المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الدرس الثالث والتسعون بعد المائتين ‌ ‌[سورة المدثر] مكية، وهي ست وخمسون آية   بسم - توفيق الرحمن في دروس القرآن - جـ ٤

[فيصل آل مبارك]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس الخمسون بعد المائتين

- ‌[سورة الشورى]

- ‌الدرس الحادي والخمسون بعد المائتين

- ‌الدرس الثاني والخمسون بعد المائتين

- ‌[سورة الزخرف]

- ‌الدرس الثالث والخمسون بعد المائتين

- ‌الدرس الرابع والخمسون بعد المائتين

- ‌الدرس الخامس والخمسون بعد المائتين

- ‌[سورة الدخان]

- ‌الدرس السادس والخمسون بعد المائتين

- ‌الدرس السابع والخمسون بعد المائتين

- ‌[سورة الجاثية]

- ‌الدرس الثامن والخمسون بعد المائتين

- ‌الدرس التاسع والخمسون بعد المائتين

- ‌[سورة الأحقاف]

- ‌الدرس الستون بعد المائتين

- ‌الدرس الحادي والستون بعد المائتين

- ‌[سورة محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌الدرس الثاني والستون بعد المائتين

- ‌الدرس الثالث والستون بعد المائتين

- ‌[سورة الفتح]

- ‌الدرس الرابع والستون بعد المائتين

- ‌الدرس الخامس والستون بعد المائتين

- ‌[سورة الحجرات]

- ‌الدرس السادس والستون بعد المائتين

- ‌الدرس السابع والستون بعد المائتين

- ‌[سورة ق]

- ‌الدرس الثامن والستون بعد المائتين

- ‌[سورة الذاريات]

- ‌الدرس التاسع والستون بعد المائتين

- ‌[سورة الطور]

- ‌الدرس السبعون بعد المائتين

- ‌[سورة النجم]

- ‌الدرس الحادي والسبعون بعد المائتين

- ‌[سورة القمر]

- ‌الدرس الثاني والسبعون بعد المائتين

- ‌[سورة الرحمن]

- ‌الدرس الثالث والسبعون بعد المائتين

- ‌[سورة الواقعة]

- ‌الدرس الرابع والسبعون بعد المائتين

- ‌الدرس الخامس والسبعون بعد المائتين

- ‌[سورة الحديد]

- ‌الدرس السادس والسبعون بعد المائتين

- ‌الدرس السابع والسبعون بعد المائتين

- ‌[سورة المجادلة]

- ‌الدرس الثامن والسبعون بعد المائتين

- ‌[سورة الحشر]

- ‌الدرس التاسع والسبعون بعد المائتين

- ‌[سورة الممتحنة]

- ‌الدرس الثمانون بعد المائتين

- ‌[سورة الصف]

- ‌الدرس الحادي والثمانون بعد المائتين

- ‌[سورة الجمعة]

- ‌الدرس الثاني والثمانون بعد المائتين

- ‌[سورة المنافقون]

- ‌الدرس الثالث والثمانون بعد المائتين

- ‌[سورة التغابن]

- ‌الدرس الرابع والثمانون بعد المائتين

- ‌[سورة الطلاق]

- ‌الدرس الخامس والثمانون بعد المائتين

- ‌[سورة التحريم]

- ‌الدرس السادس والثمانون بعد المائتين

- ‌[سورة الملك]

- ‌الدرس السابع والثمانون بعد المائتين

- ‌[سورة نون]

- ‌الدرس الثامن والثمانون بعد المائتين

- ‌[سورة الحاقة]

- ‌الدرس التاسع والثمانون بعد المائتين

- ‌[سورة المعارج]

- ‌الدرس التسعون بعد المائتين

- ‌[سورة نوح]

- ‌الدرس الحادي والتسعون بعد المائتين

- ‌[سورة الجن]

- ‌الدرس الثاني والتسعون بعد المائتين

- ‌[سورة المزمل]

- ‌الدرس الثالث والتسعون بعد المائتين

- ‌[سورة المدثر]

- ‌الدرس الرابع والتسعون بعد المائتين

- ‌[سورة القيامة]

- ‌الدرس الخامس والتسعون بعد المائتين

- ‌[سورة الإنسان]

- ‌الدرس السادس والتسعون بعد المائتين

- ‌[سورة الْمُرْسَلَاتِ]

- ‌الدرس السابع والتسعون بعد المائتين

- ‌[سورة النبأ]

- ‌الدرس الثامن والتسعون بعد المائتين

- ‌[سورة النازعات]

- ‌الدرس التاسع والتسعين بعد المائتين

- ‌[سورة عبس]

- ‌الدرس الثلاثمائة

- ‌[سورة التكوير]

- ‌[سورة الانفطار]

- ‌الدرس الواحد بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة المطففين]

- ‌[سورة الانشقاق]

- ‌الدرس الثاني بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة البروج]

- ‌[سورة الطارق]

- ‌الدرس الثالث بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة الأعلى]

- ‌[سورة الغاشية]

- ‌الدرس الرابع بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة الفجر]

- ‌[سورة البلد]

- ‌الدرس الخامس بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة الشمس]

- ‌[سورة الليل]

- ‌الدرس السادس بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة الضحى]

- ‌[سورة الشرح]

- ‌[سورة التين]

- ‌الدرس السابع بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة العلق]

- ‌[سورة القدر]

- ‌الدرس الثامن بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة البينة]

- ‌[سورة الزلزلة]

- ‌الدرس التاسع بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة العاديات]

- ‌[سورة القارعة]

- ‌[سورة التكاثر]

- ‌[سورة العصر]

- ‌[سورة الهمزة]

- ‌الدرس العاشر بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة الفيل]

- ‌[سورة قريش]

- ‌الدرس الحادي عشر بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة الماعون]

- ‌[سورة الكوثر]

- ‌[سورة الكافرون]

- ‌[سورة النصر]

- ‌[سورة المسد]

- ‌الدرس الثاني عشر بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة الإخلاص]

- ‌الدرس الثالث عشر بعد الثلاثمائة

- ‌[سورة الفلق]

- ‌[سورة الناس]

الفصل: ‌ ‌الدرس الثالث والتسعون بعد المائتين ‌ ‌[سورة المدثر] مكية، وهي ست وخمسون آية   بسم

‌الدرس الثالث والتسعون بعد المائتين

[سورة المدثر]

مكية، وهي ست وخمسون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً (12) وَبَنِينَ شُهُوداً (13) وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً

ص: 387

كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا

هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (31) كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيراً لِّلْبَشَرِ (36) لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37) كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ (51) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً (52) كَلَّا بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَن شَاء ذَكَرَهُ (55) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56) } .

* * *

ص: 388

قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10) } .

عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدّث عن فترة الوحي: «بينا أنا أمشى، سمعت صوتًا من السماء فرفعت رأسي، فإذا أنا بالملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسيّ بين السماء والأرض، فجئشت منه فَرَقًا، وجئت فقلت: زملوني زملوني. فدثروني فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} إلى قوله: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} - قال: - ثم تتابع الوحي» .

وعن قتادة: {قُمْ فَأَنذِرْ} ، أي: أنذر عذاب الله ووقائعه في الأمم وشدّة نقمته. {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} ، قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: وربك يا محمد فعظّم بعبادته والرغبة إليه في حاجاتك دون غيره من الآلهة والأنداد. {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} ، قال قتادة: يقول: طهّرها من المعاصي. وعن ابن عباس: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} ، قال: من الإِثم ثم قال: نقيّ الثياب في كلام العرب. وعن مجاهد في قوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} ، قال: عملك فأصلح. وقال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهّرون، فأمره أن يتطهّر ويطهّر ثيابه. وعن مجاهد: قوله: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} ، قال: الأوثان. {وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} ، قال ابن عباس: لا تعط عطيّة تلتمس بها أفضل منها. قال الضحاك: هما ربوان: حلال

وحرام. فأما الحلال: فالهدايا، وأما الحرام: فالربا. وقال: هي

ص: 389

للنبيّ صلى الله عليه وسلم خاصّة. {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} ، قال ابن زيد: حُمِّلَ أمرًا عظيمًا محاربة العرب ثم العجم من بعد العرب في الله.

وعن مجاهد: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} ، قال: إذا نفخ في الصور: {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ} ، قال ابن عباس: يقول: شديد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته يستمع متى يؤمر ينفخ فيه» ؟ فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف نقول؟ فقال: «تقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكّلنا» . وعن قتادة: قال الله تعالى ذكره: {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ} فبيّن الله على من يقع على الكافرين غير يسير.

قوله عز وجل: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً (12) وَبَنِينَ شُهُوداً (13) وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) } .

عن مجاهد: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} ، قال: نزلت في الوليد ابن المغيرة. قال قتادة: أخرجه الله من بطن أمه وحيدًا لا مال له ولا ولد

فرزقه المال والولد والثروة والنساء، {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً} ، قال مجاهد: كان بنوه عشرة لا يغيبون، {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً} ، من المال والولد. قال سفيان: بسط له. {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا} .

ص: 390

قال البغوي: {ثُمَّ يَطْمَعُ} يرجو {أَنْ أَزِيدَ} ، أي: أزيده مالاً وولدًا وتمهيدًا، {كَلَّا} لا أفعل ولا أزيده؛ وقالوا: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك. وعن ابن عباس قوله: {إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً} ، قال: جَحودًا. {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} ، قال مجاهد: مشقّة من العذاب. وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصَعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفًا، ثم يهوي كذلك منه أبدًا» . رواه ابن جرير.

{إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ} ، قال البغوي: (وذلك أن الله تعالى لما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم: {حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} إلى قوله: {الْمَصِيرُ} قام النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته، فلما فطن النبي صلى الله عليه وسلم لاستماعه لقراءته أعاد قراءة الآية، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن: إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى. ثم انصرف إلى منزله فقالت قريش: صبأ والله الوليد، والله لتصبأنّ قريش كلهم - وكان يقال للوليد: ريحانة قريش - فقال لهم أبو جهل: أنا

أكفيكموه؛ فانطلق فقعد إلى جنب الوليد حزينًا، فقال له الوليد: ما لي أراك حزينًا يابن أخي؟ قال: وما يمنعني أن لا أحزن، وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك على كبر سنك، ويزعمون أنك زينت كلام محمد وأنك تدخل على

ص: 391

ابن أبي كبشة وابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهم؟ فغضب الوليد فقال: ألم تعلم قريش أني من أكثرهم مالاً وولدًا؟ وهل يشبع محمد وأصحابه من الطعام، فيكون لهم فضل؟

ثم قام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه فقال لهم: تزعمون أن محمداً مجنون، فهل رأيتموه يخنق قط؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه قط تكهن؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه ينطق بشعر قط؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه شيئًا من الكذب؟ قالوا: لا - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى الأمين قبل النبوة من صدقه - قالت قريش للوليد: فما هو؟ فتفكر في نفسه ثم نظر ثم عبس فقال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟ فهو ساحر، وما يقوله سحر يؤثر. فذلك قوله عز وجل:{إِنَّهُ فَكَّرَ} في محمد والقرآن {وَقَدَّرَ} في نفسه ماذا يمكنه أن يقول في محمد والقرآن: {فَقُتِلَ} لعن. وقال الزهري: عذب، {كَيْفَ قَدَّرَ} على طريق التعجب والإنكار والتوبيخ، {ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} كرره للتأكيد، {ثُمَّ نَظَرَ} في طلب ما يدفع من القرآن ويرده، {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ} كلح وقطب وجهه فنظر بكراهية شديدة كالمتهم المتفكر في شيء.

{ثُمَّ أَدْبَرَ} عن الإيمان {وَاسْتَكْبَرَ} تكبر حين دعي إليه {فَقَالَ إِنْ هَذَا} ما هذا الذي يقرأه محمد {إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} يروى ويحكى عن السحرة، {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} ، يعني: يسارًا وجبرًا، فهو يأثره عنهما. قال الله تعالى:{سَأُصْلِيهِ} سأدخله {سَقَرَ} وسقر: اسم من أسماء جهنم، {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ} ، قال السدي:{لَا تُبْقِي} لهم لحمًا: {وَلَا تَذَرُ} لهم عظمًا. وقال مجاهد:

ص: 392

كلما احترقوا جددوا، {لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} ، قال ابن عباس: تحرق بشرة الإنسان. وقال ابن زيد: النار تغير ألوانهم، {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} ، قال ابن زيد: خزنتها تسعة عشر.

قوله عز وجل: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (31) كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيراً لِّلْبَشَرِ (36) لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37) } .

قال ابن عباس وغيره: لما نزلت: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أماتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبر أن خزنة جهنم تسعة عشر، وأنتم الدهم - أي: الشجعان - أفيعجز كل عشرة منكم

أن يبطشوا بواحد من خزنة جهنم؟ قال أبو الأشد الجمحي: أنا أكفيكم منهم سبعة عشرة، فاكفوني أنتم اثنين، فأنزل الله عز وجل:{وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً} . قال ابن عباس: وإنها في التوراة والإنجيل: تسعة عشر، فأراد الله أن يستيقن أهل الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانًا.

{وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ} ، قال ابن جرير: ولا يشك أهل التوراة والإنجيل في حقيقة ذلك، والمؤمنون بالله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، {وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} نفاق {وَالْكَافِرُونَ} بالله من مشركي قريش:{مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً} ؟ قال ابن زيد: يقولون: حين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر.

ص: 393

{كَذَلِكَ} ، قال البغوي: أي: كما أضل الله من أنكر عدد الخزنة وهدي من صدق {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} ، قال مقاتل: هذا جواب أبي جهل حين قال: أما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر؟ قال عطاء: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} ، يعني: من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار، لا يعلم عدتهم إلا الله؛ والمعنى: أن تسعة عشر هم خزنة النار، ولهم من الأعوان والجنود من الملائكة ما لا يعلمهم إلا الله عز وجل.

ثم رجع إلى ذكر سقر فقال: {وَمَا هِيَ} ، يعني: النار، {إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} إلا تذكرة وموعظة للناس، {كَلَّا وَالْقَمَرِ} هذا قسم

يقول: حقًا. {وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ * إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ} ، قال مجاهد: يعني جهنم: {نَذِيراً لِّلْبَشَرِ} ، قال الحسن: والله ما أنذر الناس بشيء أدهى منها. {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} ، قال ابن عباس: من شاء اتبع طاعة الله، ومن شاء تأخر عنها.

قوله عز وجل: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ (51) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً (52) كَلَّا بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَن شَاء ذَكَرَهُ (55) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56) } .

عن ابن عباس: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} ، يقول: مأخوذة بعملها. {إِلَّا

ص: 394

أَصْحَابَ الْيَمِينِ} ، قال قتادة: علق الناس كلهم إلا أصحاب اليمين. وقال ابن زيد: لا يرتهنون بذنوبهم، ولكن يغفرها الله لهم. {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} قال قتادة يقول: كلما غوى غاوٍ غوينا معه {وَكُنَّا

نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} ، قال البغوي: هو: الموت، قال الله:{فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} روى ابن جرير عن ابن مسعود في قصة ذكرها من الشفاعة قال: (ثم تشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون والمؤمنون، ويشفعهم الله فيقول: أنا أنا أرحم الراحمين، فيخرج من النار أكثر مما أخرج من جميع الخلق من النار، ثم يقول: أنا أرحم الراحمين؛ - ثم قرأ عبد الله يا أيها الكفار -: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} وعقد بيده أربعًا ثم قال: هل ترون في هؤلاء من خير؟ إلا ما يترك فيها أحد فيه خير) .

وعن قتادة: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} ، أي: في هذا القرآن؟ {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} ، قال ابن عباس: هي: الرماة. قال قتادة: وهم: الرماة القناص. وقال أبو هريرة: هو: الأسد، قال ابن كثير، أي: كأنهم في نفارهم عن الحق وإعراضهم عنه حمر من حمر الوحش، إذا فرت ممن يريد صيدها. وعن مجاهد:{بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً} ، قال: إلى فلان من رب العالمين. وقال قتادة: قال ذلك قائلون من الناس: يا محمد إن سرك أن نتبعك فائتنا بكتاب خاصة إلى فلان نؤمر فيه بإتباعك. قال البغوي: فقال الله تعالى: {كَلَّا} لا يؤتون الصحف، {بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ} ، قال قتادة: إنما

ص: 395

أفسدهم أنهم كانوا لا يصدقون

بالآخرة، ولا يخافونها. قال البغوي: والمعنى: أنهم لو خافوا النار لما اقترحوا هذه الآيات بعد قيام الأدلة {كَلَّا} حقًَا. {إِنَّهُ} ، يعني: القرآن. {تَذْكِرَةٌ} موعظة. {فَمَن شَاء ذَكَرَهُ} أتعظ به. {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} ، قال مقاتل: إلا أن يشاء الله لهم الهدى. {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} ، أي: أهل أن تتقي محارمه، وأهل أن يغفر لمن اتقاه. ثم ساق بسنده عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} ، قال:«قال ربكم عز وجل: أنا أهل أن أتقى ولا يشرك بي غيري وأنا أهل لمن اتقى أن يشرك بي أن أغفر له» .

* * *

ص: 396