الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لا تنسوا
..
لا أعلم نكبة نزلت بالشرق العربي والإسلامي بلدا بلدا كانت أفحش أثرًا وأشأم عاقبة من نكبة النسيان والغفلة. لقد نسينا نسيانا تاما أن العالم كما هو في الواقع الذي نشهده بالليل والنهار، قد انقسم قسمين: قسم من الأقوياء، يقع الصراع بين قواه حتى يبلغ الحرب العالمية المدمرة، وهو إنما يصطرع ويقاتل، على القسم الثاني من العالم، وهو الضعفاء. والقسم الأول من هذا العالم يرى أنه هو السيد، وأن القسم الآخر هو العبد الذي لا ينبغي أن يطمح إلا بقدر محدود يُعِينه على أن يكون حسن الإنتاج في خدمة هذا السيد. وهؤلاء الأقوياء هم شيء واحد وإن اختلفت أسماؤهم: بريطانيا، روسيا، أمريكا، فرنسا، هولاندة، أسبانيا. وهم إن اختلفوا فيما بينهم، لا يختلفون أبدا على القسم الثاني من العالم، وهو الشرق المستعبد، ينبغي أن يظل كما هو، وأن يتعاونوا جميعا عليه حتى يبقى كما هو، ومن استطاع أن يستعمر بنفسه فعل، ومن لم يستطع فهو يؤازر أخا له على الاستعمار واستعباد الأحرار. أنه شيء معلوم بالضرورة، لأنه ظاهر بين.
بيد أننا ننسى كل هذا، وقد أنشأ المستعمر مثلا مدارسنا بيديه، ووضع لنا برامجها بنفسه وتولى الإشراف عليها حتى نشأ الجيل الذي يستولى به على أداة الحكم كلها، ومنها وزارة المعارف. فنحن نتعلم في هذه المدارس والجامعات وننسى أن أكثر ما يلقى الينا: أما علم "يصرفنا عن التأهب لقتال الغاصب المستعمر" أو علم يقرب ما بيننا وبينه ليكون التفاهم معه أقرب، والاعتدال في عدوانه أدنى وأسرع، ونحن نتكلم عن الاستعمار الاقتصادى ولكننا ننسى فنعيش بهذا الاقتصاد، وفي ظل نظامه الاجتماعي يوما بعد يوم عيشة اللاهي المستمتع، بل عيشة الذي لا يرى الحياة إلا هذا الضرب من الحياة.
إننا ننسى أن هذه الأمم المستعمرة قد نزلت بكل مكان وكل أرض،
(*) اللواء الجديد، عدد 7 أغسطس سنة 1951، ص 3.
بجيوشها تارة، وبسياستها تارة أخرى، وباقتصادها تارات أخر، وبحضارتها في كل ساعة من ساعات الحياة التي نعيشها. فإذا رأينا مثلا حوادث تتتابع وتتلاحق فجأة وفي كل مكان، فِكَرنا في كل واحدة منها هي فِكَرُنا في كل واحدة منها على حِدَة ونسينا الذي وراء الستار، نسينا الدافع الذي في يده أن يدفع، وفي يده أن يمنع. تثور إيران، ويضطرب ما بين الهند وباكستان، وتنشب معارك بين بعض البلاد وإسرائيل، وتتقابل أحزاب السودان وتتشقق، وتضطرب معاني القلق في مصر، ويقتل وزير، ويهلك منصوب على عريق من الذهب البريطاني وتقوم مشكلة دولية مفتعلة كناقلات البترول، وتدور تمثيلية المفاوضات بين انقطاع واتصال، وتظهر فجأة المادة الخامسة عشرة من الدستور، إلى ضروب أخرى من الأحداث في كل ناحية من نواحي الحياة الاقتصادية والسياسية والفكرية وتأتي كلها في وقت بعينه، ويشغلنا شيء منها عن شيء، وندور مع هذه الأحداث كما تدور، بلا روية وبلا تفكير.
ما معنى هذا كله؟ لا شيء. إن الشرق العربي والإسلامي، يحاول أو تحاول صحافته على الأقل، أن تفسر كل حدث من الأحداث على أنه أمر مستقل، يجعل عامة الناس يقنعون بأنهم عملوا شيئا، أو استطاعوا أن يعملوا شيئا، أو أنهم أرادوا مجرد إرادة -أن يعملوا شيئا يحقق وجودهم في هذه الدنيا. وقلما تجد من يحاول أن يرتاب في الباعث الذي يحرك كل هذه الأحداث مرة واحدة، ويجعلها في أعيننا متلاحقة متداركة، في أوقات متقاربة ومقرونة بضجة صاخبة طويلة عريضة كمهزلة قضايا الجيش! قل أن تجد من يحاول أن يرتاب أدنى ريبة، لأننا نسينا، وأريد بنا أن ننسى أن الاستعمار أو المستعمر موجود بين ظهرانينا، بجيوشه، وباقتصاده، وبسياسته، وبأسلوب تفكيره الذي ارتضاه لنا، وبحضارته التي بثها فينا واستعبدنا لها، وبأداة حكمه من زعماء ووزراء وأعوان لهم في كل مرفق من مرافق الحياة. وبأنظمة حكمه من دستورية واستبدادية وعرفية! فأي نكبة أبشع، وأي بلاء أفظع من أن تفقد الأرض التي اسْتعبِد أهلها من يحذر الناس ويقول لهم: لا تنسوا، وقبيح بكم أن تنسوا أن المستعمر الخبيث قد اختبأ وراء كل عمل يغركم ظاهره.
إنه ليس من المعقول أن تحدث هذه الأحداث فجأة، متوافقة في ترتيب الحدوث، بغير تدبير سابق. فإذا خفي التدبير، وعجز صاحب الرأي عن تفسير الغرض من حدوثه، فليس معنى ذلك أنه ليس تدبيرا مبيتا وأنه جاء فجأة متلاحقا لغير غرض محدود. إن صريح العقل يوجب على كل ذي عقل أن يرتاب، وأن يجعل الريبة مقرونة إلى الاستعمار وأعوان الاستعمار وأن يرى وراء هذه الأحداث شيئا واحدا، هو المستعمر نفسه. ويقتضينا صريح العقل أن ننسى الأحداث نفسها، لنذكر غاصب بلادنا، والمعتدى على حريتنا، ثم نعمل على بث الريبة في كل نفس وكل فكر، فلا نضيع أيامنا وليالينا في النزاع على أحداث لا معنى لها. إلا أن الاستعمار قد نجح في أن يشغلنا عن نفسه بأنفسنا، وفي أن يذكرنا بهذه التوافه الصاخبة، لننسى القارعة الكبرى، وهي وجوده في صور مختلفة عميقة في حياتنا بالليل والنهار.
من الغفلة أن تصطخب الأصوات، ويصطرخ المتنازعون في الدستور وغير الدستور، وفي المذاهب وغير المذاهب، وفي رفع مستوى المعيشة وغير المعيشة، وفي أخطاء وزراء الاستعمار وغير وزراء الاستعمار، ويظل اسم بريطانيا وأمريكا وروسيا وفرنسا وهولاندة وأسبانيا ضميرا غير مذكور، ومنسيا غير معروف، وغائبا غير مشهود. إن الحياة لا تعاش بالأوهام، وإنما يعيشها من أراد أن يعيش بالإرادة الصادقة، وبالرأي الصريح، وبالهدف البين، وبالحق الذي لا يتجزأ، وبالمشقة التي توهن البدن وتستهلك القُوَى. فإذا أردنا الحياة، فإنما حياتنا أن نعرف العار الذي ألبسنا ذلة الاستعمار، فلا ننام حتى ننفض عنا الذل، بإعلان العداوة لعدونا الواحد الذي يتسمى بأسماء كثيرة في هذه الأقاليم المتراحبة من تخوم الصين إلى حدود المغرب الأقصى.
اذكروا اسم عدوكم، فإن نسيانه جريمة. واعرفوا عمل عدوكم فإن جهله هو الذل، وحرضوا أنفسكم على أن تقاتلوه بالليل والنهار، في تفكيركم وأعمالكم، وفي بيوتكم وشوارعكم وفي كل شيء من أشياء الحياة له فيها أثر ظاهر أو رسم خفي. لا تنسو، فإن النسيان هو الهلاك. . . .