الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القول في "الشعر
"
ولفظ "الشعر" في لغتنا، وفي سائر اللغات التي عرف له فيها اسم متميز، قديم موغل في القدم، محدود الدلالة عند جميع واضعيه، قبل أن تكثر فيه لجاجة عصرنا وثرثرته، في لغتنا وفي غير لغتنا. هو لفظ موضوع وضعه الأوائل والأسلاف القدماء للدلالة على ضرب من ضروب "الكلام"، يفترق افتراقا ظاهرا واضحا عن سائر ضروبه التي تجرى على ألسنة المتكلمين باللغة. ولولا أنهم قد وجدوا هذا الفرق الظاهر وجدانا ظاهرا في أنفسهم لما كان بأحد منهم حاجة إلى تخصيص ضرب من "الكلام" الذي يجرى على ألسنتهم باسم متميز. . فإن الله تعالى حين خلق هذا الخلق، أنعم عليهم بالقدرة على "النطق" أي على "الكلام المسموع"، وأودعهم قدرة كامنة أخرى هي أجل وأعظم، وهي القدرة على "البيان" بهذا الكلام المركب، عن كل ما يمكن أن يجول في أنفسهم وفي ضمائرهم، وهذا الذي يجول في الأنفس والضمائر غيب مستور لا يمكن تحديده أو تفسيره تفسيرا واضحا، وكيف يجئ وكيف يذهب؟ وبهذه القدرة الكامنة قضى ربك أن يلتمسوا في بعض صور "الكلام"، قدرا من الكلام المركب أبلغ وأخفى وأغمض في الإبانة عن دخائل نفوسهم. أي هو قدر زائد على ما هم محتاجون إليه من "الكلام" في التفاهم والتعايش وقضاء الحاجات الحاضرة وكذلك فعلوا ما قضى ربهم عليهم.
وصار في "الكلام" ما هو مطلوب بالضرورة للتفاهم والتعايش وقضاء الحاجات، وصار فيه أيضا ضرب آخر من "الكلام" موسوم بالتجويد في ألفاظ اللغة وتراكيبها، تعبيرًا عن أغمض ما يجول في أنفسهم، أو في أنفس بعضهم، من معان لا تلجئهم إليها الضرورة إلى الحاضرة في التفاهم والتعايش وقضاء الحاجات. وهذا الضرب الأخير، كما هو ظاهر، متضمن بطبيعته للمعاني المختلفة الوجوه والغايات، والتي تنبع أصلا من القلب والعقل والنفس ومن تجارب الحي في الحياة. وعلى مر الزمن، صار الفرق واضحا وضوحا لا يكاد يخفى بين كلامين: كلام التعايش والتفاهم، وكلام البيان عن النفس. وعلى مر
الزمان أيضا وصفوا هذا الأخير من الكلامين بأنه "كلام بليغ مبين"، وبأشباه لهذه الصفات، على ما في هذه الصفات من الغموض عند النظر، وإن كان معناها في الحقيقة ظاهرا في سر الأنفس ظهورا لا مرية فيه.
ولو استمر أمر أصحاب كل لغة على هذا القدر من الفرق الذي تدركه السرائر بين الكلامين المسموعين لما كان بهم حاجة إلى زيادة ضرب ثالث من "الكلام" على هذين الضربين، يفردونه باسم متميز كما انفرد ما ينطقونه باسم متميز وهو "الكلام"، ولاقتصروا على "الوصف" المميز بين كلامين لا غير. ولكن ظهر على مر الأيام ضرب آخر منبثق من "الكلام البليغ المبين" المسموع، تميز بميزة زائدة ظاهرة تقع في الأسماع والأنفس موقعا آخر، فميزوه باسم متميز محدود هو "الشعر". وهذه الميزة الزائدة على ما في "الكلام البليغ المبين"، هي ما يدركه السمع فيه من التناسق والتوازن في وقع الكلمات المركبة، ومن تتابع تساقطها على سمع السامع تتابعا تستلذه الأذن أولا، وتنسرب ذبذبة من هذه اللذة تخامر القلب والعقل والنفس وسائر القوى التي يكون بها إدراك معاني "الكلام". وهذا موضع الفرق الحاسم لا غير، بين "الشعر" وبين كل "كلام بليغ مبين". مهما كثرت اللجاجة في زماننا، في البحث عن فروق أخرى، يراد لها أن تطغى على هذا الأصل العتيق المتقادم في إدراك البشر = الأصل الذي دعاهم، أو ألجأهم، إلى وضع لفظ "الشعر" للدلالة على ضرب متميز منبثق من "الكلام البليغ المبين"، ولا يفارقه إلا بهذا القدر من التناسق والتوازن، لا غير.
وحديثنا عن لفظ "الشعر" على هذا الوجه، يصرفنا صرفا إلى قَسِيمه وضريعه، وهو لفظ "النثر". وهو في جميع اللغات التي عرفت لفظ "الشعر"، لفظ متأخر الوضع، أي هو اصطلاح متأخر لاحق، لم يكن بأحد حاجة إلى وضعه، لولا اهتداء الناس منذ أقدم عصورهم إلى تسمية ضرب خاص متميز من "الكلام البليغ المبين" باسم منفرد هو "الشعر" للدلالة على ميزته الظاهرة في تركيبه وبنائه ونظامه، ولذلك فقد أصاب أسلافنا حين عرفوه بأنه "كلام موزون مقفي" غاية الإصابة. فلما تقدم بهم الزمان، احتاجوا إلى وضع اسم للكلام البليغ