدينة.

فسألا أحبار اليهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصفا لهم أمره، وأخبراهم ببعض قوله، وقالا لهم: إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم؛ لتخبرونا عن صاحبنا هذا.

فقالت لهما أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن: فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل: فالرجل متقوِّل، فروا فيه رأيكم.

1-

سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول: ما كان أمرهم؟ فإنه كان لهم حديث عجيب.

2-

وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها: ما كان نبؤه؟

3-

وسلوه عن الروح: ما هي؟

فإن أخبركم فاتبعوه فإنه نبي، وإن لم يفعل فهو رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم.

فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط حتى قدما مكة على قريش، فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أخبر أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها، فإن أخبركم عنها، فهو نبي، وإن لم يفعل فالرجل متقول فروا فيه رأيكم.

فجاءوا رسول الله، فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول: قد كانت لهم قصة عجب.

وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها.

وأخبرنا عن الروح؛ ما هي؟

ص: 210

فقال لهم رسول الله: "أخبركم بما سألتم عنه غدا"، ولم يستثنِ، فانصرفوا عنه.

فمكث رسول الله -فيما يذكرون- خمس عشرة ليلة، لا يحدث الله في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف أهل مكة فقالوا: وعدنا محمد غدًا، واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه، وأحزن رسول الله مكث الوحي عنه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل من الله بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية، والرجل الطواف، والروح في سورة الإسراء.

رواية علاقة الرسول بحكمة لقمان:

دعا رسول الله سويد بن الصامت إلى الإسلام.

فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي.

فقال له رسول الله: "وما الذي معك؟ ".

قال: مجلة لقمان "يعني حكمة لقمان".

فقال له رسول الله: "اعرضها عليَّ"، فعرضها عليه، فقال له: إن هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا؛ قرآن أنزله الله علي هو هدى ونور، فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه.

وقال: إن هذا القول حسنن ثم انصرف عنه.

فقدم المدينة على قومه فلم يلبث أن قتله الخزرج، وقيل: أسلم.

ويظهر من المحاورة: يعني مناقشة الرسول في مصدر القرآن:

-أن محمدًا: أعلن إعلانا ذاع بين قومه ومسجلا في القرآن: أنه لم يتلقَّ عِلما من إنسان، وسمع ذلك النضر نفسه، وغيره ممن شك فيهم العرب: أنهم يعلمون الرسول، فلم يعلن أي إنسان منهم، أو من اليهود، أو من المسيحيين أنه هو الذي يعلم الرسول فضلًا عن أنه لم يدع أحد منهم ذلك.

ص: 211

- وكما تفيد الرواية أن النضر بن الحارث على ما كان يدعيه من علم تلقاه من مدرسة جنديسابور كان يعلمهم أخبار الفرس فقط.

- وسويد بن الصامت صاحب مجلة لقمان سمع منه الرسول وقال له: هذا كلام حسن، ثم سمع الرسول فقال له: إن هذا القول حسن، ولم يدَّعِ سويد أنه علم الرسول أو أن الرسول أخذ منه شيئا.

وأن اختيار اليهود له، كان يعني: إظهار علامات النبوة وهم أعلم الناس بها وبدلائلها، وقالوا للنضر: إن أفتاكم فهو نبي مرسل، واليهودية وهي دائما ضد الوثنية الرومانية أمدت الوثنية العربية بعد أن أفلست في جدلها مع الرسول بأسلحة ماضية؛ لتختبره بها، ثم تشاء إرادة الله أن تنتهي الوثنية ومعها اليهودية بأسلحتها ويصير سفراء العرب إلى دعاة على الرغم منهم، فيظهرون علامات النبوة.

علاقة القرآن بهما:

خلاصة القول: إن القرآن حدد موقفه من اليهودية والنصرانية على حد سواء.

أولا: من حيث المبدأ:

- اعترف بهما: دينين سماويين، وموسى وعيسى رسولين أوحي إليهما1.

- حض على الإيمان بهما: وأن إيمان المسلم لا يصح إلا بالإيمان بهما وبغيرهما من الرسل2.

- وضح علاقة الإسلام بهما على أنها تكميل وتتميم وتصحيح3.

ص: 212

- قام القرآن بما اشتمل عليه من التاريخ الديني للرسالات السابقة عليه بنشر مضمون الكتب السابقة عليه، مظهرا بذلك وحدة السلسلة الدينية1.

ثانيا: من حيث التفاصيل

- أبدى ملاحظات اساسية عليهما منها:

- نزاع بعضهم بعضا:

قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} 2.

- تفرقهم في العقيدة إلى فرق لكل فرقة كتابها:

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} 3.

1 قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] .

وقال: {وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46] .

وقال: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} [الأعلى] .

وقال: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ} [آل عمران: 20] .

ونسوق قولا لفيليب حتى يشهد على حسن معاملة الرسول لأهل الكتاب.

"و-كانت الطبقة الثالثة تتألف من أهل الذمة وهم اللذين قبل منهم علىأنه دين منزل، والمراد بين النصارى واليهود والصابئة ذلك أن الإسلام شملهم بالأمان وصانهم بالعهود والمواثيق".

وقد أتاح النبي نفسه "انظر آيات سورة التوبة: 29 والبقرة: 99ن 103، وآل عمران: 62، 65 إلخ". للنصارى واليهود هذا الوضع السمح على اعتبار أنهم أهل الكتاب، ومرد ذلك إنما هو إجلال النبي للكتاب المقدس. انظر تاريخ سورية ص98 جـ2.

2 البقرة: 113.

3 الأنعام: 159.

ص: 213

- إهمالهم للتوراة:

قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} 1.

- تحريفهم لكتبهم المقدسة:

تحريف في العقيدة: "كقولهم المسيح ابن الله وعزيرا ابن الله"2

تحريفهم مفهوم علاقة البشرية بالله إلى بنوة له قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} 3.

- تحريفهم في شريعتهم:

قال تعالى: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} 4. وفي القرآن عن قضية التحريف التي منها:

قوله تعالى:

أ- {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} 5.

وقوله:

ب- {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِه} 6.

وقوله:

جـ- {وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} 7.

وقوله:

د- {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ} 8.

ثم بعد ذلك رسم القرآن للرسول الغاية النهائية من بيان ذلك قائلا:

{فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} 9.

1 الجمعة: 5.

2 من الإنجيل

3 المائدة

4 النساء: 161

5 سورة البقرة: 75

6 النساء: 46

7 البقرة: 146

8 البقرة: 174

9 الشورى: 15

ص: 214

ولهذه الغاية النبيلة: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} 1.

ولقد كان موقف أهل الكتاب من القرآن عجيبا: فإن وجدوا بعض ما في القرآن يتفق معهم قالوا: أخذه محمد من الكتاب2، وإن وجدوا روايات لا تنتمي إلى كتبهم مع أنها خاصة بتاريخهم قالوا هذا حديث مفتري3.

1 البقرة: 109.

وفي عصرنا هذا أخرج يوسف إلياس الحداد سلسلة دروس قرآنية:

أ- الإنجيل والقرآن.

ب- القرآن والكتاب جـ1

قال الأستاذ محمد عزه دروزه عنهما في كتابه "القرآن والمبشرون": وقد كتب الخوري لكل من كتبه الأربعة، مقدمة برأيه الظاهر وفيها دعوة إلى التفاهم وتبادل الثقة بين: المسلمين والنصارى؛ لأنهم يدينون بدين كتابي متَّحد المصدر والمبادئ والأهداف، غير أنه حشا كتبه بأقوال وبيانات وروايات وتحليلات عن القرآن ومحتوياته ونظمه ولغته وترتيبه وعن شخصية النبي وسيرته ورسالته، وصلتها بأهل الكتاب وتجديد أكثر اليهودية والنصرانية وكتبهما فيها الغريب العجيب المذهل من التخرص والتعسف والتجني والمجازفة وتحريف الكلام واللعب بالألفاظ وعدم التورع عن أقوال فيها افتراء وسوء أدب نحو القرآن ورسوله وكتاب وحيه وأصحابه الأولين وتابعيهم ونسبة الدس والزيادة في القرآن ص726.

2 يقول فيليب حتى في كتابه تاريخ سورية "2: 144": لقد كانت عقيدة التوحيد ويوم الحساب من أروج المواضيع في الأدب القرآني وفي الأناجيل المرفوضة والرسائل الصوفية على السواء، ثم يقول: حتى جعلوا الإسلام من وجوه عديدة وريثا للنصرانية والسريانية.

3 يقول الأستاذ محمد عزه دروزه في كتابه القرآن والمبشرون ص39: على أن هناك أشياء كثيرة وردت في القرآن من هذه القصص ولم ترد في الأسفار المتداولة. ومنها ما ورد في القرآن والأسفار متغايرا في الجزئيات بل وفي الصور المهمة معًا، فليس في سفر التكوين مثلًا ما ورد في القرآن من أمر الله الملائكة بالسجود لآدم وعصيان إبليس والموسوس لآدم وحواء في الجنة هو الحية في حين أنه في القرآن إبليس، وليس في هذا السفرما ف يالقرىن من قصص إبراهيم مع قومه وتخريب لأصنامهم ونظرته في النجوم وحجاجه مع قومه ومحاولتهم إحراقه في النار وإسكانه بعض ذريته عند بيت الله المحرم أي مكة واشتراك إبراهيم وإسماعيل في بناء الكعبة.

وليس في هذا السفر ما في القرآن من محاورة بين نوح وابنه الكافر عدم ركوب هذا في السفينة وغرقه، ومحاورة نوح مع الله تعالى في ذلك، وليس في السفر ما في تمزيق امرأة العزيز قميص يوسف ولا كلام النسوة ودعوة امرأة العزيز إياهن وتقطيعهن أيديهن، وليس في أسفار الخروج والعدد وتثنية الاشتراع التي فيها موسى وفرعون وبنو إسرائيل بعد خروجهم من مصر وحياتهم في سيناء ما في القرآن من خبر سحرة فرعون والتقاف الثعبان لحبالهم وعصيهم وسجودهم وإيمانهم ومحاورتهم مع فرعون وغرق فرعون وجنوده حينما خرجوا لمطاردة بني إسرائيل. والقرآن يذكر أن الشخص الثاني الذي أراد موسى أن يبطش به هو عدو في حين أن سفر الخروج يذكر أنه عبراني، قال الأستاذ دروزه: ونحن نعتقد أن ما ورد في القرآن ولم يرد في الأسفار المتداولة أو ورد فيها مباينا لما ورد فيه قد ورد في أسفار أخرى كانت متداولة بين أيدي اليهود لم يصل إلينا، وهذه ظاهرة تثبتها الأسفار المتداولة التي ورد فيها أسماء عديدة ليست بين الأسفار المتداولة".

ص: 215

وإذا تقدمت البحوث وعلم الحفائر وأظهرت دلائل تؤيد روايات القرآن وتثبت لهم ما حرفوا في كتبهم بالزيادة أو الحذف -وهذا ما قاله القرآن عنهم- دعوا إلى التفاهم وتبادل الثقة ما دمنا ندين بدين واحد، من حيث المصدر والغاية1.

وحقيقة أن الدعوى إلى التفاهم اشتدت في عصرنا، ولكنها دعوى مغلوطة؛ لأننا نؤمن بالمسيحية واليهودية وبالأديان السماوية مع الإسلام على حد سواء، فليس بين الإسلام والتوراة والإنجيل أزمة ثقة، أما هم: فإننا نراهم يعانون أزمة الثقة بينهم كطوائف وبين اليهودية كدين، وهذا قديم تاريخيا، ثم أخيرا بينهم جميعا وبين الإسلام، أما نحن المسلمين فبراء منها؛ لماذا؟

لأن الدعوة طرحها القرآن -وما زالت مطروحة- وعليهم الاستجابة لها، وبالتالي فالمشكلة التي بيننا وبينهم هي في مدى قدرتهم على الاستجابة نحو الكلمة السواء2.

1 وعجبنا عندما وقف البابا شنودة: ونادى بدعوة التعاون بين الأديان السماوية، ثم ذكر شخصيات إسلامية تاريخية ولم يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم فهل بذلك صدق مع نفسه أو صدق مع دعوته؟ أو نقض بنفسه وفي نفس دعوته ما دعا إليه؟

2 أما عن عوائق التفاهم فهي كما ذكرها الإمام عبد الحليم محمود ردا على رسالة كان قد بعث بها إليه د. ميجل دي إيبالثا سكرتير عام الصداقة الإسلامية المسيحية "مدريد أسبانيا" والرسالتان كما يلي:

السيد المحترم صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

وبعد:

فيسر جمعية الصداقة الإسلامية المسحية في مدريد أن تتوجه إلى فضيلتكم؛ لتشرُف بإخباركم بما استقر عليه الرأي من انعقاد مؤتمر قرطبة العالمي المسيحي الثالث خلال عام 1979، إن شاء الله. وقد رأت إدارة الجمعية اختيار موضوع محمد وعيسى ملهمين للقيم الاجتماعية المعاصرة بالنسبة لمسلمي اليوم سواء برسالته وعقيدته ودعوته، أو بشخصيته وسلوكه ونفسيته المثالية. بينما يشرح المسيحيون كيف يعبر عيسى عليه السلام عن القيم الاجتماعية نفسها عند المسيحي اليوم، ورغبتنا أن يدرس هذا الموضوع مجموعة ممن يعيشون في مجتمع متكافل يفيض بالمودة والوفاق، وإن اختلفت عقائد مواطنيه وتنوعت أديانهم.

وسوف يتولى عملية تنظيم وإعداد المؤتمر من الجانب المسيحي الكليات المتخصصة في علوم اللاهوت، نذكر منها خاصة كلية اللاهوت بمدريد والجامعة البابوية في روما، ويعدّ الموضوع -بمشيئة الله- من الجانب الإسلامي الجامعات المتخصصة في بعض البلدان الإسلامية ومؤسسات إسلامية وشخصيات مسلمة، يستوي في ذلك من يعيشون داخل أسبانيا ومن يقيمون خارجها.

ونعتقد أنه من الممكن دراسة رءوس الموضوعات التالية في نطاق الموضوع العام للملتقى وهي: الحرية والعدالة والمساواة في مختلف مظاهرها وجوانبها المتعددة في هذا الدين أو ذاك، ولا يعني هذا -بطبيعة =

ص: 216

.....................................................................................................

= الحال أن هذه هي الكلمة النهائية، على العكس نحن نتوجه إليكم منذ الآن وفي لحظة نشأة الفكرة آملين أن أن تثروا الموضوع بما تقترحونه وأن تتفضلوا بإضافة ما ترونه مفيدا ونافعا، ولسنا نشك أنكم ستزودوننا بسديد الرأي وصائبه -بإذن الله؛ فأنتم أدرى بهذا الحقل منا، ولكم في هذا الميدان خبرة قد لا تتوفر للكثيرين بحكم احتكاككم بالمجتمعات، وجهودكم في القارات المختلفة، وقد سبق أن شرفتمونا حين تفضلتم بإيفاد وفد مثَّل بلادكم في مؤتمر قرطبة الإسلامي المسيحي الأول الذي عقد في عام 1974م.

وما نبغيه في هذه المرحلة -مرحلة الإعداد والدراسة- هو النصيحة وتبادل الرأي، والاستفادة بالمشورة دون إلزام أو التزام بحضور المؤتمر، وسوف نتصل بكم في مرحلة أخرى إن شاء الله من أجل توجيه الدعوة لحضور جلسات الملتقى نفسه إذا رغبتم في ذلك.

وفي انتظار كريم ردكم نرجو أن تتقبلوا خالص تحياتنا وأطيب أمنياتنا بالصحة والسعادة.

وسلام الله عليكم وتحياته ورحمته وبركاته..

سكرتير عام جمعية الصداقة الإسلامية المسيحية

"إمضاء"

دكتور: ميجيل دي إيبالثا. مدريد. إبريل 1978م

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد المحترم: د. ميجل دي إيبالثا

تحية طيبة وبعد،

فقد وصلني خطابكم المؤرخ: إبريل 1978م.

وإني أشكر لكم هذه الرغبة في التفاهم بين المسلمين والمسيحيين وإثراء الفكر المعاصر بالحلول التي أوحاها الله تعالى إلى محمد وعيسى صلى الله عليهما وسلم، وذلك فيما يتعلق بالمشاكل المعاصرة.

وقد وصلني أخبار المؤتمرين السابقين.

وأحب أن أنبه، في مودة، ومن أجل تفاهم عميق إلى بعض الأمور:

1-

إن الإسلام -منذ أن بدأ- خالف الجو العالمي: اليهودي في أمر عيسى عليه السلام؛ لقد أعلن الإسلام مباشرة تقديره واحترامه لعيسى وأمه؛ وأما عيسى عليه السلام فهو وجيه في الدنيا والآخرة وأما أمه فهي صديقة. نبوة عيسى عليه السلام جزء من إيمان المسلم وبراءة أمه وطهرها جزء من إيمان المسلم، ولم يقف الإسلام من عيسى عليه السلام ومن موقف اليهود الذين ما زالوا على موقفهم إلى الآن من عيسى وأمه؛ لقد افتروا -وما زالوا- على عيسى وعلى أمه ورموهما ببهتان شنيع أما الإسلام فمجدهما وما زال مستمرا في تمجيده لهما.

فماذا لقي المسلمون من المسيحيين في مقابل ذلك؟

2-

أنه لا بد من الاعتراف بالدين الإسلامي وبرسوله حتى ينال المسلمون في أوربا ما ينال اليهود من الاعتراف بأعيادهم وبشعائرهم وأنه لا يتأتى التفاهم بين أتباع رسول يحترمه المسلمون هو عيسى عليه السلام وأتباع رسول لا يعترف به المسيحيون وهو محمد صلى الله عليه وسلم.

3-

إن المسلمين والمسيحيين يعملون على مقاومة الانحراف والانحلال والمادية والإلحاد، وكان يجب أن يسيرا في خط متعاون متساند ضد التيارات المنحرفة ولكن للأسف -يسير المسيحيون في طريق تنصير المسلمين بقوة، فهم يعملون ليل نهار على أن ينصروا المسلمين في كل مكان في العالم، وكل الدول وأمريكا ترسل إرساليات؛ لتنصير المسلمين بأسلوب مكشوف واضح أو بأسلوب خفي مستور، ويضيق المسلمون بذلك ضيقًا شديدًا، رغم ذلك فإن ملايين الجنيهات تتفق في سعة للتنصير بكل الطرق.

=

ص: 217

.................................................................................

= ومما هو ملاحظ أن الدول الإسلامية ليس لها إرساليات تبشيرية وقد أرسل المسيح عليه السلام؛ لهداية خراف بني إسرائيل الضالة، ومع ذلك فإن المسيحيين تركوا أمة بني إسرائيل الضالة، وأخذوا يعملون على تنصير المسلمين تساعدهم الثروة وتساندهم وسائل الحضارة الحديثة.

ولو حصروا نشاطهم على تنصير الوثنيين لما أثار ذلك ضيق المسلمين الشديد وكراهيتهم للأسلوب ولموضوع التنصير نفسه.

4-

والمسلمون أقليات في بعض الأقطار المسيحية مثل الفلبين، وهذه الأقليات المسلمة ينكل بها باسم المسيحية؛ تؤخذ أرضها وييتم أطفالها وتترمل نساؤها، ولا تجد إلا ارتياحا في نفوس الأغلبية المسيحية، ونحب أن ينتهي التنكيل بالمسلمين في الأقطار التي بها الأغلبية المسيحية؛ نحن نحب أن ينتهي ذلك إنسانيا، ونحب أن ينتهي ذلك دينيا.

5-

وفي المؤتمرات التي تعقد في أسبانيا وغيرها هناك أسلوبان للحديث:

أ- التزام العقل، وهنا لا يتحلل المسلمون من مبادئ دينهم، فيتناولون المسيح عليه السلام وأمه بالأسلوب العقلي، فيكون موقفهم منهما موقف اليهود: يقولون على مريم وعلى ابنها ما يضيق به المسيحيون ضيقا شديدا. ويقولون على المسيحية نفسها ما يضيق به المسيحيون ضيقا شديدا.

ولكن المسلمين في هذه المؤتمرات يتبعون مبادئ دينهم فيحترمون المسيح عليه السلام وأمه، أما المسيحيون فإن البعض منهم لا يبالي، فيتحدث عن رسول الإسلام بما يضيق به المسلمون، فلا تكون هذه المؤتمرات وسائل تفاهم، وإنما تكون وسائل تنافر، وذلك كما حدث في المؤتمرين السابقين من بعض المسيحيين.

ب- التزام ما تمليه روح التفاهم، فلا يساء إلى المسلمين في مقدساتهم.

6-

وأحب أن أقول: إن الإسلام هو العامل الأكبر في تثبيت المسيحية حين اعترف برسالة عيسى عليه السلام، احترام أمه عليها السلام.. فماذا قدم المسيحيون؟ لا شيء!!

بل على العكس من ذلك لقد هاجموا وما زالوا يهاجمون رسول الإسلام ومبادئ الإسلام فهل يمكن مع ذلك التفاهم؟

7-

وأحب أن أقول: إن الإسلام اعترف بوجود المسيح عليه السلام وبرأ أمه، ومع ذلك فقد قوبل بجحود لا مثيل له، وما زال يقابل بهذا الجحود من المسيحيين على أكبر خدمة أديت للمسيح عليه السلام.

وبعد؛ فإني أحب صادقا أن نتعاون في صد كل انحراف وأحب أن أقول: إنه لولا تقديري لكم لما كتبت لكم هذا وإنني يسرني أن أقرأ لكم.

سأتحدث إليكم عن رأيي في موضوع المؤتمر في المستقبل إن شاء الله.

ولكم تحيتي وتقديري

"د. عبد الحليم محمود" شيخ الأزهر

نشر في مجلة الأزهر. الجزء الثالث. السنة الخمسين

رجب 1398هـ الموافق يونيو 1978م.

ص: 218

بيد أن موقفهم السيكولوجي ما زال كما قرره القرآن في قوله: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} .

فالحرب الصليبية -وهي تعتبر أول غزو مسلح ذي شكل ديني قامت به أوروبا لغزو الإسلام في داره- جعلت هدفها الظاهر الدعوة التبشيرية للمسيحية كما هو واضح في اسمها -وفي حقيقة الأمر كانت أطماعا في لبن الشرق وعسله- والدعوة التبشيرية لمن؟ للإسلام، وتلك دعوة في ظاهرها مغلوطة فضلًا عن رفضها من حيث المبدأ من عدة جوانب؛ لأن دين الإسلام يعترف بالأديان السماوية ويعتبر الإسلام نفسه أنه مكمل لها، وعلى هذه الأديان دراسة العلاقة التي قررها الإسلام، ومن حيث دولة الإسلام ذات السيادة؛ فإنها تعترف بالدين المسيحي وتحترم المسيحية، فغزو أوروبا لدولة الإسلام كي تحملها على الاعتراف بالدين السماوي غير وارد.

وأما من ناحية علاقة الإسلام -من كونه دينًا ودولة- بالأقليات الدينية فإن حقوقهم قد كفلها الإسلام وباتوا إخوة مع المسلمين فغزوهم؛ لتأمين هذه الأقليات غير وارد أيضا كأسباب لغزو مسلح.

لذلك قلنا: إن الصليبية حملت الصليب رمزا للتعذيب، ولم ترفع الكتاب رمزا للحب والسلام.

وفي النهاية يقول كارلو نللينو1: التشريع عند النصارى عمل بشري ليس له ارتباط متين بأقوال الإنجيل، أما التشريع في الإسلام فلا يتصور إلا كفرع من العلوم النقلية الدينية؛ أصوله في القرآن، والسنة، والإجماع.

فلهذا السبب أيضا تنطوي كتب الفقه الإسلامية على العبادات التي لا مكان لها في فقه الأمم النصرانية، وكفى ذلك برهانا على عظيم شأن القرآن في الهيئة الاجتماعية الإسلامية، ودخول أحكامه في أمور دنيوية فقط عند النصارى.

1 تاريخ الآداب العربية: كارلو نلينو، ط2. دار المعارف ص99.

ص: 219

ومما ذكرته كتب التاريخ الإسلامي عن علاقة المسلمين بالمسيحيين -وفق التوجيه النبوي ما ذكره ابن سعد في طبقاته عن كتبه ورسائله إلى الأساقفة وديار المسيحية في العرب وما أوصى به سفراءه، يذكر ابن سعد فيروي:

وكتب رسول الله لأسقف بني الحارث بن كعب وأساقفة نجران وكهنتهم ومن تبعهم ورهبانهم أن لهم على ما تحت أيديهم من قليل وكثير من بيعهم وصلواتهم ورهبانيتهم جوار الله ورسوله لا يغير أسقف عن أسقفيته ولا راهب عن رهبانيته ولا كاهن عن كهنوته ولا يغير حقًّا من حقوقهم ولا سلطانهم ولا شيء مما كانوا عليه ما نصحوا أو أصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلم ولا ظالمين1.

وكتب إلى ضغاطر الأسقف:

سلام على من آمن، أما على أثر ذلك فإن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم الزكية وإني أومن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى ابراهيم وإسماعيل ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. والسلام على من اتبع الهدى

وفي بعض كتبه لأهل نجران يقول صلى الله عليه وسلم: ولنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم وملتهم وارضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم وصلواتهم لا يغير أسقفا عن أسقفيته ولا راهبا عن رهبانيته ولا واقفا عن وقفانيته وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير وليس ربا ولا دم جاهلية ومن سأل منهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين.

إلى أن قال: وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة النبي أبدا حتى يأتي الله بأمر إن نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلم2.

1 طبقات بن سعد "1: 266".

2 طبقات بن سعد "1: 266".

ص: 220