الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صَدَى النقد طبقات فحول الشعراء رد على نقد
(1)
أشكر أخي وابن أخي الأستاذ أحمد صقر شكرًا يخالطه عَتْب، فقد جاوز القصد في الثناء حتى أوغل في المبالغة، وكان يحسن ظني بنفس أنا إلى إساءة الظن بها أحوج. والإسراف لا خير فيه، وإذا خشيت معرّته على نفسي، فأنا منه على أخي وابن أخي أخوف. وهذا أثر الإسراف بيّن في أول نقده لكتاب "طبقات فحول الشعراء". فقد قال إني رأيت أن أكمل نقص كتاب الطبقات، بكل ما رأيته "مرويًّا عن ابن سلام من الأخبار والأشعار التي تتعلق بالشعراء الذين ذكرهم في الطبقات". إفراط شديد، ولفظ جائر. لم أقل هذا ولا بعضه، ولا أنا كتبته في مقدمتى، ولا أنا فكرت لحظة في أن أفعله. ولو فعلته لأسأت إساءة لا أغتفرها، ولا أحب لأحد أن يغتفرها.
والذي قلته في المقدمة (ص: 28 - 32) هو أنى جمعت أسانيد أبي الفرج في الأغانى إلى ابن سلام، فكانت عدتها أربعة وخمسين إسنادًا. منها ثلاثة عشر إسنادًا، أثبت نصها (28 - 30)، ليعلم من يحب أن يعلم، أنها كلها إسناد واحد في الحقيقة، يسوقه أبو الفرج في ثلاث عشرة صورة. فكأن مجموع أسانيد أبو الفرج اثنان وأربعون إسنادًا. وقلت إني لم أنقل شيئًا إلى الطبقات، إلا رواه أبو الفرج عن ابن سلام بإسناده عن "أبي خليفة الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام"، وهو الإسناد الذي يسوقه أبو الفرج في ثلاث عشرة صورة، مختلفة اللفظ، متفقة المعنى. أما الأسانيد الباقية، وعدتها واحد وأربعون إسنادًا عن ابن سلام، وفيها علم كثير من علم ابن سلام، فلم أنقل إلى الطبقات من
(*) مجلة الكِتاب، المجلد الثاني عشر، الجزء الرابع، سنة 1953، ص 513 - 522.
(1)
نقد الأستاذ سيد صقر لكتاب طبقات فحول الشعراء نُشِر في مجلة الكِتاب، المجلد الثاني عشر، سنة 1953، ص 379 - 387.
روايتها وأخبارها شيئًا قط. وهذا واضح فيما أظن، بل أظن ظنًّا أنه يدل على أننى لا أنقل:"كل ما رأيته مرويًّا عن ابن سلام"، لا في كتاب الأغانى ولا غيره.
وقد روى أبو الفرج في أغانيه بإسناده هذا، أو أسانيده الثلاثة عشر إن شئت، "عن أبي خليفة الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام" أخبارًا كثيرة جدًّا، دلت مراجعتها على الطبقات المطبوعة والمخطوطة، على أنها ثلاثة أقسام:
الأول: أخبار موجودة بنصها في النسخ المطبوعة، وفي المخطوطة جميعًا، وهو الأكثر.
الثاني: أخبار موجودة بنصها في المخطوطة وحدها، وفي زياداتها على ما يقابلها من المطبوع، وهذا كثير. فدل هذان القسمان الكبيران جدًّا على أن ما يرويه أبو الفرج بهذا الإسناد، أو الأسانيد الثلاثة عشر، مما هو روايته عن كتاب الطبقات، الذي أجاز له أبو خليفة روايته عنه، وكتب به إليه، كما صرح في بعض هذه الأسانيد. بل بما ذكرناه مما هو أصرح، عند ذكر شعراء الطبقات (المقدمة ص: 22 - 26).
وبقى القسم الثالث: وهو ما رواه بهذا الإسناد، أو الأسانيد الثلاثة عشر، وهو الذي يقع في مواضع من المطبوعتين، ليس عندنا ما يقابلها من المخطوطة. ولما ثبت بالاستقراء أن القسم الأول والثاني، هو من كتاب الطبقات، لم تبق ريبة لمرتاب في أن هذا القسم الثالث هو أيضًا من كتاب الطبقات. والمخطوط قد دلّ دلالة قاطعة، على أنّ المطبوع مختصر وناقص نقصًا فاحشًا، كما دلت أيضًا مراجعة سائر ما نقل عن طبقات ابن سلام في كتب كثيرة، وكما دلّ ما نقله أستاذنا من شرح نهج البلاغة، مصرّحًا بنقله عن الطبقات وليس في المطبوع. فمن أجل ذلك نزلت هذا القسم في منازله من الكتاب، على ما بلغه ظنى واجتهادى، وكله واقع في المواضع التي ضاع ما يقابلها من المخطوطة.
وما قلته آنفًا عن الأغانى، أقول مثله عن الموشح للمرزبانى، فقد روى بأسانيد كثيرة عن ابن سلام، لم أنقل منها غير إسناد واحد هو "إبراهيم بن شهاب العطار، عن أبي خليفة، عن محمد بن سلام". وقد أكثر المرزبانى الرواية عن
ابن سلام، وانفرد هذا الإسناد بمطابقة المخطوط والمطبوع، كما ذكرنا آنفًا في شأن الأغانى. وطرحت رواية سائر الأسانيد غير هذا الإسناد الواحد. وبمثل هذا السياق من الاستدلال فعلت فيما جاء في أمالى الزجاجى، وما جاء في الشعر والشعراء. فبيّنٌ إذن مما أطرحت نقله من روايات أبي الفرج الكثيرة في أغانيه، وما أطرحت أيضًا من روايات المرزبانى الجمة في موشحه، أنّى لم أنقل إلى الطبقات "كل ما رأيته مرويًّا عن ابن سلام". فأظن ظنًّا أن ما فعلته دليل قاطع، يمسك سيل الأسئلة التي ساقها الأستاذ صقر على لسان النقاد، وأنطقهم بها في مقاله.
أما سائر الكتب التي نقلت عن ابن سلام، غير هذه الأربعة، ففيها علم كثير عن ابن سلام، لم أنقل إلى الطبقات منه شيئًا. ولكنه الإسراف، زلَّ معه اللسان، وأزلنى حتى أطلت في أمر بين لمن تأمل مقدمتى فضل تأمل.
* * *
ولما أسرف ابن أخي في الثناء وفي البيان، كانت العاقبة أن فرّط في الإبانة عن حجتى في تسمية الكتاب "طبقات فحول الشعراء" لا "طبقات الشعراء". فإني ذكرت في هذا الموضع من المقدمة نصّين عن أبي الفرج أغفلهما الأستاذ في نقده. أحدهما في ترجمة المخبل السعدى، إذ يقول:"ذكره ابن سلام في الطبقة الخامسة من فحول الشعراء". والآخر في ترجمة عبيد بن الأبرص، إذ يقول:"وجعله ابن سلام في الطبقة الرابعة من فحول الجاهلية"، فإذا ضم إليهما قول ابن سلام نفسه:"فاقتصرنا من الفحول المشهورين على أربعين شاعرًا"، كان بينًا لمن يستبين، أن ابن سلام لم يؤلف كتابه إلا لذكر طبقات "فحول الشعراء" في الجاهلية والإسلام، واقتصر عليهم. وكان أيضًا بينًا أنه لم يؤلفه لذكر "الشعراء" بلا وسم ولا صفة. هذا مبلغ جهدى وحجتى، وبها أتوسل إلى الأستاذ صقر أن يعذرنى، وإلى النقاد أيضًا إن استطاعوا إلى العذر سبيلا.
* * *
وللأستاذ صقر بعد ذلك رأي في الشعر، ومآخذ على ما شرحت منه.
1 -
أخذ عليّ شرحي للبيتين الأخيرين من قول دويد بن زيد بن نهد، حين حضره الموت:
اليوم يُبنى لدويد بيتُه
…
لو كان للدهر بلى أبليتُهُ
أو كان قرنى واحدًا كفيته
…
يا رب نهب صالح حويتهُ
"ورب غَيْل حسن لويته
…
ومعصم مخضَّب ثنيتهُ"
ولما كنت أعلم، والله أعلم، أن لكل لفظ يأتي به الشاعر دلالة على معنى، وأنه لا يسوغ لي أن أسقط بعض الألفاظ أو دلالة بعض الألفاظ، فقد شرحت الأبيات، على قدر حظى من فهم الشعر، ومن فهم لغة العرب، ومن فهم بعض طبائع البشر. ولكن رأي الأستاذ صقر أن كل ما يمكن أن يؤخذ -من البيتين الأخيرين- هو أنه يذكر شبابه ومتاعه بالنساء ذوات السواعد السمينة، أو كما قال. وللأستاذ رأيه بلا معارضة، وله أن يستعمل لفظ "كل" حيث شاء. ولكني رأيت الشاعر أغفل ذكر الساعد وأتى بالصفة "غيل"، لا لأنه أراد "السواعد السمينة"، بل لأنه أراد ساعدًا يترقرق ماء شبابه، كما يترقرق الغَيْل، وهو الماء السحّ، السهل الجرية على وجه الأرض، يتلألأ بريقه بين الشجر الملتف الناضر، وفي ظله الظليل. وإذا كان ماء شبابه كذلك، فهو ساعد ممتلئ مشرق البشرة، لم يهجّنه إسراف في "سمن"، بل هو "غيل حسن"، وهو نعت يدل على القصد والاعتدال والبراءة من الإسراف. وإذا كان كذلك فصاحبته منعّمة، لم تغذ بؤس معيشة، كفيت شقاء المهنة، وأعفيت من ممارسة العمل، وإذا كانت كذلك فلها وال شريف سرىٌّ، وخدم يحوطونها أن تمتهن. وإذا كانت كذلك فهي في نعمة من عيشها، ومنعة من أهلها وخدمها، وهم جميعًا حراس عليها. أو هذا على الأقل، هو شيمة السادة والأشراف من العرب في شأن فتياتهم ونسائهم. فليس عجيبًا إذن أن أقول:"كنى بالبيت الأول عن تجاوز الأحراس والمنعة إلى الكريمة المنعمة".
وقد غفلت في شرح البيت عن بيان معنى "لويتُه". والظاهر على مذهب الأستاذ صقر، أنه أراد أنه لوى ساعدها كما يلوى الحبل. ولكني أعجب: أي
متاع كان لدويد في أن يلوى "سواعد سمينة"، "لوى يده الله الذي هو غالبُه"؟ وأي لذة يجدها في أن يثنى معصما مخضَّبًا؟ وأسأل نفسي: ما فرق ما بين اللذتين: لذة ليّ السواعد السمينة، ولذة ثنى المعاصم المخضبة؟ وكيف يكون هذا اللىّ وهذا الثنى هما آخر ما يذكره من متاع شبابه حين حضره الموت؟
أما عندي، فمعنى قوله "لويته" أن الفتاة راعها إقدامه على تجاوز الأحراس بلا خوف، فعلمت شدة هيامه بها، فأعجبها إقدامه وزادها به صبابة، فلما دنا إليها "عطفت" ساعدها عليه، وضمته ضمة شوق وفتنة وإعجاب، فجاء دويد ونسب إلى نفسه أنه "عطف ساعدها أو لواه"، لأن إقدامه هو الذي استخفها، ففعلت ما لم تكن لتفعله فتاة غريرة منعمة مكرمة عفيفة مثلها. فإقدامه هو الذي زادها صبابة، وهو الذي نفى من قلبها فَرَق العذراء وحياءها، فعطفت عليه ساعدها وضمته. ذكرى جميلة مثيرة، تدل على ما كان له في شبابه من سطوة بالحرائر الغرائر. أما ليّ السواعد السمينة كما يلوى الحبل، فلا أظنه يصلح أن يكون متاعًا، ومتاعًا يتمدح بذكره شيخ يصيخ لداعى المنية.
وأما البيت الثاني: فإني رأيت أن ثنى معصم مخضب، لا يتميز شيئًا من أي معصم لم يخضب. ورأيت الحسناء تخضب، والشوهاء تخضب أيضًا، بل هي أحرصهما على الخضاب والزينة والتجمل. وظننت، والله أعلم، أن "الخضاب" لا يدخل لذة جديدة زائدة على لذة ثنى المعاصم التي لم تخضب. وظننت أيضًا أن المعصم لا يخضب، فرأيت أنه أراد المعصم المخضب الكف. وظننت أيضًا أنى أعلم أن الخضاب كان منذ قديم الآباد من زينة العرس، حتى خصُّوا به ليلة سموها "ليلة الحناء". ثم وجدتُ أن ثنى المعاصم المخضبة الأكف، كَلَىِّ السواعد السمينة، لا يصلح متاعًا يستمتع به أحد، ويذكره رجل في سياق الموت متمدحًا بما كان في شبابه. فانتهت بى الأظانين كلها إلى أنه أراد "خضاب العرس"، وإذا كان ذلك كذلك، فهو يذكر غانية حديثة العهد بالزواج، أحصنها بعلها، وكفَّ طِماحها إلى غيره. وهي في عقيب العرس أولى بأن تمهِّد لزوجها وتتقتل له وتبتغى له مما يسره منها ويرضيه. ولكن يأتي هذا
الشيطان، دويد، فاتكًا عارمًا فيتصبَّاها عن حليلها، ويغلبها على نفسها وعفافها، ويستثيرها إليه فتنسى البعل بتحليل، فيخلو بها، فتكون أشد من الفتاة الغريرة جرأة لأنها عرفت الأزواج، وإذا هو قد ملك هواها، وقهر إرادتها، وإذا هي "تثنى" معصمها عليه مشغوفة به، أي تطوقه ذراعها تطويقًا وإذا بينهما ما قال سحيم عبد بنى الحسحاس.
توسِّدنى كفًّا، وتثنى بمعصم
…
عليّ، وتَحْوِى رجلها من ورائيا
ذكرى تشتعل في دم الشيخ الفانى، من شباب كان له عُرام وفتك لا يبالى. هذا بعض ما أخذته، لا "كل ما يؤخذ". ثم نسب أيضًا إلى نفسه أنه هو الذي ثنى معصمها، لأنها ثنته عليه، فتنة به وشغفًا، ثم سلطان له لا يقهر.
2 -
وأخذ علي أيضًا شرح بيت المستوغر في ذكر بنى بنيه:
إذا ما الشيخ صمّ فلم يُناجَى
…
وأودى سمعُهُ إلا ندايا
ولاعب بالعشى بنى بنيه
…
كفعل الهِرِّ يَحْتَرِشُ العَظايا
فعاب إطالتي في شرح "يحترش"، وقال إن احتراش الإنسان للضب غير احتراش الهر للعظايا، وأرادنى أن أكتفي بأن أقول:"يحترش: يصطاد" وكفى المؤمنين القتال! ورحم الله المستوغر! فيم أتعبنا؟ كان حسبه أن يقول: "كفِعْل الهر يصطاد العظايا" فيستقيم الشعر، ويسقط عنا مؤونة التعب، ونقل ما في لسان العرب! ولكن المستوغر عربي قديم سليم الطبع، فاختار كلامًا -قلت إني لا أستطيع أن أسقط دلالته، وأراد معنى- قلت إني لا أطيق إغفاله. ولما كان ذلك كذلك، نقلت صفة "الاحتراش" كما كانوا يفعلونها، ولم أزعم لنفسي أن احتراش الإنسان للضب، غير احتراش العظايا، فإنه غير صحيح، إذا راقبت هرًّا وعظاء. ولم أرد بما وصفوه من "الاحتراش"، إلا ما يكون فيه من كثرة حركة الهر، ومن الإمساك والإرسال، ومن الغفلة والترقب، ومن الجثوم والقفز، ومن سرعة اليد بضربة، وفرار العظاية منها.
وإذا علم من يحب أن يعلم، أن المستوغر، يزعمون، عاش ثلاثمئة وخمسين عامًا حتى أدركه الإسلام فأسلم، فهو خليق أن يعلم أن المستوغر قد
عجز عن أن يفعل فِعْلَ الهِرِّ فيما وصفنا من حركته، وخليق أن يستدل أيضًا بما بدأ به في شعره من ذكر صممه وذهاب سمعه، على أنه ضعف ضعفًا مبينًا ذهب بقوته، فبلغ أرذل العمر، ونسيه الموت نسيانًا تامًّا، أو كما يقولون. ولما كان ذلك كذلك، وكان المستوغر عندئذ غير مطيق أن يفعل فعل الهر المحترش، وظننت أيضًا أن المطيق لهذه الشيطنة، هم العفاريت من بنى بنيه، أجريته على ما جرى عليه كلام العرب من "القلب"، لأنه هنا بين مفهوم من سياق الشعر، ومن صفة المستوغر وعمره، ومن بديهة الفطرة، وأظن أن الأستاذ يذكر مَثَلَهم المضروب في قلب الكلام عن وجهه وهو:"أدخلت الخاتم في إصبعى"، ومثله قول القائل:
كانت فَرِيضة ما تقول كما
…
كان الزِّناء فريضة الرَّجْمِ
أي: كما كان الرجم فريضة الزناء. والفريضة: الحد المفروض عقابًا ونكالا. وقول الأخطل:
مثل القنافذ هدّاجون، قد بلغت
…
نجران، أو بلغت سوءاتِهم هَجَرُ
والسوآت هي التي بلغت مدينة هجر. وهو مذهب لا يحاط به في كلامهم. ولم أفهم اعتراض أستاذنا على "لاعب"، وإيجابه أن يقال -إذا صح ما ذهبنا إليه، وهو صحيح! - "ولاعبه بالعشى بنو بنيه". فالذي أعلمه، والله أعلم، أن قولك "لاعبت الصبى" معناه: لعبت معه، وسواءٌ عندئذ أن تكون أنت البادئ باللعب وهو مستجيب، أم يكون هو البادئ وأنت مستجيب. ولو ذهبنا مذهب الأستاذ لقلنا في قول العرجى:
مثل الضفادع نَقَّاقون وحدهم
…
إذا خَلَوْا، وإذا "لاقيتهم" خُرْسُ
إنهم لا يخرسون حتى يكون اللقاء منك، فإذا كان اللقاء منهم لم يخرسوا. وتصير العربية عجبًا في لغات الناس. وأما ما تبع ذلك من قوله إنه كان ينبغي عندئذ أن يقول:"يلاعبونه وودوا لو سقوه"، فيدخل فيما دخل في السابق. على أنى أرى أجود الروايتين ما ذكرته في التعليق "يفديهم وودوا لو سقوه"، أي هو عليهم بنفسه، وهم يتمنون موته بل قتله بسم يجرعونه إياه بأيديهم. أما ملاعبة الجدود التي ذكرها وظن الشعر يستقيم بها، فربما صحت في جد بلغ
الخمسين والستين، أما جد في أرذل العمر أعشى أصم ميت الأعضاء، فصعب أن يتصور المرء مثله ماشيًا على يديه وركبتيه، يحاور من هنا ويداور من هناك! فوق كل ذي علم عليم. هذا على أن المستوغر لم يكد يقص قصة هذا اللِّعاب حتى ختمها بما يلقى من أذاهم، وأنه لا نجاة له من شرهم إلا أن يموت موتًا مضاعفًا، فقال:
فذاك الهم ليس له دواءٌ
…
سوى الموت المنطَّق بالمنايا
3 -
وأرجئ ما قاله في أبيات الشماخ، وسأفرد لها كلامًا غير هذا، فإنها تحتاج إلى فضل بيان.
4 -
أما تعليقه على قول اللعين المنقرى:
ويترك جِدَّه الخَطَفَى جريرٌ
…
وَينْدُب حاجبًا وبنى عِقالِ
فإنه قال: "معنى يندب هنا، يجرح أعراضهم بالهجاء". ولم أجد في كتب اللغة: "ندبَ"، أو "أَنْدَب" بمعنى جرح، ولا أظنه يصح من جهة الاشتقاق. وأظن الكلمة محرفة، ولا يزال البيت متطلبًا تصحيحًا ينفع (1).
5 -
أما ما عابه من شرح بيت جرير في هجائه عمر بن لجأ التيمى:
ألَّا سوانا ادَّرأتم يا بني لَجَأ
…
شيئًا يقارِبُ، أو وحشًا له عُررُ
فإني قلت إن جريرًا اشتق "ادرأه من الدريئة، وهي الحلقة التي يتعلم عليها الطعن والرمى". ثم رأيت في تاج العروس مادة "درأ" ما نصه: "ادَّرأوا، وتدرّأوا: استتروا عن الشيء ليختلوهُ"، أو جعلوا دريئة للصيد والطعن. وأستاذنا ينكر هذا، ويراه بعيدًا، ولكني بعد أراه قريبًا. فإن عمر بن لجأ من شعراء تيم الرباب، كانوا قد تعرضوا لجرير بالهجاء فقال يهجوهم وبنى تيم:
(1) ذكر أستاذنا رحمه الله (الطبعة الثانية 1: 402) أن هذه الكلمة وردت في مخطوطة م: وتثرب (غير أنها غير منقوطة) فنقطها كما رأيتَ، وهي من باب ضرب، ومعناها: وبَّخه وعيَّره بذنوبه وعاب أفعاله.
قد كنت أحسبُ في تيم مصانعة
…
وفيهم عاقلا بعد الذي ائتمروا
تعرض التيم لي عمدًا لتهجونى
…
كما تعرض لاست الخارئ الحجر
ألَّا سوانا ادرأتم يا بني لجأ
…
. . . . . .
فهو يذكر تعرض شعراء تيم له، إذ جعلوه هدفًا لهجائهم، فقال لهم: هلا اتخذتهم سوانا غرضًا.
أما مسألة "لها غِرَر" التي جاءت في الأغانى والديوان، وهما مطبوعتان سقيمتان غير محققتين، فالأستاذ هي أن "الغرر الغفلة"، وأنها أحسن دلالة على ضعف عمر بن لجأ. وأن "عرر"، وهي الأذى والشر، دالة على قوة ابن لجأ، وهذا غير مراد الشاعر بلا ريب. فآثر الأولى. وأخشى أن يكون الذي أوقعه في هذا الرأي، أن شيئًا من شرح البيت سقط مني عند الطبع، وهو قولى: "والوحش: الجائع الذي لا طعام له. يعني سبعًا أو ذئبًا جائعًا جاء يتعرض لغنمهم. يقال: بات وحشًا، أي جائعًا لم يأكل شيئًا فخلا جوفه، قال حميد بن ثور في صفة ذئب:
وإن بات وَحْشًا ليلة، لم يَضِق بها
…
ذراعًا، ولم يُصبح لها وَهْوَ خاشِعُ"
ومع ذلك فقد كان ينبغي أن أزيد الأمر بيانًا حتى لا يقع قارئ في مثل ما وقع فيه الأستاذ صقر، فأقول إن جريرًا كان يهجو التيم بأنهم رِعاء أذلاء، وعيرهم بذلك في شعره، يقول:
وقد يحسن التيمى عقد نِجافه
…
ولم يُحْسِنوا عَقْدَ القلادة بالمُهر
والنِّجاف: جلد يشد بين بطن التيس وقضيبه فلا يقدر على السفاد. يقول: أنتم رعاء أخساء تحسنون هذا، ولا تحسنون شأن الخيل. ويقول لهم أيضًا، يذكر كلاب الرعاة وزرائبهم، وأنهم ليسوا أهل حرب، ولا أهل شرف يفدون على الملوك، ولا أهل حلبات لسابق الخيل:
وتَيْم تُماشيها الكلاب إذا عدوا
…
ولم تمش تيم في ظلال الخَوافقِ
وتيم بأبواب الزُّروب أذلةٌ
…
وما تهتدى تيمٌ لباب السرادقِ
تَمْسَح تيم قُصَّةَ التَّيْس واستَه
…
ولا يمسحون الدهر غُرَّة سابِقِ
فهو إذن أراد أن يقول لهم: هلا رميتم بما تظنونه سهامًا تقتل، شيئًا مما يطيف بأغنامكم، أو ذئبًا ساغبًا جاء يعرّكم، وينزل الأذى والشر ببهائمكم. يعرض بأنهم رعاء أذلاء لا شرف لهم.
6 -
أما هذه السادسة، فقول المتوكل الليثى:
إنا أناس تستنير جدودنا
…
ويموت أقوام وهم أحياء
قد يعلم الأقوام غير تنحُّلٍ
…
أنَّا نجوم فوقهم وسماء
فعاب قولى: "الجدود جمع جد: وهو الحظ والسعادة والغنى والعظمة، ولو أراد الأجداد والآباء لكان حسنًا"، وأنا أرجو ممن عنده نسخة من الطبقات يضرب بالقلم الأسود، على هذه الجملة الأخيرة، فهي غير حسنة، بل هي مضللة. وأشكر الأستاذ صقر أن دلنى على فسادها وإضلالها. ولكنه هو يقول:"إنه لم يرد إلا الأجداد والآباء، فهم الذين يستساغ التمدح له بإضاءة ذكرهم وسالف مآثرهم بعد دثورهم. وبذلك تصح مقابلة هذا الشطر، وبالشطر الثاني "ويموت أقوام وهم أحياء". وأما إرادة التمدح بالحظ والغنى والسعادة والعظمة، شيء لا غناء له هنا، ولا يسوغ مثله في هذا المقام، ولا يتسق ذكره مع الشطر الثاني". وهو كذلك.
ولكني أقول بل أزعم -مع الأسف- أنه عنى بهذا الشعر "أقوامًا" يهجوهم يزدريهم ويضع من شأنهم، ويقابل بين قومه وبينهم، فيقول في الشطر الأول والبيت الأول:"إنا أناس" من شأننا كذا وكذا، ويقول في الثاني: وأنتم "أقوام" نعتكم كذا وكذا، ثم يقول في الشطر الأول من البيت الثاني: وأنتم تعلمون "الأقوام" ما أذكره لكم في الشطر التالى. فقابل بين "أناس" وبين "الأقوام"، وكرر ذكر "أقوام" مرتين. فلعله أصبح واضحًا.
يقول: نحن أناس حياتنا حياة، لا يزال مجدنا وحظنا من السعادة والعظمة يُضئ ويستنير على الأيام. وفي الناس "أقوام" حياتهم موت من بعد موت،
لا يزال أمرهم ينطفيء بالذلة والضعة، ولا يزال ذكرهم يموت بالصغار والخمول، أنهم يعدون في الأحياء. أو كما قال ابن رعلاء الغسانى:
ليس من مات فاستراح بميْتٍ
…
إنما الميْت مَيِّتُ الأحياءِ
إنما الميت من يعيش كئيبًا
…
كاسفًا باله قليل الرجاء
ثم يقول لهم: وأنتم أيها "الأقوام" تعلمون علما ليس بالظن -وهو شيء ولا ننتحله- أننا من فوقكم نجوم تضئ وتزهر، وأن مجدنا وحظنا من الرفعة والعظمة يظلكم بسماء تعجز المتناول. وكل ذلك تعريض بهم، وبما هم فيه من الخِسَّة والسقوط.
وقد أطلت، ولكني آثرت أن أنفي الريب من نفس من يرتاب، وأن أصحح طريقى، وطريق أخي الأستاذ صقر، وطريق القراء، في سعينا إلى طلب الحق والبيان عنه. فإن رضى أخي، فلعمرى، لقد أعجبنى رضاه، وذلك يقينى به. وحسبه من الشكر أن أجعله لي معوانًا على تدارك زلتى، وإقالة عثرتى، وتقويم ما اعوج من أمري.