الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدرس الثمانون بعد المائتين
[سورة الصف]
مدنية، وآياتها أربع عشر آية
عن عبد الله بن سلام قال: (تذاكرنا أيّكم يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسأله أي الأعمال أحب إلى الله؟ فلم يقم أحد منا، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا رجلاً رجلاً فجمعنا فقرأ علينا هذه السورة) . رواه أحمد.
بسم الله الرحمن الرحيم
{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ (4) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (6) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7)
يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ
عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14) } .
* * *
عن ابن عباس في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله دلّنا على أحبّ الأعمال إليه فنعمله، فأخبر الله نبيّه: أن أحبّ الأعمال إليه إيمان بالله لا شكّ فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقرّوا به، فلما نزل الجهاد كره ذلك أناس من المؤمنين وشقّ عليهم أمره فقال الله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ} . وعن مجاهد في قول الله: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} إلى قوله: {مَّرْصُوصٌ} فيما بين ذلك، في نفر من الأنصار فيهم عبد الله بن رواحة، قالوا: في مجلس: لو نعلم، أي الأعمال أحبّ إلى الله لعملنا بها حتى نموت، فأنزل الله هذا فيهم، فقال عبد الله بن رواحة: لا أزال حبيسًا في سبيل الله حتى أموت، فقتل شهيدًا. وعن قتادة: قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} ، يؤدّبهم ويعلّمهم كما تسمعون، {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ} ، وكانت رجال تخبر في القتال بشيء لم يفعلوه ولم يبلغوه، فوعظهم الله في ذلك موعظة بليغة.
قال ابن كثير: وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} إنكار على من يعد وعدًا أو يقول قولاً لا يفي به، ولهذا
استدلّ بهذه الآية الكريمة، من
ذهب من علماء السلف إلى أنه يحب الوفاء بالوعد مطلقًا، سواء ترتّب عليه عزم للموعود أم لا، واحتجّوا أيضًا من السنَّة بما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«آية المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف، وإذا حدّث كذب، وإذا اؤتمن خان» .
وقوله تعالى: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} ، قال البغوي: أي: عظم ذلك في المقت والبغض عند الله، أي: إن الله يبغض بغضًا شديدًا أن تقولوا ما لا تفعلون، بأن تعدوا من أنفسكم شيئًا ثم لم تفوا به؛ {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً} أي: يصفّون أنفسهم عند القتال صفًا ولا يزولون عن أماكنهم، {كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} . وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل يقوم من الليل، والقوم إذا صفّوا في الصلاة، والقوم إذا صفّوا للقتال» . رواه أحمد، وابن ماجة. وقال قتادة:{كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} ألم تر إلى صاحب البنيان كيف لا يحبّ أن يختلف بنيانه، كذلك الله تبارك وتعالى لا يحبّ أن يختلف أمره، وإن الله وصف المؤمنين في قتالهم وصفّهم في صلاتهم، فعليكم بأمر الله فإنه عصمة لمن أخذ به.
قوله عز وجل: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي
مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (6) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ (7) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) } .
قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله موسى بن عمران عليه السلام أنه قال لقومه: {لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} ، أي: لم توصلون الأذى إليّ وأنتم تعلمون صدقي فيما جئتكم به من الرسالة؟ وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أصابه من الكفار من قومه وغيرهم، وأمر له بالصبر ولهذا قال:«رحمة الله على موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» . وفيه نهي للمؤمنين أن ينالوا من النبي صلى الله عليه وسلم أو يوصلوا إليه أذى، كما قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} .
وقوله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} ، أي: فلما عدلوا عن إتباع الحق مع علمهم به، أزاغ الله قلوبهم عن الهدى وأسكنها الشكّ والحيرة والخذلان، كما قال تعالى:{وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} ، وقال تعالى:{وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً} ، ولهذا قال تعالى في هذه الآية:{وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} .
وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} يعني: التوراة قد بشّرت بي وأنا مصداق ما أخبرت عنه، وأنا مبشّر بمن بعدي وهو
الرسول النبيّ الأميّ العربيّ المكيّ أحمد، فعيسى عليه السلام هو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وقد أقام في ملأ بني إسرائيل مبشّرًا بمحمد، وهو: أحمد خاتم الأنبياء والمرسلين الذي لا رسالة بعده ولا نبّوة. وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن لي أسماء أنا: محمد، وأنا: أحمد، وأنا: الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا: الحاشر الذي يحشر الناس على قدميّ، وأنا: العاقب» ؛ وقد قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} الآية. وقال محمد بن إسحاق حدّثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك قال: «دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ابن مريم، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام» .
{فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ} ، قال ابن كثير: يقول تعالى: أي لا أحد أظلم ممن يفتري الكذب على الله ويجعل له أندادًا وشركاء، وهو يدعى إلى التوحيد والإِخلاص، ولهذا قال تعالى:
…
{وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} . ثم قال تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا
نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} أي: يحاولون أن يردّوا الحقّ بالباطل، ومثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس بفيه، وكما أن هذا مستحيل كذلك ذلك مستحيل، ولهذا قال تعالى:{وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} .
قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره الله: {الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ} محمدًا {بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ} يعني: ببيان الحقّ {وَدِينِ الْحَقِّ} ، يعني: وبدين الله، وهو الإسلام. وقوله:{لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} يقول: ليظهر دينه الحقّ الذي أرسل به رسوله على كلّ دين سواه، وذلك عند نزول عيسى ابن مريم، وحين تصير الملّة واحدة، فلا يكون دين غير الإسلام. كما حدثنا ابن حميد قال: حدّثنا مهران عن سفيان عن أبي المقدام ثابت بن هرمز عن أبي هريرة: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} قال: خروج عيسى ابن مريم.
قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ
قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14) } .
عن قتادة: قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} ، فلولا أن الله بينّها ودلّ عليها المؤمنين لتلهّف عليها رجال أن يكونوا يعلمونها، وقد دلّكم الله عليها وأعلمكم إياها فقال:{تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ، قال ابن كثير: أي: من تجارة الدنيا والكدّ لها والتصدّي لها وحدها. ثم قال تعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} ، أي: إن فعلتم ما أمرتكم به ودللتكم عليه غفرت لكم
الزلات، وأدخلتكم الجنّات، والمساكن الطيّبات، والدرجات العاليات، ولهذا قال تعالى:{وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} . ثم قال تعالى: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا} ، أي: وأزيدكم على ذلك زيادة تحبّونها وهي: {نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} ، أي: إذا قاتلتم في سبيله ونصرتم دينه، تكفّل الله بنصركم. قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} ، {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} .
وقوله تعالى: {وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} ، أي: عاجل، فهذه الزيادة هي: خير الدنيا موصول بنعيم الآخرة لمن أطاع الله ورسوله ونصر الحقّ ودينه، ولهذا قال تعالى:{وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} . وعن قتادة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي
إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} ، قال: قد كانت لله أنصار من هذه الأمة تجاهد على كتابه وحقّه، وذُكر لنا أنه بايعه ليلة العقبة اثنان وسبعون رجلاً من الأنصار، ذُكر لنا أن بعضهم قال: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ إنكم تبايعون على محاربة العرب كلّها أو يسلموا. ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبيّ الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت، قال:«أشترط لربي أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما منعتم منه أنفسكم وأبناءكم» . قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا يا نبيّ الله؟ قال: «لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة» ففعلوا، ففعل الله. وقال: إن الحواريين كلهم من قريش: أبو بكر، وعمر، وعليّ، وحمزة، وجعفر، وأبو عبيدة، وعثمان بن مظعون، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوّام. وعن مجاهد في قوله:{مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ} ، قال: من يتبعني إلى الله؟ {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} ، عن مجاهد: {فَأَيَّدْنَا
الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ} قال: قوّينا {فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} من آمن مع عيسى صلى الله عليه وسلم. قال النخعيّ: أصبحت حجّة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم كلمة الله وروحه.
وعن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلي أصحابه - وهم في بيت اثنا عشر رجلاً - من عين في البيت ورأسه يقطر
ماء فقال: إن منكم من سيكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيّكم يُلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شابّ من أحدثهم سنًا فقال: أنا، فقال له: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشابّ، فقال أنا، قال: نعم أنت ذاك، فألقي عليه شبه عيسى، ورُفع عيسى من رَوْزَنَة في البيت إلى السماء، وجاء الطلب من اليهود وأخذوا شبهه فقتلوه وصلبوه، وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، فتفرّقوا ثلاث فرق، فقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء اليعقوبية. وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النسطورية. وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء المسلمون؛ فتظاهرت الطائفتان الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإِسلام طامسًا حتى بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم، {فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ} يعني: الطائفة التي كفرت من بني إسرائيل في زمن عيسى والطائفة التي آمنت في زمن عيسى {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} في إظهار محمد دينهم على دين الكفار {فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} .
* * *