الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رَسَائِل القُراء
(حول قصيدة القوس العذراء)
أخي الأستاذ محمد سعيد المسلم
. . . شكرًا شكرًا. وبعد، فلست أنكر ما قلت، ولا ما قال من قبل صديقي الأستاذ جمال مرسى بدر. فالذي جرى عليه العملُ -كما يقال- هو ما قلتما. أبدأ بما ختمت به رسالتك، فقد ذكرت هذا البيت (ص 173؛ مجلة الكتاب، فبراير سنة 1952).
أغثنى! أجل! باع! ماذا! أباعَ
…
نعمْ باعَ! حقًّا! أجل
والعجز كما رأيت مختل الميزان، وهو عندي مختلّ المعنى أيضًا، وصوابه:"نعم باعَ! قد باعِ! حقًّا فعلْ! "
وسقطت "قد باعَ" في نقلي أنا من نسختى إلى نسخة المطبعة، لما شغلنى به البيت والأبيات قبله من كثرة "البعبعة".
أما القسم الأول من رسالتك، فيحتاج إلى إطالة في ذكر العروض والقوافي، وإلى الإفاضة في ذكر بحر الرمل، وما يطيقه وما لا يطيقه. وأختصر القول اختصارًا. فأنا لم أفعل ما أنكرته إلا في أبيات قليلة من بحر الرمل، وكان يسيرًا أن أقيمها بأهون الجهد، ولكني قبلت منذ قديم، أن أخلط في بحر الرمل بين أعاريضه وضروبه على اختلافها، وأن أنتقص بعض تفاعيله أو أزيد عليها، وأن أدخل فيها حشوًا قليلا أحيانًا. وبحر الرمل أقرب بحور الشعر كلها إلى النثر، وتستطيع أن تكتب كتابًا كاملا موزونًا على تفاعيل هذا البحر، وأنت غير متقيد بضروبه وأعاريضه، ولا بأعداد هذه الضروب والأعاريض، ثم يكون الكتاب موزونًا مقبولا في السمع، خفيفًا على اللسان حافلا بالموسيقى التي لا تنتهي.
فإن استطعت أن تجرب هذا، وأن تحاول كما حاولت أن تسيغه، فإنك
(*) مجلة الكِتاب، المجلد الحادى عشر، سنة 1952. وفي الأصل: حول كتاب طبقات فحول الشعراء. وهو خطأ، فصححته لما يدل عليه فحوى المقال.
ستصيبُ في لين هذا البحر، وفي حسن تقلبه معك، وفي سماحته وسخائه بما لا يسخو به بحر غيره - ما تشاءُ من الروح والراحة.
فإن لم تسغه، ولم تسغ أبيات قصيدتى هذه، فاجعلها في الشعر كقصيدة عبيد بن الأبرص التي قال فيها ابن كناسة "لم أرَ أحدًا ينشد هذه القصيدة على العروض"، والتي قال فيها القدماء من شيوخنا: إنها "شعر مهزول غير مؤتلف بناء" وأنها "لكثرة ما دخلها من الزحاف كادت أن لا تكون شعرًا"، ثم عدّها شيوخ آخرون من الملحق بالسبع الطوال (المعلقات)، أو من المجمهرات. يحقّ لهم أنّ يعدوها كذلك، فهي من بارع الشعر وفاخره ولم يعبها أنها مهزولة غير مؤتلفة البناء، تكاد تخرج عن مدارج الشعر. فإذا لم تستطع أن تسيغ من قصيدتى هذا ولا ذاك، فاطرحها عنك، فما أظنك تخسر إن فعلت قليلا أو كثيرًا.
وأرجو أن لا تعدنى مجددًا أو مخترعًا في بحر من بحور الشعر، فما ذاك أردت، ولا هذا فعلت، ولكني رأيت تفاعيل هذا البحر مطيقة للحركة الشاذة، مطيقة للاحتمال. نغم لم يألفه بحرها المقيد، مطيقة للتوجه بى حيث توجهت، فامتطيتها مما شئت فأطاعتني، ولم أنكر من طاعتها شيئًا، واستوت معى على الطريق.
وعسى أن يأتي يوم أبلغ فيه مرضاتك، وأكتب في شأن هذا البحر كلامًا متصلا، حتى تعرف رأيي فيه بأسلوب علمي محضٍ، ولك مني أجزل الشكر والسلام.