الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا يخفى فساد حمل الشراح هذا الكلام على أنه الاستثناء المأمور - وهو الاستثناء بمشيئة الله - يجوز انفصاله، والكلام في الاستثناء «بإلا» ، لأنه لا خلاف في الاستثناء بمشيئة الله أنه لا يجوز انفصاله لفظًا، وإن اختلف في الاستثناء «بإلا» مطلقًا، أو بالنية؛ لأنه في المشيئة بالله رافع له من أصله، ولذلك لم يختلفوا فيه، والاستثناء «بإلا» نوع تخصيص، فأطلق العام لإرادة الخاص.
قال:
(مسألة: الاستثناء المستغرق باطل باتفاق
.
والأكثر على جواز المساوي والأكثر.
وقالت الحنابلة، والقاضي أولًا: بمنعهما.
وبعضهم، والقاضي ثانيًا: بمنعه في الأكثر.
وقيل: إن كان العدد صريحًا.
لنا: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} والغاوون أكثر، بدليل:{وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} .
وأيضًا: «كلكم جائع إلا من أطعمته» .
وأيضًا: فقهاء الأمصار / على أنه لو قال: «عندي عشرة إلا تسعة» ، لم يلزم إلا واحد، ولولا ظهوره لما اتفقوا عليه عادة.
الأقل: مقتضى الدليل منعه.
وأجيب: بالمنع، فلو سلّم فالدليل متبع.
قالوا: «عشرة إلا تسعة ونصف درهم وثلث درهم» ، مستقبح ركيك.
وأجيب: بأن استقباحه لا يمنع صحته، كعشرة إلا دانقًا، ودانقًا إلى عشرين).
أقول: الاستثناء المستغرق باطل، وحكى المصنف الاتفاق على ذلك.
وذكر اللخمي في كتاب الأيمان بالطلاق خلافه، قال: الاستثناء يصح فيما كانت النية فيه قبل انعقاد اليمين، فإن جاء مستفتيًا صح استثناء الجميع، فلو قال:«طالق واحدة إلا واحدة» لم يلزمه شيء، ويختلف إذا كانت عليه بينة؛ لأن قبحه يصيره في معنى من أتى بما لا يشبه، يعني فيحمل على أنه ندم، ولا يصدق في أنه رفع وحل.
وأما استثناء الأكثر، فالأكثرون على جوازه.
وقالت الحنابلة، والقاضي: لا يجوز استثناء المساوي.
وقال بعض الأصوليين، وبعض الفقهاء منا، والقاضي: يمنع استثناء الأكثر فقط، وقال ابن الماجشون منا: يمنع استثناء عقد، كمائة إلا
عشرة، ويجوز إلا خمسة، وقال بعضهم: إن كان العدد صريحًا امتنع استثناء الأكثر، كألف إلا سبعمائة، وإلا جاز، كعبيدي أحرار إلا أحرار الصقالبة، وهم أكثر، ومال إليه اللخمي منا.
احتج الأكثرون بوجوه:
الأول: قوله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} و «من» هنا للبيان، لأن الغاوين كلهم متبعوه؛ فاستثنى الغاوين وهم أكثر من غيرهم، بدليل:{وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} ، دلّ على أن الأكثر ليس بمؤمن، وكل من ليس بمؤمن غاو، ينتج: الأكثر غاو.
قلت: العباد يشمل الملائكة، بدليل:{بل عباد مكرمون} ، فلا يلزم من كون أكثر الناس غاويًا أن يكون أكثر العباد غاويًا، مع أنه لا ينهض على من يمنع إذا كان العدد صريحًا.
الثاني: قوله عليه السلام: «كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم» ، أخرجه مسلم، معناه إلا من أشبعته، والذين أشبعهم أكثر.
ولا ينهض أيضًا على من قال: إن كان العدد صريحًا.
الثالث: أن فقهاء الأمصار اتفقوا على أنه لو قال: «عليّ عشرة إلا تسعة» ، لم يلزمه إلا واحد، ولولا أن استثناء الأكثر ظاهر في وضع اللغة في بقاء الأقل، لامتنع الاتفاق عليه عادة.
ولا يصح هذا الاتفاق؛ لأن ابن الماجشون من فقهاء الأمصار، وقد تقدم مذهبه، وجماعة من أصحابنا ذهبوا إلى أنه إذا قال:«أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين» ، أن الثلاثة / تلزمه، قال اللخمي: وكذلك في الإقرار.
احتج الأقلون بوجهين:
الأول: مقتضى الدليل من الاستثناء لأنه إنكار بعد إقرار، خالفناه في الأقل؛ لأنه في معرض الذهول، فقد يكون نسي أنه قضاه ذلك ثم تذكر عند اليمين، فلو لم يصح لتضرر، بخلاف الكثير إذ لا يذهل عنه غالبًا، فيبقى فيه على وفق الدليل.
الجواب: لا نسلم أن مقتضى الدليل منعه، وليس إنكارًا بعد إقرار؛ لأنه جملة واحدة، لما مرَّ أنه إسناد بعد إخراج فليس فيه حكمان مختلفان.