الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
احذروا أعداءكم
!
تكاثر الحديث فجأة عن إلغاء المعاهدة، ولم يبق لسان ولا قلم لم يجر عليه حديث إلغائها، ولكني وقفت طويلا أتردد أن أغمس قلمى أو لساني في شأنها، حتى يستقر قرارى على ما ينبغي أن أكتب أو أقول. ثم تبين لي أن ثقل الصمت أفدح من وزر الكلام. وتبين لي أنه لابد من بيان وتفسير لما نحن فيه، وإلا فنحن صائرون لا محالة إلى مصير مفزع تسوقنا إليه سياسة الاستعمار. فإذا لم نفهم الآن كل الفهم ماذا يريد بنا عدونا، فلن نجد غدا من شره نجاة، وسنظل دائما في حيث أراد بنا أن نكون، وسنسير أبدا إلى حيث يريد لنا أن نسير.
وقبل كل شيء، ينبغي أن نفرق بين الشعب والحكومة. فالحكومة في البلاد المنكوبة بالاحتلال، جزء من نظام الاستعمار، ولو زعمت أنها مستقلة في تصريف سياستها. ومن خداع النفس أن يتصور إنسان أن الحكومة تمثل إرادة الشعب، أو تفكر مثل تفكيره، وبخاصة إذا ثبت ثبوتا قاطعا أن جميع حكومات الاستعمار، لم تستنكف أن تعاونه مرات، وأن تخضع لما أراد أن يخضعها له، وأن تبقى في مناصب الحكم وهي تعمل بأمره وتحطب في هواه.
وطريقة الحكومات في البلاد المحتلة، هي أن تهادن الغاصب وتفاوضه وتعاهده، أما الشعوب فلا تعترف بالمهادنة والمفاوضة والمعاهدة، إلا أن يدعى مدع أن الحكومة تمثل الشعب، فإذا رضيت هي شيئا، فالشعب راض عنه! وهذا باطل من أساسه، لأنه مناقض لطبيعة الحق الخالد: وهو أن الشعوب لا ترضى أبدا بالاستعباد وإن جاء في صورة معاهدة.
فالحكومة والشعب شيئان مختلفان كل الاختلاف في عهد الاستعمار، ومن أجل ذلك كانت كل معاهدة بين الحكومة وبين حكومة الغاصب المستعمر، معاهدة باطلة من أساسها. والشعب لا يطالب بإلغائها، لأنها ملغاة فعلا في
(*) اللواء الجديد، عدد 18 سبتمبر سنة 1951
نظره، لا يعترف بها أبدا: لأنها معاهدة معقودة بين المستعمر وصنيعة المستعمر، فهي لا تتعدى أن تكون معاهدة عقدها المستعمر بينه وبين نفسه.
فإذا جاءت ساعة رأينا فيها الحكومة الضالعة مع المستعمر تقول: "لابد من إلغاء المعاهدة"، وسمعنا أصوات الشعب تردد الكلمة:"لابد من إلغاء المعاهدة" فربما خيل الى الناس بل الى الشعب نفسه أحيانا، أن معنى الكلمة واحد في لسان الحكومة وفي لسان الشعب. ولكن هذا باطل، وغير معقول أيضا، بل هو ما قيل فيه:"كلمة حق أريد بها باطل".
كلمة الحكومة قاصرة على الإلغاء القانوني، واستبدال معاهدة بأخرى، لأن المعاهدة التي يراد إلغاؤها قد استنفدت أغراضها مثلا. أما الشعب فلا يذهب هذا المذهب في الإلغاء القانونى للمعاهدات بين دولتين مستقلتين، بل يريد أن لا يعترف بهذه المعاهدة، ولا بإبرام معاهدة بين الحكومات الضالعة مع المستعمر وبين الاستعمار، وأن هذه الحكومات لا تمثل إرادته، وأنه أراد أن يقول إنه عازم على أن يجعل عدم اعترافه بالمعاهدات أمرا واقعا، وإنه سيقاتل المستعمر بطريقة الشعوب في طلب الحرية .. أي بقتال المستعمر في كل زاوية وطريق، بالليل والنهار، وبكل أداة يملكها، وبكل وسيلة يطيقها، رضيت الحكومات عن ذلك أو لم ترض وما أبعد ما بين المعنيين! بل هما غرضان متناقضان.
وإذن، أليس عجيبا أن تكون طائفة الساسة الذين عقدوا معاهدة سنة 1936، هم أنفسهم الذين يذمون هذه المعاهدة نفسها يطالبون بإلغائها! وهم أنفسهم أصحاب مبادئ المهادنة المعتدلة التي لا ترى محيصا من عقد معاهدة أخرى مع المستعمر! وهم أنفسهم الذين كانوا منذ أيام قلائل يفاوضون ويذهبون ويجيئون للاتفاق على نص يرضى الشعب فيما يزعمون! أنه لعجيب، ولكن لابد من تفسير:
انتهت الحرب الماضية، وعلمت بريطانيا أن شعب مصر والسودان، بل شعوب العالم العربي والإسلامي، تموج بآلاف من قوى مختزنة في الشباب وغير الشباب، وأنها توشك أن تنفجر، وأنه لابد من تبديد هذه الطاقة المختزنة قبل أن يحين انفجارها.
وكادت الثورة تندلع في سنة 1946، ولكن سرعان ما حولت عن وجهها، إلى الخديعة الكبرى المعروفة بتعديل المعاهدة، وشغل الناس بها زمنا طويلا، وانبعث أشقاها يتولى حوك هذه الخديعة وإطالة أمدها، وهو بطل قديم من أبطال الساسة الدجاجلة صنائع الاستعمار. وأفلح الخبيث، وفازت بريطانيا بعض الفوز. ولكن لابد من تبديد الطاقة، فإنها أكبر من أن تقضى عليها خديعة واحدة. فإذا بريطانيا تمكن لليهود كل التمكين هي وأعوانها، وإذا الدول العربية جملة واحدة تنزلق إلى ما تريد، فتدخل حرب فلسطين بجيوشها، وإذا الهزيمة المنكرة، وما تبعها من اضطهاد وتشريد واستبداد ومخاوف بالليل والنهار. ولم تكد تنتهي هذه الخديعة، حتى جاءت الانتخابات المضحكة التي انتهت بمجيئ الوفد فجأة إلى الحكم، بعد اليأس كل اليأس من عودته. وما هو إلا قليل، حتى أثيرت القضايا الكثيرة الملوثة التي شغلت القلوب والعقول، ثم انتهت أيضا بما نعلم من الركود والخيبة، وانتصار الخيانات وأصحاب الخيانات. وفجأة ينبعث من كل مكان ضجيج وعجيج في فضائح الاستبداد والظلم والاستبداد والفجور وتبديد الأموال وقضايا الحرية.
وأخيرا ينفجر في هذا الجو الصاخب الثائر، صخب أشد منه. من أين؟ من معسكر الحكومة: إلغاء المعاهدة، إلغاء المعاهدة!
في كل حادثة من هذه الحوادث التي ذكرتها، والتي لم أذكرها، فزعت الأمة كلها: شيبها وشبانها، جاهلها وعالمها، ثم انقلبت يائسة قانطة، وثارت ثم سكنت، واندفعت ثم ارتدت، وغلت ثم فترت. وضاع قسط وافر من الطاقة المختزنة في الشعب شيئا فشيئا. وبدد سخط الألسنة عزائم القلوب. يا لها من نكبة!
ثم يجئ إلغاء المعاهدة، فإذا لسان ثائر يتولى تعبئة الشعب لإلغاء المعاهدة، وهو لسان من ألسنة الحكومة الضالعة مع الاستعمار. وينطلق الشعب يردد: إلغاء المعاهدة! بيد أن الحكومة -كما قلنا آنفا- تذهب في إلغاء المعاهدة مذهبا، أما الشعب فيذهب في الحقيقة مذهبا يناقضه كل المناقضة. فيا له من إشكال عسير معقد!
أن كل عاقل يستطيع أن يسمع همس الاستعمار في هذا الضجيج الصاخب، ويرى أصابعه من خلال الغبار الثائر: ويرى غايته في الاحتيال على تحطيم إرادة الشعب، وتحطيم ثقته بنفسه، وتحطيم إيمانه، وتحطيم تفكيره، وتحطيم أخلاقه وتحطيم عزائمه، وتحطيم قدرته على العمل. والحكومة صنيعة له، فهي أداة من أدوات هذا التحطيم.
وكل عاقل يستطيع أن يرى تماثيل الأبطال القدماء من صنائع الاستعمار، وهي تتهاوى في قبور الثرى، وفي حفر النسيان، وفي مصارع الشيخوخة، وفي مزالق العجز والفناء.
وكل عاقل يستطيع أن يبصر في هذه الظلمة المتبلبلة أنامل الاستعمار -على اختلاف دوله وأجناسه وأهوائه- وهي تصنع للشعب دمى من الأبطال الكذبة، ليخرجوهم على أعين الناس في مسرحية مصارعة الاستعمار بأساليب الشعوب الوطنية، لكي ينخدع الشعب بهم ويطمئن إلى أعمالهم، وليحلوا بعد قليل محل الجيل الفاني من صنائعه. ويتم كل ذلك بأسلوب طبيعي، على التدريج، وبلا مفاجأة، حتى لا يكون الأمر مدعاة إلى الريبة، بل إلى الاطمئنان والرجاء تارة، وإلى الإعجاب والعذر تارة أخرى.
فما الذي يرمى إليه الاستعمار إذن، بأن يدفع صنائعه التي استحدثها في هذا العهد الأخير، لكي يتولوا هم قيادة الشعب، بلسان كلسان الشعب، يستخدم كلمة يريد بها هؤلاء الصنائع معنى، ويريد الشعب معنى آخر؟ يريدون بها معاهدة تلغى وتحل محلها أخرى، ويريد الشعب بها أنه لا يعترف بأية معاهدة مع المستعمر، ولا يريد أن يسمع ذكر معاهدة أخرى، بل يريد الحرية كاملة بلا قيد ولا شرط، ينالها بالطريقة التي تنال بها كل حرية.
هناك وجوه كثيرة لتفسير ما يريده بنا الاستعمار، ولكني سأقتصر الآن على أبشعها وشرها: تلغى المعاهدة، ويتولى الأبطال المزيفون قيادة الشعب إلى جهاد عنيف، هو راغب فيه لا يهابه ولا يتخوفه، ويصطدم بالاستعمار وجنوده بلا تردد، ويتقدمه بعض هؤلاء الأبطال صاخبين مهللين وما هي إلا خطفة البرق،
حتى نرى جيوش إسرائيل (فعلا) على الحدود، وينازلها الجيش المصري دفاعا عن أرضه، وتظاهر مصر دول صديقة كثيرة "حالها كحالنا ويراد بها مثل ما يراد بنا"، وتنبعث حركات كثيرة قد مهد لها في بلاد كثيرة من العالم العربي والإسلامي، وإذا الشرق الأدنى كله فورة متصلة من الاضطراب العنيف، وإذا نحن وهم جميعا في حاجة إلى سلاح ليس عندنا شيء منه، وإذا الصنائع الجبناء يمدون أيديهم مرة أخرى يطلبون الإنقاذ من بريطانيا وأمريكا وسائر دول الاستعمار، وإذا هذا الإنقاذ نفسه يصبح كالدليل على بطولة هذه الدمى، وإذا المعاهدات تعقد في كل مكان كخطفة البرق أيضا، وإذا الألسنة التي دعت لإلغاء المعاهدة، تقذف الجماهير بالألفاظ الغرارة الخداعة التي استعملت في سنة 1936، وإذا الشعب يسكن بعد هذه الجهود المضنية الطويلة، وإذا حرب أخرى تنبعث وإذا جنود الطغاة المستعمرين من كل جنس بين ظهرانينا تغدو وتروح: لها بيوتنا وأقواتنا وأرزاقنا وأخلاقنا ونساؤنا وأبناؤنا وتجارنا وموظفونا، وإذا كل طفيلى من صعاليك الأجانب يصير إلى الغنى بإفقار الشعب، وإذا الحياة كلها متاع لهم وخدم، وتذهب الأموال والأعراض والدماء لكي نعود بعد هذه الحرب الجديدة، إلى المطالبة بإلغاء معاهدة سنة 1951 (مثلا) التي "استنفدت أغراضها"، والتي "أصبحت غير ذات موضوع"، والتي "كانت نكبة"، والتي "وقعت تحت الضغط والتهديد" إلى آخر ما جاءت به ألسنة الأبطال القدماء الكذبة، الذين وقعوا معاهدة سنة 1936.
أنه خطر داهم، فعلى المخلصين في هذه البلوى نظرة الأناة لا العجلة، وأن لا يدعوا قيادة الشعوب إلى جهاد المستعمر تفلت حتى تستقر في يد الأبطال الكذبة، كما أفلتت منذ سنة 1919 وما بعدها. وليعلموا أن ساعة الجهاد والنزال هي التي نحددها نحن لأنفسنا، لا التي تحددها سياسة الاستعمار على ألسنة الدجالين والكذبة والمنافقين من صنائعها. وطريق الحرية شاق طويل، ولكنه وحده هو الطريق.