الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من هؤلاء
!
الذي يسرى اليوم في حياتنا الأدبية من السموم الفتاكة شيء "كثير" لا يحاط به، ومع ذلك فالأطباء والصيادلة قليلون وهم مع قلتهم منصرفون كل الانصراف عن تتبع هذه السموم وعن تحليلها، وعن تنبيه الناس إلى خطرها وفتكها، وعن تحذيرهم من هذه الأقراص الجميلة الشكل الذكية الرائحة من خارج، وباطنها تفوح منه أخبث الروائح. وهي اليوم تباع في كل مكان ولا يسأل أحد عن مصدرها، أو عن الجهات التي تخصصت في صناعتها وتصديرها، أو عن التكنولوجيا الحديثة التي عبأتها أحسن تعبئة وهيأتها للاستئثار بإقبال الشباب والفتيات في هذا العالم العربي والإِسلامى الذي نعيش فيه، واتخذت وسائل الإعلام جميعًا للإعلان عنها يوما بعد يوم، وساعة بعد ساعة.
لا أدري من يكون؟ ولكن هكذا يقول، عن رواية "أولاد حارتنا" للأستاذ نجيب محفوظ.
وربما تبادر إلى الظن أن كتابة الحوار على الأقل باللغة العامية، إن لم نقل كتابة الرواية كلها، كانت تكون أقدر على تحقيق هذا الهدف (أي أن يشد اهتمام القارئ البسيط ويأسره ليتمكن بعد ذلك من إثارة تفكيره! هكذا يقول).
ولكن نجيب محفوظ يقصر استخدامه للعامية على الأغنيات والأمثال الشعبية التي يقتبسها، بالإضافة إلى بضع كلمات ومصطلحات تجري على الألسنة في الحياة اليومية، ولو نقلت إلى اللغة الفصحى لبعدت عن هذه الحياة بعدا كثيرا (فالمائدة تظل طرابيزه، والأريكة كنبة، والعربة التي يجرها حصان عربة كارو. . . الخ). وكل ما خلا ذلك مكتوب باللغة الفصحى التي يتردد فيها أحيانا إيقاع قرآنى (مثل التعبير الوارد على صفحة 344: يؤدي الإتاوة صاغرا) أو في صيغ عتيقة مثل "فوه" بدلا من "فمه" و"فيه" بدلا من "فمه" و"فاك" بدلا
(*) مجلة الثقافة، السنة السادسة، العدد 62، نوفمبر سنة 1978، ص 14 - 16
من "فمك" ص: 55، 69، 76، على عكس الصيغ المألوفة التي ترد على سبيل المثال ص 119، 507. وقد تعجب أيضًا لوجود تعبير عامى مألوف "مافيش فائدة" على هذه الصورة:"ما فيها فائدة"(أي الدنيا)، ص 448. وربما كأن هنا إشارة إلى تعبير منسوب إلى سعد زغلول (غريبة هذا علم واسع جدًا! ؟ ) ولكن النص في جملته -بصرف النظر عن المواضع القليلة- نص سهل ومقروء. وهذا أمر يتفق مع ما يقصده المؤلف. لقد طالما وجه اللوم إلى نجيب محفوظ بسبب تمسكه بالفصحى، ولكنه لم يحد عن رأيه أبدا، ولم يحاول أن يجعل منه مذهبا متزمتا (عيب عليك يا نجيب، لماذا لا تحيد عن رأيك! ). لقد وجد لغة الكتابة التي أمامه هي اللغة الفصحى (عجيبه: شوف إزاى)، ووجد من طبائع الأمور أن يستعملها فيما يكتب. والواقع أن استعمال العامية يمكن أن يصدم كثيرا من القراء بدلا من أن يؤثر فيهم تأثيرا مباشرا. إذ ليس من المألوف أن تتناول الموضوعات الجادة. أضف إلى هذا دور الفصحى بوصفها وسيلة التفاهم في العالم العربي كله. ونجيب محفوظ لا يكتب لمواطنيه المصريين وحدهم. وأخيرا فإن اللغة الدارجة تعد في رأيه علامة "على الجهل، وهي لن تصلح للاستعمال في عمل فني يهدف إلى نشر الروح العلمية" انتهى، (ونجيب محفوظ مخطئ في رأيه بلا شك! )(انظر مجلة الثقافة، العدد 61، من ص 26 - 34).
وظاهر أن هذا الأعجمي الألماني شديد الحب لنجيب محفوظ، وهو أشد حبا للمصريين، لأنه يريد أن يكون ما يكتبه نجيب عاملا مهما (يشد اهتمام القارئ البسيط ويأسره، ليتمكن بعد ذلك من إثارة تفكيره! ) -لا بل هو أشد حبا للمصريين من سلفه الألماني العظيم (الذي لا أظن أن أحدا يعرف اسمه في بلاد ألمانيا اليوم! ) وهو: "ولهلم سبيتا"، الخبير بتكنولوجيا اللغة في القرن التاسع عشر والذي ألف كتابا يدعو فيه المصريين بالشفقة والرحمة التي في قلبه، ليتخذوا العامية لغة للكتابة والتأليف. و"ولهلم سبيتا" هذا فدائى عظيم، عرض نفسه للمتالف في سبيل مصر! ولذلك قال في مقدمة كتابه:
"وأخيرا سأجازف بالتصريح عن الأمل الذي يراودنى على الدوام طول مدة جمع هذا الكتاب، وهو أمل يتعلق بمصر نفسها، (انظر، ما أشد حبه لمصر)، ويمس أمرا هو بالنسبة لها وإلى شعبها يكاد يكون مسألة حياة أو موت (شوف إزاي) (فكل من عاش فترة في بلاد تتكلم العربية، يعرف إلى أي حد كبير تتأثر كل نواحي النشاط فيها، بسبب الاختلاف الواسع بين لغة الحديث ولغة الكتابة). "راجع كتاب الدكتورة نفوسه زكريا: تاريخ الدعوة إلى العامية وكتابى: أباطيل وأسمار".
وهذا الألماني الجديد، ليس أقل منه مجازفة وفدائية في سبيل مصر ونجيب محفوظ خاصة وإلا فلماذا جازف هو الآخر، بعد هلاك سلفه منذ مئة سنة (توفي ولهلم سنة 1883 م)؟ ودعنا من قصة "العامية" في البلاد العربية، ولكن المهم الذي ينبغي أن تعلمه، هو أن هذا الأعجمي الألماني الفاضل، مجاهد عظيم، فإنه من كبار الدعاة في لغته الألمانية نفسها، إلى طرح اللغة الألمانية الفصيحة التي كتب بها شعراؤها وعلماؤها وفنانوها وقصّاصوها، وإلى استبدالها باللغات العامية الألمانية المختلفة، وإلى إحياء ما مات منها منذ قرون! هكذا ينبغي أن يكون شأن فدائيته! !
من الغرائب أيضًا أن هذا الرجل العظيم شديد التنبه للعيوب الفادحة في "فصحى نجيب محفوظ"، فقد وقع على ما لم يقع عليه الأب جاك جومييه، ولا ساسون سومبخ اليهودي، ولا شومان، ولا فاتيكيوتيسى، وسائر العلماء والمفكرين العظماء الذين درسوا "أولاد حارتنا" دراسة مستفيضة. ونبهنا إلى أنه يتردد في "فصحى نجيب محفوظ" "إيقاع قرآنى" (مثل التعبير الوارد على صفحة 344: يؤدي الإتاوة صاغرا). ويعني بهذا الكشف الجديد (الإيقاع القرآنى لفظا واحدا وهو "صاغرا"، فوقوع هذا اللفظ وحده في أي كلام، يجعل في الكلام "إيقاعا قرآنيا"، والدليل على ذلك أن لفظ "الإتاوة" لم يرد في القرآن البتة، ولفظ "يؤدي" مع أنه جاء في بعض الآيات في ذكر "أداء الأمانة"، فإنه أيضًا لفظ يجرى في العامية قديمها وحديثها كقولهم "يؤدي له خدمة" أما
"صاغرا"، فهي وحدها التي جاءت في قوله تعالى:{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [سورة التوبة: 29]. فبالإحساس الدقيق المتوهج الذي يتمتع به هذا الخبير بتكنولوجيا اللغة العربية فصيحها وعاميها، وبتكنولوجيا الشعوب العربية والإِسلامية: استطاع أن يحس بما لم يحس به أحد، ولا نجيب محفوظ نفسه، أن هاهنا في هذه الكلمات الثلاث "إيقاعا قرآنيا"! مصدره لفظ واحد! لفظ واحد! هو "صاغرا! "(وبالذمة بقي، ده مش فكر تكنولوجى خفيف الدم! ! ).
زلة كبيرة، كان على نجيب محفوظ أن يحترس كل الاحتراس في فصحاه. ليطرد من هذه الفصحى كل لفظ جاء في القرآن، فإن هذا الخبير بتكنولوجيا اللغة في القرن العشرين قد أفتاه بأن كل لفظ ورد في القرآن يوشك أن يجعل في كلامه "إيقاعا قرآنيا" غير مرغوب فيه. وأنا أحب أن أشارك في "لوم نجيب محفوظ بسبب تمسكه بالفصحى"، وخاصة بعد أن قامت في مصر منذ قديم جهة ذات اختصاص في هذا الأمر، وهي تبذل اليوم جهودا عظيمة في سبيل تنقية (اللغة العربية المعاصرة) من مثل هذه الألفاظ، ويتولى العمل في هذه السبيل أساتذة جلودهم عربية، وبين أشداقهم ألسنة عربية، وهم يتأهبون لإصدار معجم تكنولوجى يتضمن (اللغة العربية المعاصرة)، بعد طرد مثل هذه الألفاظ من لغة الكتابة والحديث. كان على نجيب محفوظ أن يستشير هذه الجهة قبل أن يقدم على استعمال ألفاظ في كتابته، تشينها شينا عظيما عند الخبراء التكنولوجيين المحدثين. والأستاذ نجيب قادر على الوصول إلى تلك الجهة المختصة، فإنها جامعة مشهورة معروفة (1)، تتدفق عليها الأموال والصدقات من كل المحبين للعرب وللغة العرب، وللإسلام، من جميع أقطار العالم غير العربي وغير
(1) يعني الأستاذ شاكر الجامعة الأمريكية بالقاهرة. واسم المعجم الذي أصدرته هو: معجم اللغة العربية المصرية، من تأليف الدكتور سعيد بدوي والدكتور مارتن هاينز.
الإِسلامى. هناك سيجد نجيب من يرشده أيضًا إلى "الصيغ العتيقة" التي ينبغي أن يصون نفسه عن خبائثها، مثل:"فوه وفاه، وفيه"، فإن إخلاء كتابته من هذه الخبائث كفيل بأن يطفئ ظمأ الظامئين، وأن يحقق أماني المتمنين، الذين يتطلعون تطلعا إلى "ترجمة هذه الرواية إلى اللغات الأوربية"! هذا واجب عليه حتى لا يتكرر مرة أخرى ما حدث لألبرتو مورافيا، حيث بقي هذا العمر الطويل، وهو لا يعرف كاتبا عربيا واحدا، لأنه لم يُتَرجَم من أعمال هؤلاء الكتاب شيء إلى اللغة الفرنسية أو الإِنجليزية أو الإيطالية، أو كما قال مورافيا! .
ملاحظة: ألبرتو مورافيا كاذب، لأننا نعرف كاتبا عربيا مشهورا على الأقل، ترجمت آثار حضرته إلى الفرنسية والإِنجليزية والروسية (1) .. إلخ، ولما ظهرت هذه الكتب أحدثت في عالم هذه اللغات ضجة تسامع بها كل حي ينتسب إلى هذه اللغات. وبترجمة آثار حضرته دخل أدب الأمة العربية في آداب "اللغات الحية" دخولا لا شك فيه! ! مورافيا كاذب، أو أصم لا يسمع، أو أعمى لا يقرأ.
أما سائر المقالة (الثقافة، العدد: 61)، ففي أسطرها روائح كثيرة تفوح، روائح من صنف آخر، روائح لم أزل أشمها تفوح من تحت الثياب، منذ عرفت في شبابي عن قرب كبار هؤلاء الخبراء التكنولوجيين، منذ عهد المبشر البروتستانتى زويمر القس، إلى ويلككس، إلى أن تمصرت هذه الروائح في ثياب كثيرة ذكرتها في كتابى "أباطيل وأسمار". أما الآن فقد فشت هذه الثياب فشوا واسعا، وتجنست بجنسيات عربية وإسلامية كثيرة، وفيها الغَناء، إن شاء الله، عن جميع هؤلاء الغرباء الخبراء بتكنولوجيا اللغة العربية فصيحها وعاميها، وبتكنولوجيا العالم العربي والعالم الإِسلامى. ومع ذلك، فأنا أرى أن على نجيب محفوظ منذ الآن، أن يحيد عن رأيه في التمسك بالفصحي، وأن يدخل في عصر التكنولوجيا اللغوية الحديثة، وإلا فاته الركب، وبقي بقاء سرمدا مع
(1) هذا الكاتب هو الأستاذ توفيق الحكيم رحمه الله.
مخلفات القرون البائدة. هل تقبل، يا أخي أن تكون عاجزا كل هذا العجز، حتى يقول لك الخبير الذي تجب عليك طاعته:"لقد وجد لغة الكتابة التي أمامه هي اللغة الفصحي، ووجد من طبائع الأشياء أن يستعملها فيما يكتب"، وجدت، فانسقت انسياقا! أهكذا يكون موقف الأساتذة الكبار مثلك! عار عليك باق، فاغسل عنك هذا العار.
ولكن بيني وبينك يا أخي نجيب، المسألة كلها جاءتك وجاءتنا في ثياب الجد الركين، إلا أن اللغة العامية لا تعرف لهذه الثياب اسما إلا اسما واحدا هو:"تهميش"! وأظنه لفظا لا يغيب عنك مهما اشتد تمسكك بالفصحي، وإعراضك عن العامية. (كده ولا أنا غلطان! وشوف إزاى أنا باستعمل العامية)، لكي أدخل في عصر التكنولوجيا الحديثة! أليس هذا موقفا حضاريا! !