الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أندية لا ناد واحد
..
من أكبر الغفلة أن يظن ظان أن السياسة المصرية، بل الحياة المصرية، كانت تستمد أصولها من قلوب المؤمنين بحق بلادهم في الحياة وفي المجد، وأنها كانت خالصة من كل شائبة تفسدها أو تحولها إلى وجهة بعيدة كل البعد عن الصراط المستقيم. حسبك أن تعلم أن في مكان ما، مستعمرا ما، حتى يملأ قلبك اليقين أنه لن يدع الأمور تجري على ما يتفق بغير تدبير ولا سياسة ولا ضبط ولا فكرة. بل ينبغي أن تعرف كل المعرفة أنه لابد له من أن يكون شديد الحرص على أن يقلل أسباب القلق والمخاوف والريب، أو أن يمحوها محوا إن استطاع إلى ذلك سبيلا. وأنه من أجل ذلك ينبغي أن يكون عظيم الحذر، خفي الكيد، رفيق العمل، بالغ الأناة، واسع الحيلة. ولن يبلغ ما يريد من ذلك إلا بأن يستخفي هو عن عيون الشعوب ما وجد إلى ذلك طريقا. وكيف يستخفي إلا بأن يصطنع من أنفس الشعب ناسا يطمئن إلى أنه منه، لأنهم يمشون في ثيابه، ويتكلمون بلسانه، حتى يتشبه على الشعب فيما بعد أمر الصالح والفاسد من أبنائه. فإذا بدأوا يعملون ظنهم الشعب منه، وهم في الحقيقة عدو له. وتجري الأمور عاما بعد عام وجيلا بعد جيل، حتى إذا بلغ الأمر مداه، صار تمييز الحق من الباطل، والبرئ من المجرم، قضية معقدة تحتاج إلى فطنة وتتبع واستقصاء، وتفتيش عن خبايا الأعمال والأقوال، وعن أسرار المودات والمجالس، وعما وراء الأستار الكثيفة التي يعيش فيها كل إنسان على حدة.
كشف اللواء الجديد عن أخبار نادى الشرق الأوسط الذي ذكره جون كيمش في كتابه "الأعمدة السبعة المنهارة"، وجاء في وصفه أنه: يضم موظفين بوزارة خارجية بريطانيا، وأكثر موظفي سفاراتها ومفوضياتها في الشرق الأوسط، وموظفي حكومة فلسطين، وموظفي شركات البترول، وبخاصة
(*) اللواء الجديد، 28 أغسطس سنة 1951، ص 5 - 6.
الموظفين والضباط السابقين الذين خدموا في الشرق الأوسط من عهد لورنس إلى الآن. . . .".
ولكن لم يزد جون كيمش على أن رفع الغطاء عن أصابع أقدام المارد المتلفع في أثياب الحياة المصرية الحديثة كلها.
وهذه الأصابع أهون ما في الأخطبوط المارد.
أين هذا النادى من معاهد التعليم الأجنبية التي تتلقى أبناء مصر وبناتها لتنفث في قلوبهم وعقولهم سحرا يدب في عروقهم ما عاشوا بين الناس؟ أنها بنيت للعلم، هكذا يقال. والحق أنها بنيت لأغراض كثيرة من الاستعمار: منها استعمار القلوب والنفوس والعقول والأهواء. ومنها تليين هذه الفطرة العاتية في الشعوب -وهي كراهة العدو. فعلم هذه المعاهد أن تسل من القلوب الغضة أسباب هذه البغضاء، حتى تألف عدوها فلا تنكره ولا تمقته، بل أكبر من ذلك: أن يستحيل عليها يوما ما أن تقاتله صادقة مستعلنة، أو تطاعنه جريئة مستبسلة. فأين إذن هذا النادى من معاهد الاستعمار أمثال الجامعة الأمريكية ومدارس الليسيه، والمدارس الإنجليزية، ومدارس الجزويت والراهبات وأشباهها، هذه تتدسس في القلوب والعقول والأفكار والبيوت، وفي كل الحياة العامة. فيا بعد ما بينهما!
أين هذا النادى من الأساتذة في الجامعات المصرية الذين نظن أننا نستوردهم لتعليمنا، وهم مستوردون من مصانع تفريخ الاستعمار، يعيشون لغير العلم، ويعملون لغير العلم، ولهم نشاط ضخم في غير العلم، وأكبر همهم أن يبثوا في أبنائنا ما يبعد كل البعد عن حقيقة معنى العلم؟
أين هذا النادى من أندية الشركات المختلفة الجنسية المتفقة الغرض على استعمار أرضنا؟ تستجلب من يصلح لها من المستأجرين صغارهم وكبارهم، وتمهد لهم وتعينهم وتمكن لهم تمكينا، رأيناه يفضى أحيانا كثيرة إلى أن نرى من هؤلاء وزراءنا ورجال سياستنا وأعوان حكوماتنا؟ وأين هذا النادى من أندية الآلاف المؤلفة من المهاجرين المستعمرين الذين استوطنوا أرضنا حتى ملكوا تجارتها وصناعتها وأرزاقها جميعا، وخالطوا الناس وعاملوهم وصادقوهم،
وجاذبوهم الأحاديث في شئون كثيرة، وأهدوا إليهم من الآراء والأفكار ما بلغ خطره على الحياة الاجتماعية والسياسية مبلغا يعجزك تقدير خطره عن الأمم؟
أين هذا النادى من أندية أعوان الاستعمار الذين انبثوا في الصحافة، فوجهوها وجهة معينة في هذا القرن؟ أين هذا النادى من الأقلام الدخيلة المتسترة باسم العلم والفن والأدب والسياسة، وعملها موغل في التغرير بالجمهور المتطلع إلى الفهم والمعرفة؟ أين هذا النادى من الإذاعات العامة، كالسينما والراديو والتمثيل وأشباهها، وهي جميعا ملوثة بالفساد تعمل في تحريكها أصابع لا ترى، وألسنة لا تسمع، تبث في الناس ما تبث باسم اللهو والتسلية والترفيه، وفيها السم الذي لا ينجو ذائقه؟ أين هذا النادى من أندية مبثوثة في كل منزل، وفي كل طريق، وفي كل مكتب- تعمل باسم الصداقة أو باسم الخدمة العامة، أو باسم التجارة، أو باسم العلم والأدب؟
مئات من الأندية ورثت نادى كرومر في بيت نازلى، ومئات من الأندية ورثت أندية الأسواق التجارية الماضية. فلو نحن راجعنا تاريخ الأسماء التي وقعت في يدها مقاليد الحكم، أو كانوا أعوانا لهذا الحكم، لعرفنا جذور الفساد، وعرفنا أنها غاصت في أرض خبيثة، استطعمت منها أخبث غذاء، لتكون نكبة ماحقة مستشرية في الشعب المضلل.
وأندية أخرى مثل هذه الأندية تقوم الآن في كل أرض للاستعمار فيها قدم، أو له فيها مطمع: في جزيرة العرب، في الشام، في لبنان، في العراق، في اليمن، في بلاد المغرب، بل في سائر بلاد الشرق. ويخرج من مجموع هؤلاء جميعا ناد أكبر من هذه الأندية جميعا، هو النادى المختلط الذي احتكر، أو أراد أن يحتكر، الكلام باسم هذه الأمم، ويتولى قيادتها وتصريف شئونها، ويذيع على الشعوب المغررة معاني لم تستمد أصولها إلا من الكذب والغش والفساد، ومن التجارة البشعة بمستقبل الحياة الحرة في هذا الشرق، لقاء عرض زائل من مال يثمرونه، أو شهرة يستمتعون بها، أو مجد يحلمون به.
ولكن حذار حذار، فإن النائم لابد له أن يستيقظ، والجاهل خليق أن يتعلم، والذاهل يوشك أن يفيق، فيومئذ لا يغني شيء عن العاقبة التي يرونها عيانا، ويومئذ يعلمون الحق علم اليقين. وذلك يوم قريب.