المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الدرس السادس والتسعون بعد المائتين ‌ ‌[سورة الْمُرْسَلَاتِ] مكية، وهي خمسون آية … عن - توفيق الرحمن في دروس القرآن - جـ ٤

[فيصل آل مبارك]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس الخمسون بعد المائتين

- ‌[سورة الشورى]

- ‌الدرس الحادي والخمسون بعد المائتين

- ‌الدرس الثاني والخمسون بعد المائتين

- ‌[سورة الزخرف]

- ‌الدرس الثالث والخمسون بعد المائتين

- ‌الدرس الرابع والخمسون بعد المائتين

- ‌الدرس الخامس والخمسون بعد المائتين

- ‌[سورة الدخان]

- ‌الدرس السادس والخمسون بعد المائتين

- ‌الدرس السابع والخمسون بعد المائتين

- ‌[سورة الجاثية]

- ‌الدرس الثامن والخمسون بعد المائتين

- ‌الدرس التاسع والخمسون بعد المائتين

- ‌[سورة الأحقاف]

- ‌الدرس الستون بعد المائتين

- ‌الدرس الحادي والستون بعد المائتين

- ‌[سورة محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌الدرس الثاني والستون بعد المائتين

- ‌الدرس الثالث والستون بعد المائتين

- ‌[سورة الفتح]

- ‌الدرس الرابع والستون بعد المائتين

- ‌الدرس الخامس والستون بعد المائتين

- ‌[سورة الحجرات]

- ‌الدرس السادس والستون بعد المائتين

- ‌الدرس السابع والستون بعد المائتين

- ‌[سورة ق]

- ‌الدرس الثامن والستون بعد المائتين

- ‌[سورة الذاريات]

- ‌الدرس التاسع والستون بعد المائتين

- ‌[سورة الطور]

- ‌الدرس السبعون بعد المائتين

- ‌[سورة النجم]

- ‌الدرس الحادي والسبعون بعد المائتين

- ‌[سورة القمر]

- ‌الدرس الثاني والسبعون بعد المائتين

- ‌[سورة الرحمن]

- ‌الدرس الثالث والسبعون بعد المائتين

- ‌[سورة الواقعة]

- ‌الدرس الرابع والسبعون بعد المائتين

- ‌الدرس الخامس والسبعون بعد المائتين

- ‌[سورة الحديد]

- ‌الدرس السادس والسبعون بعد المائتين

- ‌الدرس السابع والسبعون بعد المائتين

- ‌[سورة المجادلة]

- ‌الدرس الثامن والسبعون بعد المائتين

- ‌[سورة الحشر]

- ‌الدرس التاسع والسبعون بعد المائتين

- ‌[سورة الممتحنة]

- ‌الدرس الثمانون بعد المائتين

- ‌[سورة الصف]

- ‌الدرس الحادي والثمانون بعد المائتين

- ‌[سورة الجمعة]

- ‌الدرس الثاني والثمانون بعد المائتين

- ‌[سورة المنافقون]

- ‌الدرس الثالث والثمانون بعد المائتين

- ‌[سورة التغابن]

- ‌الدرس الرابع والثمانون بعد المائتين

- ‌[سورة الطلاق]

- ‌الدرس الخامس والثمانون بعد المائتين

- ‌[سورة التحريم]

- ‌الدرس السادس والثمانون بعد المائتين

- ‌[سورة الملك]

- ‌الدرس السابع والثمانون بعد المائتين

- ‌[سورة نون]

- ‌الدرس الثامن والثمانون بعد المائتين

- ‌[سورة الحاقة]

- ‌الدرس التاسع والثمانون بعد المائتين

- ‌[سورة المعارج]

- ‌الدرس التسعون بعد المائتين

- ‌[سورة نوح]

- ‌الدرس الحادي والتسعون بعد المائتين

- ‌[سورة الجن]

- ‌الدرس الثاني والتسعون بعد المائتين

- ‌[سورة المزمل]

- ‌الدرس الثالث والتسعون بعد المائتين

- ‌[سورة المدثر]

- ‌الدرس الرابع والتسعون بعد المائتين

- ‌[سورة القيامة]

- ‌الدرس الخامس والتسعون بعد المائتين

- ‌[سورة الإنسان]

- ‌الدرس السادس والتسعون بعد المائتين

- ‌[سورة الْمُرْسَلَاتِ]

- ‌الدرس السابع والتسعون بعد المائتين

- ‌[سورة النبأ]

- ‌الدرس الثامن والتسعون بعد المائتين

- ‌[سورة النازعات]

- ‌الدرس التاسع والتسعين بعد المائتين

- ‌[سورة عبس]

- ‌الدرس الثلاثمائة

- ‌[سورة التكوير]

- ‌[سورة الانفطار]

- ‌الدرس الواحد بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة المطففين]

- ‌[سورة الانشقاق]

- ‌الدرس الثاني بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة البروج]

- ‌[سورة الطارق]

- ‌الدرس الثالث بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة الأعلى]

- ‌[سورة الغاشية]

- ‌الدرس الرابع بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة الفجر]

- ‌[سورة البلد]

- ‌الدرس الخامس بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة الشمس]

- ‌[سورة الليل]

- ‌الدرس السادس بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة الضحى]

- ‌[سورة الشرح]

- ‌[سورة التين]

- ‌الدرس السابع بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة العلق]

- ‌[سورة القدر]

- ‌الدرس الثامن بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة البينة]

- ‌[سورة الزلزلة]

- ‌الدرس التاسع بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة العاديات]

- ‌[سورة القارعة]

- ‌[سورة التكاثر]

- ‌[سورة العصر]

- ‌[سورة الهمزة]

- ‌الدرس العاشر بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة الفيل]

- ‌[سورة قريش]

- ‌الدرس الحادي عشر بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة الماعون]

- ‌[سورة الكوثر]

- ‌[سورة الكافرون]

- ‌[سورة النصر]

- ‌[سورة المسد]

- ‌الدرس الثاني عشر بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة الإخلاص]

- ‌الدرس الثالث عشر بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة الفلق]

- ‌[سورة الناس]

الفصل: ‌ ‌الدرس السادس والتسعون بعد المائتين ‌ ‌[سورة الْمُرْسَلَاتِ] مكية، وهي خمسون آية … عن

‌الدرس السادس والتسعون بعد المائتين

[سورة الْمُرْسَلَاتِ]

مكية، وهي خمسون آية

عن أم الفضل: (أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب: بالمرسلات عرفًا) . متفق عليه.

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفاً (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً (5) عُذْراً أَوْ نُذْراً (6) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8) وَإِذَا السَّمَاء فُرِجَتْ (9) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (15) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (19) أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (24) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً (25) أَحْيَاء وَأَمْوَاتاً (26) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتاً (27) وَيْلٌ يوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (28) انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (29) انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ

ص: 411

شُعَبٍ (30) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (34)

هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (37) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (38) فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (40) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ (44) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (45) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ (46) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (47) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50) } .

* * *

ص: 412

قوله عز وجل: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفاً (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً (5) عُذْراً أَوْ نُذْراً (6) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8) وَإِذَا السَّمَاء فُرِجَتْ (9) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (15) } .

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار بمنى، إذ نزلت عليه:{وَالْمُرْسَلَاتِ} فإنه ليتلوها وإني لأتلقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها إذ وثبت علينا حية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«اقتلوها» فابتدرناها فذهبت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«وقيت شركم كما وقيتم شرها» . متفق عليه.

وعن ابن عباس: قوله: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفاً} ، يعني: الريح. وعن صالح بن بريدة في قوله: {عُرْفاً} ، قال: يتبع بعضها بعضًا. وقال البغوي: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفاً} ، يعني: الرياح أرسلت متتابعة كعرف الفرس. وعن قتادة: {فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً} ، قال: الرياح. وعن مجاهد: {وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً} ، قال: الريح. وقال الحسن: هي الرياح التي يرسلها الله بشرًا بين يدي رحمته.

وعن ابن عباس: {فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً} ، قال: الملائكة. قال البغوي: تأتي بما يفرق بين الحق والباطل، {فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً} ، قال قتادة: هي الملائكة تلقي الذكر على الرسل وتبلغه، {عُذْراً أَوْ نُذْراً}

، قال:{عُذْراً} من الله، {أَوْ نُذْراً} منه إلى

ص: 413

خلقه. وقال في جامع البيان: أي: لإعذار المحقين، وإنذار المبطلين، {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ} ، قال ابن كثير: هذا هو المقسم عليه بهذه الأقسام، أي: ما وعدتم به من قيام الساعة، والنفخ في الصور، وبعث الأجساد، وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ومجازاة كل عامل بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، إن هذا كله {لَوَاقِعٌ} ، أي: لكائن لا محالة.

قال البغوي: ثم ذكر متى يقع فقال: {فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ} محي نورها، {وَإِذَا السَّمَاء فُرِجَتْ} شقت {وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ} قلعت من أماكنها {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} جمعت لميقات يوم معلوم. وقال في جامع البيان:{وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} جمعت وعين لها وقت ينحصرون فيه للشهادة على أممهم، {لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ} ، قال البغوي: أخرت، وضرب الأجل لجمعهم؛ تعجب العباد من ذلك اليوم؛ ثم بين فقال:{لِيَوْمِ الْفَصْلِ} ، قال ابن عباس: يوم فصل الرحمن بين الخلائق. وقال ابن كثير: يقول تعالى: {لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ} الرسل وأرجئ أمرها حتى تقوم الساعة، كما قال تعالى:{فَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ * يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} وهو يوم الفصل، كما قال تعالى:{ليَوْمُ الْفَصْلِ} انظر في الآية. ثم قال تعالى معظمًا لشأنه: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} أي: ويل لهم من عذاب الله غدًا.

قوله عز وجل: {أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (19) أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي

ص: 414

قَرَارٍ مَّكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (24) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً (25) أَحْيَاء وَأَمْوَاتاً (26) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتاً (27) وَيْلٌ يوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (28) } .

قال ابن كثير: يقول تعالى: {أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ} ، يعني: من المكذبين للرسل المخالفين لما جاؤوهم به، {ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ} ، أي: ممن أشبههم، ولهذا قال تعالى:{كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} .

قال ابن جرير: ثم قال تعالى ممتنًا على خلقه ومحتجًا على الإعادة بالبداءة، {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ} قال البغوي: يعني: النطفة. {فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} يعني: الرحم، {إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ} وهو وقت الولادة {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} أي: المقدرون {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً} قال ابن عباس: كنا أحياء وأمواتًا. وقال الشعبي: بطنها لأمواتكم وظهرها لأحيائكم {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ} ، يعني: الجبال، {وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتاً} عذبًا {وَيْلٌ يوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} ، قال مقاتل: وهذا كله أعجب من البعث الذي تكذبون به.

قوله عز وجل: {انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (29) انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (34) هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (37) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (38) فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (40) } .

ص: 415

قال البغوي: ثم أخبر أنه يقال لهم يوم القيامة: {انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ} في الدنيا {انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ} ، يعني: دخان جهنم إذا ارتفع انشعب وافترق ثلاث فرق، {لَا ظَلِيلٍ} يظلّ من الحرّ {وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ} . قال الكلبي: لا يردّ جهنّم عنكم، والمعنى: أنهم إذا استظلوا بذلك الظّل لم يدفع عنهم حرّ اللهب، {إِنَّهَا} يعني: جهنّم {تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} . قال ابن عباس يقول: كالقصر العظيم، {كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} ، قال البغوي: جمع الأصفر، يعني: لون النار، وقيل: الصفر معناها: السود لأنه جاء في الحديث: «أن شرر نار جهنم أسود كالقير» ، والعرب تسمي سود الإبل صفرًا لأنه يشرب سوادها شيء من صفرة.

{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ} أي: في القيامة لأن فيها مواقف، ففي بعضها يختصمون ويتكلمون وفي بعضها يختم على أفواههم فلا ينطقون {وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} ، قال ابن كثير:

وعرصات القيامة حالات، والرب تعالى يخبر عن هذه الحالة تارة وعن هذه الحالة تارة ليدل على شدة الأهوال والزلازل يومئذٍ ولهذا يقول بعد كل فصل من هذا الكلام:{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} .

وقوله تعالى: {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ * فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ} وهذه مخاطبة من الخالق تعالى لعباده، يقول لهم:{هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ} ، يعني: أنه جمعهم بقدرته في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر.

وقوله تعالى: {فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ} تهديد وشديد ووعيد أكيد: أي: إن قدرتم على أن تخلصوا من قبضتي وتنجوا من حكمي فافعلوا، فإنكم لا تقدرون

ص: 416

على ذلك، كما قال تعالى:{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . وقال عبد الله بن عمرو: إنا نحدث يومئذٍ: (أنها تخرج عنق من النار فتنطلق، حتى إذا كانت بين ظهراني الناس نادت: أيها الناس إني بعثت إلى ثلاثة، أنا أعرف منهم من الأب بولده: الذي جعل مع الله إلهًا آخر، وكل جبار عنيد، وكل شيطان مريد؛ فتطوى عليهم فتقذف بهم في النار) .

قوله عز وجل: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ (44) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (45) } .

قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرًا عن عباده المتقين الذين عبدوه بأداء الواجبات وترك المحرمات، أنهم يوم القيامة يكونون في جنات وعيون، أي: بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من ظلل اليحموم، وهو الدخان الأسود المنتن، وقوله:{وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ} أي: من سائر أنواع الثمار مهما طلبوا وجدوا، {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} ، أي: يقال لهم ذلك على سبيل الإحسان إليهم. ثم قال تعالى مخبرًا خبرًا مستأنفًا {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ} ، أي: هذا جزاؤنا لمن أحسن العمل {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} .

قوله عز وجل: {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ (46) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (47) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50) } .

ص: 417

قال ابن كثير: وقوله تعالى: {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ} خطاب للمكذبين بيوم الدين؛ وأمرهم أمر تهديد ووعيد، فقال تعالى:{كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً} أي: مدة قليلة قريبة قصيرة {إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ} أي: ثم تساقون إلى نار جهنم التي تقدم ذكرها. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} ، كما قال تعالى: نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} .

وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} أي: إذا أمر هؤلاء الجهلة من الكفار أن يكونوا من المصلين مع الجماعة امتنعوا من ذلك واستكبروا عنه، ولهذا قال تعالى:{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} . ثم قال تعالى: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} أي: إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن فبأي كلام يؤمنون به؟ كقوله تعالى: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} ؟ انتهى. آمنا بالله وآياته.

وعن أبي هريرة مرفوعًا: «من قرأ منكم والتين والزيتون فانتهى إلى آخرها: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} فليقل: بلى، وإنا على ذلك من الشاهدين. ومن قرأ:{لا أقسم بيوم القيامة} فانتهى إلى:

{أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى} فليقل: بلى. ومن قرأ: {وَالْمُرْسَلَاتِ} فبلغ: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} فليقل: آمنا بالله» . رواه البغوي وغيره. والله أعلم.

* * *

ص: 418