الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدرس السادس والسبعون بعد المائتين
{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24) لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (26) ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ
أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (27) يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (28) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) } .
* * *
قال البغوي: قوله عز وجل: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} ، أي: أن الحياة في هذه الدار، {لَعِبٌ} باطل لا حاصل له، {وَلَهْوٌ} فرح ثم ينقضي، {وَزِينَة} منظر تتزيّنون به، {وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ} يفخر به بعضكم على بعض، {وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلادِ} ، أي: مباهاة بكثرة الأموال والأولاد، ثم ضرب لها مثلاً فقال:{كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} ، أي: الزرّاع {نَبَاتُهُ} ما نبت من ذلك الغيث {ثُمَّ يَهِيجُ} ييبس، {فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا} بعد خضرته ونضرته، {ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} يتحطّم ويتكسّر بعد يبسه ويفنى، {وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ} ، قال مقاتل: لأعداء الله، {وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ} لأوليائه وأهل طاعته، {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ} ، قال سعيد بن جبير:{مَتَاعُ الْغُرُورِ} لمن لم يشتغل فيها بطلب الآخرة، ومن اشتغل بها فله:{مَتَاعُ} بلاغ إلى ما هو خير منه.
وقال في جامع البيان: {أَعْجَبَ الْكُفَّارَ} الزرّاع، أو الكافرون، فإنهم أشدّ إعجابًا بخضرة الدنيا، ولم يذكر ابن جرير غير الثاني؛ وقال بعض المفسرين:
ومعنى إعجاب الكفار: أنهم جحدوا نعمة الله فيه بعد أن راق في نظرهم، فبعث الله عليهم العاهة فصيّره كَلا شيء، ومن جعل الكفّار بمعنى الزرّاع فظاهر. قاله ابن مسعود.
وقال ابن كثير: يقول تعالى موهنًا أمر الحياة الدنيا ومحقّرًا لها:
…
{أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} ، أي: إنما حاصل أمرها عند أهلها هذا، كما قال تعالى:{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} .
قال: وقوله تعالى: {أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} ، أي: يعجب الزرّاع نبات ذلك الزرع الذي نبت بالغيث، وكما يعجب الزرّاع ذلك، كذلك تعجب الحياة الدنيا الكفّار، فإنهم أحرص شيء عليها وأميل الناس إليها.
وقوله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: {سَابِقُوا} أيها الناس إلى عمل يوجب لكم: {مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ} هذه الجنة: {لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} ، يعني: الذين وحّدوا الله وصدّقوا رسله،
{ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} ، قال البغوي: فبيّن أن أحدًا لا يدخل الجنّة إلا بفضل الله.
قوله عز وجل: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الَّذِينَ
يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24) } .
عن ابن عباس: قوله: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا} ، قال: هو شيء قد فرغ منه قبل أن تبرأ النفس. قال قتادة: أما: {مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ} فالسنون، وأما:{فِي أَنفُسِكُمْ} فهذه الأمراض والأوصاب {مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا} من قبل أن نخلقها. وقال الحسن: كلّ مصيبة بين السماء والأرض ففي كتاب الله من قبل أن تبرأ النسمة، {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} ، قال ابن كثير: أي: أن علمه تعالى الأشياء قبل كونها، وكتابته لها طبق ما يوجد في حينها سهل على الله عز وجل، لأنه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن، لو كان كيف يكون. وعن ابن عباس:{لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} من الدنيا، {وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} منها. وقال عكرمة: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكرًا، والحزن صبرًا.
{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} ، قال البغوي:{مُخْتَالٍ} متكبّر بما أوتي من الدنيا {فَخُورٍ} يفخر به على الناس. وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} ، أي: يبخلون بالواجب ويأمرون الناس بذلك. وقال ابن كثير: أي: يفعلون المنكر ويحضّون الناس عليه، {وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} .
قوله عز وجل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ
…
(25) } .
عن قتادة: {الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ} ، قال: الميزان
العدل. وقال ابن زيد: الميزان ما يعمل الناس ويتعاطون عليه في الدنيا من معايشهم التي يأخذون ويعطون، يأخذون بميزان، ويعطون بميزان، يعرف ما يأخذ وما يعطي. قال: والكتاب فيه دين الناس الذي يعملون ويتركون، فالكتاب للآخرة، والميزان للدنيا. {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} ، قال: البأس الشديد: السيوف والسلاح الذي يقاتل الناس به.
…
{وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} بعد يحفرون به الأرض والجبال وغير ذلك. قال البغوي: روي عن ابن عمر يرفعه: «إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: الحديد، والنار، والماء، والملح» . وقال أهل المعاني: معنى قوله: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ} أنشأنا وأحدثنا، أي: أخرج لهم الحديد من المعادن وعلّمهم صنعته. وعن مجاهد: قوله: {وَأَنزَلْنَا
الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} وجُنّة وسلاح، وأنزله ليعلم الله من ينصره. وقال البغوي: أي: أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم هذه لأشياء ليتعامل الناس بالحقّ والعدل، {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ} وليرى الله {مَن يَنصُرُهُ} أي: دينه {وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} أي: قام بنصرة الدين ولم ير الله ولا الآخرة، وإنما يحمد ويثاب من أطاع الله بالغيب {إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} .
عن ابن عباس قال: كانت ملوك بعد عيسى بدلّوا التوراة والإِنجيل، وكان
فيهم مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل، فقيل لملكهم: ما نجد شيئًا أشدّ علينا من شتم يشتمنا هؤلاء، إنهم يقرؤون:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} هؤلاء الآيات مع ما يعيبونا به في قراءتهم، فادعهم فليقرؤوا كما نقرأ وليؤمنوا كما آمنا به، قال: فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل، أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدّلوا منها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك؟ فدعونا، قال: فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أسطوانة، ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئًا نرفع به طعامنا وشرابنا، فلا نردّ عليهم. وقالت طائفة منهم: دعونا نسيح في
الأرض ونهيم ونشرب كما تشرب الوحوش فإن قدرتم علينا بأرضكم فاقتلونا. وقالت طائفة: ابنوا لنا دورًا في الفيافي، ونحتفر الآبار، ونحترث البقول، فلا نردّ عليكم، ولا نمرّ بكم، وليس أحد من أولئك إلا وله حميم فيهم. قال: ففعلوا ذلك، فأنزل الله جلّ ثناؤه:
…
{وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} ، والآخرون قالوا: نتعبّد كما تعبّد فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتّخذ دورًا كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم. قال: فلما بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يبق منهم إلا قليل، انحطّ رجل من صومعته، وجاء سائح من سياحته، وجاء صاحب الدار من داره، وآمنوا وصدّقوه فقال الله جلّ ثناؤه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} .
قال ابن جرير: لإيمانهم بعيسى، وتصديقهم بالتوراة، والإنجيل، وإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتصديقهم به. قال:{وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} : القرآن وإتباعهم النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال: {لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} . وعن قتادة: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} فهاتان من الله، والرهبانية ابتدعها القوم من أنفسهم، ولم تُكتب عليهم، ولكن ابتغوا بذلك وأرادوا رضوان الله، {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ
رِعَايَتِهَا} ، ذكر لنا أنهم رفضوا النساء واتّخذوا الصوامع. وقال ابن زيد: ابتدعوها ابتغاء رضوان الله تطوّعًا {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ
رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} ، قال: الذين رعوا ذلك الحقّ.
قال ابن كثير: وقوله تعالى: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} ، أي: فما قاموا بما التزموه حقّ القيام. وهذا ذمّ لهم من وجهين، أحدهما: في الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله. والثاني: عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة. وقال ابن جرير وقوله: {فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} ، يقول تعالى ذكره: فأعطينا الذين آمنوا بالله ورسله، من هؤلاء الذين ابتدعوا الرهبانية ثوابهم على ابتغائهم رضوان الله وإيمانهم به وبرسوله في الآخرة {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ} أهل معاص وخروج عن طاعته والإِيمان به. انتهى. قال بعضهم: الصوفية وزان أولئك.
عن مجاهد: قوله: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} قال: ضعفين. وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
…
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل المسلمين واليهود
والنصارى، كمثل رجل استعمل قومًا يعملون له عملاً يومًا إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا إلى نصف النهار فقالوا: لا حاجة لنا في أجرك الذي شرطت لنا، وما عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا أكملوا بقيّة عملكم وخذوا أجركم كاملاً، فأبوا وتركوا واستأجر آخرين بعدهم، فقال: أكملوا بقيّة يومكم ولكم الذي شرطت لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا كان حين صلّوا العصر، قالوا: ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه. فقال: أكملوا بقيّة عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير، فأبوا فأستأجر قومًا أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقيّة يومهم حتى غابت الشمس، فاستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور» . رواه البخاري.
وعن ابن عباس: {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} ، قال: الفرقان واتباعهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، {وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} . {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ} ، قال قتادة: حسد الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب المؤمنين منهم فأنزل الله تعالى: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} ، وقال مجاهد: قالت اليهود: يوشك أن يخرج منا نبيّ يقطع الأيدي والأرجل، فلما خرج من العرب كفروا به فأنزل الله تعالى:{لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} ، قال البغوي: أي: ليعلم و (لا) صلة {أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ} أي: ليعلم الذين يؤمنوا
أنهم لا أجر لهم ولا نصيب لهم في فضل الله، {وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} .
* * *