الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدرس الحادي والسبعون بعد المائتين
[سورة القمر]
مكية، وهي خمس وخمسون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَاءهُم مِّنَ الْأَنبَاء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ (6) خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ (7) مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (17) كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ (19) تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (22) كَذَّبَتْ ثَمُودُ
بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ
(24)
أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ (28) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (32) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (40) وَلَقَدْ جَاء آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ (42) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (51) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53) إِنَّ
الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ (55) } .
* * *
عن أنس بن مالك: (أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقّتين، حتى رأوا حراء بينهما) . متفق عليه. وعند ابن جرير من حديث ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة، فسلوا السفار فسألوهم فقالوا: نعم، قد رأيناه فأنزل الله تبارك وتعالى:{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ} . وعن قتادة: قوله: {وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} ، قال: إذا رأى أهل الضلالة آية من آيات الله قالوا: إنما هذا عمل السحر يوشك هذا أن يستمرّ ويذهب {وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} أي: واقع بأهل الخير الخير وبأهل الشرّ الشرّ {وَلَقَدْ جَاءهُم مِّنَ الْأَنبَاء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} أي: هذا القرآن. قال سفيان: المزدجر المنتهى.
{حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} ، قال البغوي: يعني: القرآن حكمة تامّة، وقد بلغت الغاية
في الزجر، {فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} وهذه كقوله تعالى:{وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَاّ يُؤْمِنُونَ} . {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} ، قال ابن
كثير: أعرض عنهم وانتظرهم، {يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ} وهو موقف الحساب، {خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ} ، أي: ذليلة أبصارهم، {يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ * مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ} ، قال قتادة: عامدين إلى الداعي، {يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} ، وهذه الآية كقوله تعالى:{يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً} .
عن مجاهد: {وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} ، قالوا: استطير جنونًا. وقال ابن زيد في قوله: {وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} قال: اتهموه وزجروه وأوعدوه وقرأ: {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} . وعن سفيان: {فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} ، قال: ماء السماء وماء الأرض. وعن قتادة في قوله: {ذَاتِ أَلْوَاحٍ} قال: معاريض السفينة {وَدُسُرٍ} ، قال: دسرت بمسامير. وقوله تعالى: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} قال ابن كثير: أي: بأمرنا بمرأى منا وتحت حفظنا
وكلاءتنا، {جَزَاء
لِّمَن كَانَ كُفِرَ} أي: جزاء لهم على كفرهم بالله، وانتصارًا لنوح عليه السلام. وعن قتادة في قوله:{وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً} ، قال: ألقى الله سفينة نوح على الجوديّ حتى أدركها أوائل هذه الأمة. وقال البغوي: {وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً} ، يعني: الفعلة التي فعلنا. قال ابن كثير: والظاهر أن المراد من ذلك جنس السفن، كقوله تعالى:{وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} وقال تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} .
وقوله تعالى: {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} ، قال البغوي: أي: متذكّر متّعظ خائف مثل عقوبتهم، {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} ، أي: إنذاري. وقال ابن كثير: أي: كيف كان عذابي لمن كفر بي وكذّب رسلي، ولم يتّعظ بما جاءت به نذري وكيف انتصرت لهم وأخذت لهم بالثأر، {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} ، أي: سهّلنا لفظه ويسّرنا معناه لمن أراده ليتذكّر الناس، كما قال:{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} . {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أي: فهل من متذكّر بهذا القرآن الذي قد يسّر الله حفظه ومعناه؟ وعن ابن عباس: لولا أن الله يسّره على لسان
الآدميين، ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلّم بكلام الله عز وجل. وعن قطر الورّاق في قوله:{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} ، قال: هل من طالب علم فيُعانُ عليه؟ قال الحافظ ابن حجر: وقد تكرّر في هذه السورة قوله: {فَهَلْ مِن
مُّدَّكِرٍ} بحسب تكرّر القصص من أخبار الأمم، استدعاء لأفهام السامعين ليعتبروا.
قال ابن زيد في قوله: {رِيحاً صَرْصَراً} قال: الصرصر: الشديدة. وقال قتادة: الصرصر: الباردة. قال ابن جرير: وهي الشديدة العصوف في بَرْدِ التي لصوْتِها صرير. وعن قتادة: {فِي يَوْمِ نَحْسٍ} قال: النحس الشؤم {مُّسْتَمِرٍّ} يستمرّ بهم إلى نار جهنم. وعن مجاهد في قوله: {تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} قال: سقطت رؤوسهم كأمثال الأخبية، وتفرّدت عن أعناقهم.
قال البغوي: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ} ، بالإنذار الذي جاءهم به صالح {فَقَالُوا أَبَشَراً} آدميًا، {مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ} ، ونحن جماعة كثيرة {إِنَّا إِذاً لَّفِي ضَلَالٍ} ، مبين، ضلال: خطأ وذهاب عن الصواب {وَسُعُرٍ} ، قال ابن عباس: عذاب. وقال الفراء: جنون. {أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} بطلاً متكبّر
…
{سَيَعْلَمُونَ غَداً} ، حين ينزل بهم العذاب، {مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ * إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ} ، أي: باعثوها ومخرجوها من الهضبة التي سألوا أن يخرجها منها، {فِتْنَةً لَّهُمْ} ، محنة واختبارًا، {فَارْتَقِبْهُمْ} ، فانتظر ما هم صانعون، {وَاصْطَبِرْ * وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} ، وبين الناقة، {كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} ، قال مجاهد: يعني يحضرون الماء إذا غابت الناقة، فإذا جاءت حضروا اللبن، {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى} ، فتناول الناقة بسفيه، {فَعَقَرَ} . انتهى ملخصًا.
وعن الضحاك في قوله: {كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} ، قال: هو الشوك الذي تحظر به العرب حول مواشيها من السباع.
عن قتادة: قوله: {فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ} ، لم يصدّقوه، {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ} ، وذكر لنا أن جبريل عليه السلام استأذن ربه في عقوبتهم ليلة أتوا لوطًا، وأنهم عالجوا الباب ليدخلوا عليه فصفقهم بجناحه وتركهم عميًا يتردّدون،
{فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ} ، يقول: استقر بهم إلى نار جهنم.
عن قتادة: قوله: {فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ} ، يقول: عزيز في نقمته إذا انتقم، {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ} ، يقول: ليس كفّاركم خيرًا من قوم نوح ولوط. وقال ابن زيد في قوله: {أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ} ، في كتاب الله براءة مما تخافون، {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} ، قال عمر: لما نزلت، {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ} ، جعلت أقول: أيّ جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع ويقول: «سيهزم الجمع ويولّون الدبر» . {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} ، قال البغوي: أي: أعظم داهية وبليّة، وأشدّ مرارة من الأسر والقتل يوم بدر.
قوله عز وجل: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (51) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ
وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ (55) } .
قال الحسين بن فضل: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ} ، في الدنيا ونار في الآخرة، {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ} ، قال ابن عباس: إني أجد في كتاب الله قومًا يسحبون في النار على وجوههم، يقال لهم:{ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} ، لأنهم كانوا يكذبون بالقدر. وعن أبي هريرة أن قريشًا خاصمت النبي صلى الله عليه وسلم في القدر، فأنزل الله:{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} ، قال ابن عباس: يريد أن قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر. وقال ابن زيد في قوله: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} ، قال: أشياعكم من أهل الكفر من الأمم الماضية، يقول: فهل من أحد يتذكّر وكلّ شيء فعلوه في الزبر؟ قال ابن كثير: أي: مكتوب عليهم في الكتب التي بأيدي الملائكة عليهم السلام {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ} أي: من أعمالهم، {مُسْتَطَرٌ} أي: مجموع عليهم ومسطر في صحائفهم. ذكر أن رجلاً عمل ذنبًا فاستصغره، فأتاه آت في منامه فقال له:
لا تحقرنّ من الذنوب صغيرا
…
إن الصغير غدًا يعود كبيرا
إن الصغير ولو تقادم عهده
…
عند الإله مسطّر تسطيرا
فازجر هواك عن البطالة لا تكن
…
صعب القياد وشمّرن تشميرا
إن المحبّ إذا أحبّ إلهه
…
طار الفؤاد وأُلهم التفكيرا
فاسأل هدايتك الإِله بنيّة
…
فكفى بربك هاديًا ونصيرا
وقوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} ، قال جعفر الصادق: مدح الله المكان بالصدق، فلا يقعد فيه إلا أهل الصدق. وروى مسلم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولّوا» . والله أعلم.
* * *