الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدرس الرابع والستون بعد المائتين
{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (19) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً (20) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (21) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (23) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً (24) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (25) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (26) لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ
مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (27) هُوَ
الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (28) مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ
…
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (29) } .
* * *
قوله عز وجل: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (19) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً (20) وَأُخْرَى
…
لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (21) } .
عن عكرمة مولى ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشًا على نفسي وليس بمكة من بني عدي بن كعب من يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليهم ولكني أدلك على رجل هو أعز بها مني: عثمان بن عفان؛ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش، يخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحرمته؛ فخرج عثمان إلى مكة فتلقاه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها، فنزل عن دابته فجعله بين يديه، ثم ردفه وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان عظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، قال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان قد
قتل. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن عثمان قد قتل قال: «لا نبرح
حتى نناجز القوم» ، ودعا الناس إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، فكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبايعنا على الموت، ولكن بايعنا على أن لا نفر فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة كان جابر بن عبد الله يقول: لكأني أنظر إليه لاصقًا بإبط ناقته قد اختبأ إليها يستتر بها من الناس؛ ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل. رواه ابن جرير.
عن جابر قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة فَبَايَعْنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت، قال: فبايعناه كلنا إلا الجد بن قيس. وعن قتادة: قوله: {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} أي: الصبر والوقار، {وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} وهي خيبر {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا} ، قال البغوي: من أموال يهود خيبر {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} ، وعن مجاهد: قوله: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} ، قال: المغانم الكثيرة التي وعدوا: ما يأخذونها إلى اليوم. {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ} ، قال: عجل لكم خيبر. وعن قتادة: {وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ} عن بيوتهم وعيالهم بالمدينة حين ساروا إلى الحديبية وإلى خيبر {وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} يقول: وذلك آية للمؤمنين: كف أيدي الناس عن عيالهم {وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} . وعن الحسن:
{وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا} قال: هي فارس والروم. وقال قتادة: بلغنا أنها: مكة، {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} .
قوله عز وجل: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (23) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ
أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً (24) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (25) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (26) } .
عن قتادة: قوله: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ} ، يعني: كفار قريش؛ قال الله: {ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً} ينصرهم من الله. وعن عبد الله بن مغفل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسًا في أصل شجرة بالحديبية وعلى ظهره غصن من أغصان الشجرة، فرفعتهما عن ظهره، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بين يديه، وسهيل بن عمرو - وهو صاحب المشركين - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
لعلي: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» ، فأمسك سهيل بيده فقال: ما نعرف (الرحمن) اكتب في قصتنا ما نعرف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اكتب بسمك اللهم» فكتب فقال: «هذا ما صالح محمد رسول الله وأهل مكة» فأمسك سهيل بيده فقال: لقد ظلمناك إن كنت رسولاً، اكتب في قصتنا ما نعرف. قال:«اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وأنا رسول الله» ، فخرج علينا ثلاثون شابًا عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم فأخذناهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«هل خرجتم في أمان أحد» ؟ قالوا: لا، فخلى سبيلهم. قال: فأنزل الله: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} . رواه ابن جرير. وقال قتادة: ذكر لنا أن
رجلاً يقال له: ابن زنيم اطلع على الثنية من الحديبية، فرماه المشركون بسهم فقتلوه، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلاً فأتوه باثني عشر من الكفار فقال لهم:«هل لكم علي عهد؟ هل لكم علي ذمة؟» قالوا: لا، فأرسلهم وأنزل الله تعالى في ذلك:{وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم} الاية.
قوله: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً} قال قتادة: محبوسًا {أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} قال: وأقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه معتمرين في ذي القعدة ومعهم الهدي، حتى إذا كانوا بالحديبية صدهم المشركون فصالحهم نبي الله صلى الله عليه وسلم على أن يرجع من عامه ذلك ثم يرجع من العالم المقبل فيكون بمكة ثلاث ليال، ولا يدخلها إلا
بسلاح الراكب، ولا يخرج بأحد من أهلها. فنحروا الهدي وحلقوا وقصروا.
{وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ} حتى بلغ: {بِغَيْرِ عِلْمٍ} هذا حين رد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن يدخلوا مكة، فكان بها رجال مؤمنون ونساء مؤمنات، فكره الله أن يؤذوا ويوطئوا بغير علم. قال البغوي:{وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ} ، يعني: المستضعفين بمكة {لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ} لم تعرفوهم {أَن تَطَؤُوهُمْ} بالقتل وتوقعوا بهم، {فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} ، قال ابن زيد: معرة، يعني: إثم. وقال ابن إسحاق: عزم الدية، وقيل: الكفارة، لأن الله أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب - إذا لم يعلم إيمانه - الكفارة دون الدية، فقال:{فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} ، وقيل: هو أن المشركين
يعيبونكم ويقولون: قتلوا أهل ديتهم؛ والمعرة: المشقة، يقول: لولا أن تطئوا رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم فليزمكم بها كفارة ويلحقكم سبة، وجواب (لولا) محذوف تقديره: لأذن لكم في دخولها، ولكنه حال بينكم وبين ذلك، {لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ} يعني: حال بينكم وبين ذلك ليدخل {فِي رَحْمَتِهِ} في دين الإسلام {مَن يَشَاءُ} من أهل مكة بعد الصلح قبل أن تدخلوا {لَوْ تَزَيَّلُوا} لو تميزوا، يعني: المؤمنين من الكفار {لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} ، وقال قتادة: إن الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار كما دفع بالمستضعفين من المؤمنين عن مشركي مكة. وعن
الزهري قال: كانت حميتهم التي ذكر الله {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} أنهم لم يقروا أنه: بسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت {فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} ، قال: بسم الله الرحمن الرحيم. وعن علي في قوله: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} قال: لا إله إلا الله. وعن عطاء الخرساني: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وعن علي الأزدي قال: كنت مع ابن عمر بين مكة ومنى، فسمع الناس يقولون: لا إله إلا الله، والله أكبر، فقال: هي هي، فقلت: ما هي؟ قال: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} الإخلاص {وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} قال قتادة: وكان المسلمون أحق بها وكانوا أهلها، أي: التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} .
قوله عز وجل: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (27) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (28)
مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ
يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (29) } .
عن مجاهد في قوله: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ} ، قال: أري بالحديبية أنه يدخل مكة وأصحابه محلقين؛ وقال أصحابه حين نحر بالحديبية: أين رؤيا محمد صلى الله عليه وسلم؟ وقال قتادة: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يطوف بالبيت وأصحابه وصدق الله رؤياه فقال: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ} . وقال ابن زيد في قوله: {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا} ، قال: رده لمكان من بين أظهرهم من المؤمنين والمؤمنات، وأخبره:{لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ} من يريد أن يهديه. وعن الزهري قوله: {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً} ، يعني: صلح الحديبية، وما فتح في الإسلام فتح كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنه وضعت الحرب وأمن الناس كلهم بعضهم بعضًا، التقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، فلقد دخل في تينك السنين في الإسلام مثل من كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر. وعن مجاهد في قوله:{مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً} ، قال: النحر بالحديبية، ورجعوا فافتتحوا خيبر ثم اعتمروا بعد ذلك، فكان تصديق رؤياه في السنة القابلة. وقال ابن جرير: والصواب أن يعم صلح الحديبية وفتح خيبر.
وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً} ، أي: على أنك نبي صالح صادق وسينصرك ويظهر دينك.
وقوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ} ، قال البغوي: تم الكلام ها هنا. قال ابن عباس: شهد له بالرسالة. وعن قتادة في قوله: {وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} ألقى الله في قلوبهم الرحمة بعضهم لبعض، {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} ، قال عكرمة: هو أثر التراب. وقال مجاهد: هو الخشوع والتواضع. وقال مقاتل: هو النور يوم القيامة. قال عطاء الخراساني: دخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس. وعن قتادة في قوله: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} قال: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} . وعن الضحاك في قول الله: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} الآية، قال: هذا مثلهم في التوراة ومثل آخر في الإنجيل {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} قال: ما يخرج بجنب الحقلة فيتم وينهى {فَآزَرَهُ} قال: فشده وأعانه. وقوله: {عَلَى سُوقِهِ} قال: أصوله. وقال ابن زيد في قوله: {فَآزَرَهُ} اجتمع ذلك فالتف؛ وكذلك المؤمنون خرجوا وهم قليل ضعفاء فلم يزل الله يزيد فيهم ويزيدهم بالإسلام، كما زيد هذا الزرع بأولاده،
…
{فَآزَرَهُ} فكان مثلاً للمؤمنين {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ} ، قال: يعجب الزراع حسنه {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} بالمؤمنين لكثرتهم. قال ابن جرير:
وإنما جمع الشطء لأنه أريد به من يدخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} .
* * *