الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الطريق إلى الأدب
- 2
-
جاءتني عدة كتب من إخواننا بعد الكتاب الذي فتح لنا باب القول في "الأدب"، وكلها يجرى على أسلوب واحد من الحيرة في طريق الأدب. هذه الحيرة -كما يقول أحدهم- التي تجعل الأديب يمشي في بيداء من الظنون الشائكة والشكوك الظامئة. ثم لا يفضى إلى شيء، ولا يظفر من حياته إلا بالوحشة والمرارة والحزن، ثم يهلك بعد ذلك كله على أرض سبخة يأكل مِلْحها كل ما يقع عليها: يبليه ويسحقه. نعم، إن هذه الظاهرة المؤلمة هي أول الخير للأدب والأدباء وهي البشير بأن عصر الفوضى في الأدب قد بدأ ينقضى إلى غير رجعة، وهي الدليل على أن أكثر الأدب الماضي قد كان تلبيسا على العقل والقلب، وشعوذة على الروح والنفس والفكر.
لقد أخرج العهد الماضي طائفة من الأدباء، كلهم قد عمل واستعد وخرج على الناس بأدبه، ثم غرتهم الشهرة فمضوا لم يبالوا أن ينظروا إلى قيمة الأدب الذي ينتجونه ليمحصوه للناس، فلعل بعضه يفسد على الشباب أمر أدبهم الذي يتأهبون له. وشغل الشباب هذا الأدب الجديد، وكبرت معاني الأسماء والألقاب في أسماعهم وأذهانهم، فحسبوا أن هذا الأدب هو الغاية وهو النهاية وهو الذي ليس بعده نبوغ أو عبقرية.
وتعصَّبوا لذلك بحمية الشباب، وصرفتهم هذه العصبية عن تحرير أنفسهم وعقولهم من أسر الألقاب والأسماء.
ثم مضى زمن فنظروا فلم يجدوا في أيديهم شيئا من هذا السراب الخادع الذي تعصَّبوا له وعكفوا عليه. بل وجدوا أنفسهم كعابد النار تحرقه ويعبدها! ! ..
(*) الدستور -السنة الثالثة- العدد 727، الثلاثاء 22 ربيع الأول سنة 1359 - 30 إبريل سنة 1940
ولكن هذه الظاهرة الجديدة التي تدفع الشباب الجديد إلى الشك في قيمة ذلك الأدب، وإلى الشك في أنفسهم -هي النجاة لهم من عبودية مستبدة ماحقة وهي التي ستقذف في أعصاب الجيل الجديد روح الحرية، وهي التي ستجعله يأبى إلا أن يمهد الطريق قبل المسير، وإلا أن يتخير الأساس قبل البناء، وإلا أن يعرف برهان الحقيقة التي يجب عليه اعتقادها قبل الإيمان بها إيمانا أعشى أو إيمانا أعور أو إيمانا أعمى يضل به ويموت عليه.
ونحن قد تناولنا في الكلمة السالفة تعريف الأدب الذي وضعه ابن خلدون في مقدمته، وأخذنا في نقده وتمحيصه لعلمنا أن الأدواء التي أدركت الأدب أو أصابته ترتد في أصل جرثومتها إلى عهد بعيد متقادم. فأردنا بذلك البيان عن هذه العلة (بالتشخيص) والتحليل.
فإذا عرف طالب الأدب حقيقة الأدب كان ذلك أحرى أن يهديه سواء السبيل في كل ما يقصده من أغراض هذا الأدب وهذا هو الأصل، وأما الفروع التي تتفرع منه فهي هينة عليه بعد ذلك إن شاء الله. وقد كان القدماء الذين نقل عنهم ابن خلدون ومن هو في طبقته -يعرفون حقيقة الأدب معرفة نفسية، فلذلك كان كلامهم عنه صحيحًا موجزًا ولكن شرح أهل العصور المتأخرة التي ضلت عن حقيقة الأدب -حين شرحوا هذا الكلام الموجز الدقيق الفاصل- هو أصل الداء الذي تغلغل في الأدب العربي قديمه وحديثه، وهو الذي حقر الأدب في عيون أكثر الأدباء، وزيفه عند العامة.
فإذا استطعنا أن نخلص إلى حقيقة أقوال القدماء الموجزة وعرفنا سر معانيها الجميلة الدقيقة، نظرنا -عندئذ- إلى الأدب القديم نظرة جديدة تنفض عنه الأتربة التي طمست محاسنه وروائعه كل هذه القرون، وإذا عرفنا هذه المحاسن وما فيها من جمال وفتنة، استطعنا أن نغير أساليب القراءة وأساليب الفكر فيما نقرأ، فإذا أدركنا ذلك فهو أول الطريق إلى الأدب الصحيح الذي نريده ونشتاق إليه، وهو بدء الحرية الأدبية التي لا تعرف القديم والجديد بتلك الفكرة المفتونة المريضة التي ثارت في ميادين الأدب حينا من الدهر، تحقر القديم لقدمه،
وتستعظم الجديد لجدته، على غرور واندفاع وتهور، حتى تحطمت كل الموازين في أيدى أصحابها، ولم يبق للناس ميزان يعرفون به ما في الكلام من الصدق والجمال، وما فيه من الكذب والغش، وهما أقبح القبح، وهما الدمامة المتبرجة في زينة "المكياج" اللفظى لا في زينة الحق والعدل، فإن القبيح ربما حسن إذا عرف الإنسان سر القبح الذي فيه، ومن استطاع أن يعرف سر القبح فاشمأز منه، فهو خليق أن يعرف سر الجمال فيهتز له.
وحركة النفس بالاشمئزاز والاهتزاز هي أصل الأدب -إذا ما نشأت عن الإدراك أو النفوذ إلى الإحساس بالسر الذي يكون به القبيح قبيحًا والجميل جميلا. فإذا تتام هذا الإدراك وهذا النفوذ وعملا في كشف الحجب عن هذه الأسرار على نظام وتدبير وتساوق واطراد فذلك هو طريق الأدب. فإذا خلص للأديب مذهبه في تناول هذه الأسرار على طريقته وبأسلوبه، واهتز إحساسه بالمعاني اهتزازًا قويا متجاوبا بأنغامه التي يتردد صداها في كهوف النفس فتتابعت هذه الأنغام معبرة عن خواطر العقل والقلب والنفس والروح وآلامها وأفراحها وأحزانها ولذاتها، وظنونها وحقائقها، وأوهامها ويقينها، فذلك هو حقيقة الأدب. فإذا استطاع الأديب أن يصور هذه كلها بألفاظه ولغته وعبارته وأسلوبه الذي يحمل صور هذه الاهتزازات، ويحمل أنغامها في جرس الكلام، فذلك هو الأدب الذي ينسب إليه ويتميز به فيقال مذهب فلان وطريقة فلان وأسلوب فلان. . .
والوصول إلى هذه الغاية من الأدب ليست عملا سهلا يكون قصده هو بلوغه كلا، فإن الفطرة وحدها أو الطبع الفطري وحده لا يكاد يصل إلى ذلك في مثل زماننا هذا. بل هو كان يصل إلى غايته في العصور الأولى قبل أن يتكاثر الأدب ويتشقق الكلام، وتستقل الطرائق للناس بعد الناس من الأدباء.
وقد كان الطبع قديمًا كافيا لتساوى من يتعاطى الأدب في السليقة وفي بعض العلم وفي أكثر المعرفة، ولأنهم إنما كانوا يتناولون من أغراض القول على طريقة محدودة بطبيعة الاجتماع الذي لم يكن قد تراحب مثل التراحب الذي بلغه في زماننا.
فالآن قد امتلأت دنيا الناس بأسباب اجتماعية طاغية، وتبعثرت حقائق الوجود في كل علم وفن على وجوه من الاختصاص، وتكشفت أسرار كثيرة لا يحيط بها إلا من حمل نفسه حملا على متابعة الدراسة، وطول الروية، ومعالجة الفكر وحذر الغريزة، وتوقد الفطنة. ثم لا يخلى نفسه مع ذلك من الحرص على نفسه وإحساسه وطبعه أن ينفذ إليه ما يفسده من جميع هذه الدراسات الكثيرة والتأملات الطويلة.
ومن هنا أيضا تستطيع أن تعرف مقدار ما في قول ابن خلدون من الخطأ إذ قال فيما نقلناه لك آنفا في المقالة الماضية "فاحتاج صاحب هذا الفن حينئذ إلى معرفة اصطلاحات العلوم ليكون قائما على فهمها". فاسأل ابن خلدون ما جدوى أن يفهم الأديب اصطلاحات العلوم؟ وإنما الاصطلاح حرف من الكلام مقيد معناه بالعلم الذي اتخذ له واصطلح عليه فيه، فإذا عرفه الأديب فهو بين اثنتين، إما أن يعرف اللفظ ليعرف معناه ويكون قائما على فهمه من حيث هو حروف مركبة وهذا شيء لا قيمة له -إذ كان الأديب لا يحتاج إليه ما لم يكن من أهل هذا العلم الذي وضع له الاصطلاح، أو أن يعرف ذلك ويقوم على فهمه ليستطيع أن يتعلم من هذا العلم، وينفذ في معاني أصحابه التي يقصدونها في علمهم هذا. فإذا فعل وتعلم وقرأ لهم وفهم عنهم، فهو لا ينتفع بهذا العلم إلا إذا اتخذه مادة تمد أدبه وتغذيه.
أما إذا تعلم هذا العلم ليفهمه على طريقة أصحاب هذا العلم وقيودهم التي قيدوه بها فهو باطل من حيث كان لا ينفعه فيما أراده من الأدب.
وإذن فطريقة الأديب في قراءة العلم هي طريقة امتياز، على أصحاب العلم نفسه، لأنها طريقة استيعاب لما وصلوا إليه من حقائقه وأسراره، ثم تزيد على ذلك فطنة الأديب وبصره وإحساسه وقوة إدراكه للمعاني البعيدة التي تفضى إليها هذه الحقائق وهذه الأسرار، ثم قدرة الخيال على التطرح والتسامى، والتغلغل والنفوذ إلى أعماق مبهمة، حيث يستطيع أن يعقد المقارنة ويقيم المشابهة ويجمع هذا إلى ذاك، ويفرق بُعْدًا شيئين يتلازمان في بعض وجوه النظر وكذلك يهتدى
بالفطرة الصادقة الهادية إلى معان وأسرار لا يصل إليها إلا من استقل بمثل هذا المذهب الذي يبدأ بصحيح العلم وينتهي بصادق الخيال.
وقد كان القدماء من شيوخنا يدركون ذلك، ويفصلون بين الطبع والطبع والسليقة والسليقة، وقد جهدوا أن يضعوا فاصلا يبين الحد بين الطبع الجيد والطبع الردئ، ولكن ذلك مما لا يرام البلوغ إليه في تحديد هذه الطبائع التي لا تخضع لسلطان علمي متميز بحد وقوة. فانظر مثلا إلى قول القاضي أبي الحسن الجرجانى في كتاب الوساطة بين المتنبى وخصومه:"وملاك الأمر في هذا الباب خاصة، ترك التكلّف، ورفض التعمل، والاسترسال للطبع، وتجنب الحمل عليه والعنف به، ولست أعنى بهذا كل طبع، بل المهذب الذي صقله الأدب، وشحذته الرواية، وجلته الفطنة، وألهم الفصل بين الردئ والجيد، وتصور أمثلة الحسن والقبح"، انظر إلى قول القاضي وتأمله تجده قد رام البيان عن حقيقة الطبع الذي يستقل بمذاهب الأدب ويقوم عليها، ولكنه وقع دون الغرض. قال عن الطبع:"تصور أمثلة الحسن والقبح". والتصور في هذا لا يكفي ولا يؤدي بالأديب إلى غاية كالغاية التي نريدها نحن؟
نعم إن التصور شرط في كل شيء من الأدب، ولكن الإحساس بالقبح والحسن هو الأصل الذي لا أصل غيره في الأدب جميعه شعره ونثره، والإحساس المتلقى وحده لا يكفي أيضا، بل هو الإحساس الذي يتلقى فيثور فيندفع فينفذ كما ينفذ السهم أو كما يغيب الشعاع في ظلمة المعاني ليضئ للأديب والشاعر ما يستبهم على غيره وينغلق.
وأما قوله عن الطبع أيضا: "وألهم الفصل بين الردئ والجيد" فهو كلام جليل دقيق موجز، فإن الإلهام -هذا المعنى المبهم الذي نحس به وبآثاره ولا نستطيع أن نعرفه أو نحدده- هو الأصل العظيم الذي يردف العقل، ويغذى الخيال، ويشحذ الحس، ويهدى في الظلمات الجاثمة على المعاني والأفكار، وإذا استطاع الأديب أن يتنبه إلى آثار الإلهام فيما يفكر فيه، وفيما يكتب وفيما يقول، واستطاع أن يجعل لعقله وفكره وبعض خياله نظاما يسترشد في وضعه
وتدبيره بهداية هذا الإلهام وتعرف آثاره في إنتاجه، فعندئذ تستقم له الطريقة وتنثال عليه الآراء والمعاني، ويدخل في الأسرار ويخرج على يسر وفي لين وبخفة، وهذا هو قول القاضي الجرجانى فيما سلف من كلامه:
"وملاك الأمر في هذا الباب خاصة ترك التكلف ورفض التعمل، والاسترسال للطبع، وتجنب الحمل عليه والعنف به".
ولولا أن القاضي لم يأخذ هذا الأمر من بدئه بل أمسك بذنبه وجرى وراء الذنب، لكان وضع عبارته على التقديم والتأخير كما فعلنا نحن في شرح هذه العبارة. فإن تَرْكَ التعمل ورفْضَ التكلف والاسترسال وتجنُّبَ الحمل على الطبع هي النتيجة التي يبدأ عمل الأديب من بعدها فأين المقدمة التي تتقدم به في هذا الطريق؟ وكيف يستطيع أن يكون كذلك؟
نعم، فليس كل من ترك التعمل ورفض التكلف وتجنب الحمل على الطبع والعنف به ثم استرسل -بمستطيع أن يكون أديبًا أو شاعرًا، لأن هذه ليست أداة ولا شبه أداة بل هي نتيجة طبيعية لشيء آخر فإن الإحساس المشبوب النافذ الحذر الذي يصيد معانيه من كل ما يتناوله بالسمع أو بالبصر أو بالفكر أو بالخيال ثم هداية الإلهام الحر الذي يستقل بأدب الأديب، هما اللذان ينتجان ما ينتجان، فإن الأديب إذا خلص له هذا كله لم يكن له بد من ترك التعمل ورفض التكلف والاسترسال.
وإنما يتعمل الأديب ويتكلف في أول الطلب، وفي بدء ممارسته للفن الأدبى الذي يريده، ويكون هذا التكلف والتعمل شحذا لحده، وصقلا لمرآته، وجلاء لروحه، وما هو إلا القليل حتى ينطلق من هذه القيود الأولى، ويتحرر من رق الرغبة، ومن عبودية التقليد والمحاكاة. فإذا انطلق الأديب وتحرر تصرف في أغراضه كلها على هوادة ورفق كأيسر ما يكون التصرف وأسهله وأنعمه وأرقه.
فلينظر طالب الأدب أول ما ينظر إلى هذه الاُصول التي رتبناها، وليحاسب
نفسه ويفهمها، وليعرف قوة طبعه معرفة التجربة، فإذا فعل ذلك وتدارس ما يجب عليه من الاختبار لنفسه، فوجد عنده من الاستعداد لها أثارة قد طُبِع عليها، فلا يخافن، فهو على الطريق وهو إلى الغاية، وهو مدرك ما يبغي إن شاء الله.