الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدرس الحادي والثمانون بعد المائتين
[سورة الجمعة]
مدنية، وهي إحدى عشرة آية
روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة: سورة الجمعة والمنافقين) .
بسم الله الرحمن الرحيم
{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ
وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (8) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ
فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11) } .
* * *
عن قتادة: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ} ، قال: كان هذا الحيّ من العرب أمة أمية ليس فيها كتاب يقرؤونه، فبعث الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة وهدى يهديهم به، {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ} . قال ابن جرير: يقول: ويطهّرهم من دنس الكفر، {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} قال قتادة: السنّة. وقال ابن زيد: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} كما صنع بالأولين {وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} قال ابن كثير: وذلك أن العرب كانوا قديمًا متمسّكين بدين إبراهيم الخليل عليه السلام، فبدّلوه وغيّروه وقلبوه وخالفوه، واستبدلوا بالتوحيد شركًا وباليقين شكًّا، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله، وكذلك أهل الكتاب قد بدّلوا كتبهم وحرّفوها وغيّروها وأوّلوها، فبعث الله محمدًا صلوات الله وسلامه عليه بشرع عظيم كامل شامل لجميع الخلق، فيه هدايتهم والبيان لجميع ما يحتاجون إليه من معاشهم ومعادهم، والدعوة لهم إلى ما يقرّبهم إلى الجنة ورضا الله عنهم، والنهي عما يقرّبهم إلى النار
وسخط الله تعالى. حاكم فاصل لجميع الشبهات والشكوك والريب في الأصول والفروع.
وعن مجاهد في قوله: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} ، قال: الأعاجم. وعن أبي هريرة قال: كنا جلوس عند النبيّ صلى الله عليه وسلم فنزلت عليه سورة الجمعة، فلما قرأ:{وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} ، قال رجل من هؤلاء: يا رسول الله، قال: فلم يراجعه النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى سأله مرتين أو ثلاثاً، قال: وفينا سليمان الفارسيّ فوضع النبيّ صلى الله عليه وسلم يده على سلمان فقال: «لو كان الإِيمان عند الثريا، لناله رجال من هؤلاء» . رواه ابن جرير. وقال ابن زيد: «هؤلاء» كلّ من كان بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، كلّ من دخل في الإسلام من العرب والعجم. وعن مجاهد في قول الله:{وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} ، قال: من ردف الإِسلام من الناس كلُّهم. وعن سهل بن سعد الساعديّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال ونساء من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب» . ثم قرأ: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} يعني: بقية من بقي من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. رواه ابن أبي حاتم. قال في جامع البيان: وكلّ من أسلم صار منهم. قال: المسلمين كلّهم أمة واحدة.
قال ابن كثير: وقوله تعالى: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} أي: ذو العزة والحكمة في شرعه وقدره. وقوله تعالى: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ
مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} ، يعني: ما أعطاه محمدًا صلى الله عليه وسلم من النبوّة العظيمة، وما خصّ به أمته من بعثه صلى الله عليه وسلم.
قوله عز وجل: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ
النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (8) } .
عن قتادة: قوله: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} ، قال: يحمل كتابًا لا يدري ماذا عليه ولا ماذا فيه. قال الضحاك: ضرب الله هذا مثلاً للذين أُعطوا التوراة ثم كفروا. وقال ابن عباس: والأسفار: الكتب، فجعل الله مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يتّبع ما فيه كمثل الحمار يحمل كتاب الله الثقيل لا يدري ما فيه، ثم قال:{بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ} الآية. وفي الحديث الصحيح: «من تكلّم يوم الجمعة والإِمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا» .
قال ابن كثير: ثم قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي: إن كنتم تزعمون أنكم على هدى، وأن محمدًا وأصحابه على ضلالة
فادعوا بالموت على الضالّ من الفئتين {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي: فيما تزعمونه قال الله تعالى: {وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي: بما يعملون لهم من الكفر والظلم والفجور، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} .
وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} ، كقوله تعالى:{أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} ، قال قتادة: إن الله أذلّ ابن آدم بالموت. وفي معجم الطبراني عن الحسن عن سمرة مرفوعًا: «مثل الذي يفرّ من
الموت كمثل الثعلب تطلبه الأرض بدين فجاء يسعى، حتى إذا أعيا وانبهر دخل جحره فقالت له الأرض: يا ثعلب ديني، فخرج له حصاص، فلم يزل كذلك حتى تقطّعت عنقه فمات» .
عن قتادة: قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} ، والسعي يا ابن آدم أن تسعى بقلبك وعملك، وهو السير إليها. وعن سالم بن عبد الله قال: كان عمر رضي
الله عنه يقرأها: فامضوا إلى ذكر الله. وقال ابن زيد: إذا سمعتم الدعاء الأول فأجيبوا إلى ذلك وأسرعوا ولا تبطئوا، ولم يكن في زمان النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا أذانان: أذان حين يجلس على المنبر، وأذان حين تقام الصلاة. وعن سعيد بن المسيب:{إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} ، قال: فهي موعظة الإِمام. وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرّب بيضة، فإذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» . وعن أبي أيوب الأنصاريّ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
قال ابن كثير: اتفق العلماء رضي الله عنهم على تحريم البيع بعد النداء الثاني، وقال: فأما النداء الأول الذي زاد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه فإنما كان هذا لكثرة الناس، كما رواه البخاريّ عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوّله إذا جلس الإِمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي وبكر، وعمر، فلما كان عثمان
بعد زمن وكثر الناس، زاد النداء الثاني على الزوراء، يعني: يؤذّن على الدار التي تسمى الزوراء، وكانت أرفع دار بالمدينة بقرب المسجد.
وعن الضحاك في قوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} ، قال: هذا إذن من الله، فمن شاء خرج ومن شاء جلس. وقال ابن زيد: أذن الله لهم إذا فرغوا من الصلاة فقال: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} . وكان عراك بن مالك إذا صلّى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: (اللهمّ إني أجبت دعوتك، وصلّيت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين) . وعن أبي مالك قال: (قدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام، والنبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع، خشوا أن يُسْبَقُوا إليه، قال: فنزلت: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا
وَتَرَكُوكَ قَائِماً} ) . وعن جابر بن عبد الله قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجمعة، فمرّت عير تحمل الطعام، فخرج الناس إلا اثني عشر رجلاً، فنزلت آية الجمعة) . قال قتادة: لو اتّبع آخرهم أوّلهم لألتهب عليهم الوادي نارًا. وعن مجاهد قال: اللهو: الطبل. وروى أبو داود في المراسيل عن مقاتل بن حيان قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي يوم الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى إذا كان يوم والنبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب وقد صلّوا الجمعة، فدخل رجل فقال: إن دحية بن خليفة قد قدم بتجارة، يعني: فانفضّوا ولم يبق معه إلا نفر يسير) .
قال ابن كثير: وقوله تعالى: {قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ} أي: الذي عند الله من الثواب في الدار الآخرة، {خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} ، أي: لمن توكّل عليه وطلب الرزق في وقته.
* * *