الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بحق نوعا من التفريغ في العقل العربي المعاصر، وتجعل القارئ العربي الذي لم يعد يكتفي بتكوين معارفه الثقافية، من كتابة ما يكتبه الأستاذ شاكر وأمثاله، تجعله حائرا متشككا غير قادر على المقارنة بين فكر رافض لا يقوم على أساس من البحث والتمحيص، وبين فكر لا يتوقف عن الجدل حول أغلب الأفكار المطروحة من قبل العصر، بين الدعوة إلى الغربة الروحية والعقلية، وبين الاكتفاء بالخواء العقلي والروحي".
وأنا قد نقلت هذا الكلام بنصه، لأنه كلام لا يحتمل التجزئة، لتناسقه أولا، ثم لأنها عادتى في وضع النصوص بين يدي من يقرأ كلامي، بلا عبث، بلا تحريف. عادة يعرفها عني كل من قرأ ما أكتب.
في الطبعة الجديدة "للمتنبى
"
وقبل كل شيء، فليس من عادتى أيضا أن أرفع الناس فوق منازلهم، ولا أن أضعهم دون منازلهم، لا نصا بكلام أكتبه، ولا استنباطا يمكن أن يستنبطه قارئ لما أكتب، إلا أن يتوهم متوهم أشياء، فأنا بالطبع غير مسئول عن هذا التوهم. كل ما أملك هو قلم أعبّر به عن رأي أكتبه، أكتبه بألفاظ محددة صريحة، بلا رموز ولا إشارات ولا مخاتلة. هذا كل ما أملك، وهذا كل ما سأفعله هنا الآن، لأنه غاية قدرتى.
فإذا جاء كاتب، كالدكتور المقالح هذا يقول إني أتهم الدكتور طه بتهمة تعطيه من التأثير أكثر مما تعطى للاستعمار والصهيونية وقوى التخريب المختلفة، وتمنحه قدرة خارقة لم تكن عفاريت الأساطير تملك بعضًا منها فهذا الجائى، بلا شك عندي، لم يقرأ لي شيئا قط، أو قرأ ولم يفهم، أو فهم شيئا عن طريق التوهم، لا عن طريق الاستنباط من لفظى وكلامى. فأنا قد عرفت الدكتور طه وقرأت له منذ كنت صغيرا في الرابعة عشرة من عمرى سنة 1923 م، إلى أن توفي سنة 1973 م، عرفته قارئا وتلميذا له في الجامعة، ثم رجلا بيني وبينه من المودة، مع بعد الشقة بيننا والاختلاف، زمنا أطول من مدة القراءة والتلمذة. فليس إذن بمستساغ ولا معقول أن أخالف عادتى فأرفعه فوق منزلته عندي،
ولا أن أضعه دون منزلته في نفسه، وأنسب إليه هذه الخوارق التي ذكرها الدكتور المقالح. لا أدري كيف توهم الأستاذ الدكتور هذا التوهم! هذا شيء! ! .
أما "التهمة" التي ذكرها ووضعها بين الأقواس، فهي إشارة إلى ما كتبته في مقدمة كتابى "المتنبى"، الذي كتبته قديما سنة 1936، فلما أعدت طبعه سنة 1977، كتبت هذا المقدمة وسميتها "قصة هذا الكتاب -لمحة من فساد حياتنا الأدبية"، وتعرضت فيها لما سميته "التفريغ" وهو اللفظ الموجود في التهمة التي بين الأقواس.
وأنا مضطر هنا أن أتعرض لبيان ما في هذه المقدمة، لأنها هي التي جلبت عليَّ هذا السَّيل من الألفاظ التي استعملها الدكتور المقالح، وأعطت قراء مجلة العربي، معلومات لا أصل لها عندي، أي فيما كتبت مطبوعا منشورا في كتاب! !
بدأت هذه المقدمة من ص 9 إلى ص 26، وفيها قصتى مع الدكتور طه، وكتاب الشعر الجاهلي، وأنا طالب في الجامعة وتلميذ للدكتور طه، حتى تركت الجامعة في سنة 1928 ووصفتُ الدكتور طه بألفاظ صريحة بلا عبث ولا مخاتلة، وليس في هذا القسم ذكر لما سميته "التفريغ".
ثم قطعت هذا الجزء من المقدمة، وابتدأت في حديث آخر من ص 27 إلى أواخر ص 39 وبدأت هذا الفصل هكذا!
"ومرت الأيام والليالي والسنون، ما بين سنة 1928، وسنة 1936، وهي السنة التي كتبت فيها هذا الكتاب "المتنبى"، وهمي مصروف أكثره إلى قضية الشعر الجاهلي، وإلى طلب اليقين فيها لنفسي، لا معارضة لأحد من الناس (وأعنى الدكتور طه بالطبع). ومشت بى هذه القضية في رحلة طويلة شاقة، ودخلت بى دروب وَعِرة شائكة، وكلما أوغلت، انكشفت عني غشاوة من العمى، وأحسست أنى أنا والجيل الذي أنا منه، وهو جيل المدارس المصرية، قد تم تفريغنا تفريغا يكاد يكون كاملا من ماضينا كله، من علومه وآدابه وفنونه. وتم أيضا هتك العلائق بيننا وبينه، وصار ما كان في الماضي متكاملا متماسكا،