الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلوب جديدة
تأتي النائبة من وراء الغيب مسرعة متوهجة تتوقد، ثم تنغمس في الدم فتسمع الحياة نشيشها فيه، وتضطرب الروح، وتتفرق النفس، ويتألم القلب، وتتبعثر الإرادة، ويحار العقل، ويكون مع ذلك كله أمل ممض نافذ يجعل الحي يستشعر معاني الموت وهو لا يزال حيا بعد. فالمصيبة بطيعتها توجد في الحياة حركة سريعة طائرة مخبولة تخرج الحياة كلها عن دستورها ونظامها بعنف وقسوة، فيعقب هذه الموجة المتلاطمة السريعة فترة خاملة بليدة تنقل الحي من جو إلى جو حتى يتسنى له أن يستقر ويهدأ. فإذا لم يقرر لنفسه هذا النظام الذي تتطلبه المصائب لم يزل في موج واضطراب وفزع وحيرة، وتتضاعف المصيبة الواحدة حتى تكون -من جراء عواقبها عليه- مصائب عدة.
وقد تنزل المصيبة بالرجل فينفتر لها ويتبلد عليها، ويستنيم في بعض أحزانها ولكنه لا يلبث حتى يشعر أن في دَمِه أصواتا تتداعى فيه كما يتداعى الجند إذا تفرق على ضربة عدوه في الميدان، يجتمع المتفرق ويتألف الشاذ وتتضام القوى، ويعود الأمر على أشده كأحصن ما كان. فإذا تداعى الدم، وزأر القلب، واهتزت الروح، وأصاخت النفس، وارتدت العواطف المنهزمة إلى مواقعها وحصونها من إنسانها، وجد الرجل كأن قلبا جديدا قد انتفض في صدره، فنفض المصيبة وأعوانها نفضة الطل عن غصن مورق.
والشعوب كالرجال، وأمرها كأمرها. والشعب إذا ابتلى ببلاء مصبوب عليه بمصائبه ونواكبه (1)، يستطيع أن يسترد ما يضيع من قوته في تيار المصيبة، وأن يستعيد شبابه الثائر مرة أخرى، ولكن الفرق بينهما هو فرق ما بين الواحد إذا استقل، والجمع إذا تعاون. فشرط الاستقلال الإرادة والنفاذ بها، وشرط التعاون
(*) الدستور -السنة الثالثة- العدد 820، الأحد 7 رجب عنة 1359 - 11 أغسطس سنة 1940، ص 1.
(1)
النواكب: جمع ناكبة، مثل النكبة.
المشاركة بين الأفراد المستقلين بالإرادة والعزم، والحرص على اجتناب التخالف، واطراح الفرقة، ونبذ الهوى والعناد على الهوى.
وأمر الشعب هم أغمض الأمرين وأشدهما وأحقها بالرعاية والنظر والتدبير، فإن مصائب الشعوب قلما تكون فتراتها إلا جيلا أو أكثر يقع في خلاله من النقص والتدمير والضعف وذهاب النشاط الحافز، وطغيان الجهل المستبد، واضطراب أمر الجماعة ونظامها إلى ما وراء ذلك، يكون تحطما كاملا لأكثر الإنسانية الشعبية، وإذا تحطمت إنسانية الشعب في المصيبة أردفت وراءها مصائب، إذ يقع النسل إلى الحياة لتقتله الحياة بفتورها وبلادتها وقلة احتفالها ويتبدد ذلك النور الإلهي الذي يأتي مع المولود من وراء الغيب، ويبدأ يمشي في الحياة المظلمة بالبصر المكفوف عن النفاذ في أسوار المستقبل.
وعلاج الشعوب في هذه الحالات لا يتأتى ولا يمكن ولا يكون، إلا بعلاج الأفراد أنفسهم، وأخذهم بالجد في تدبير الحياة والاستعداد لها، وتحمل المشقات العظيمة في سبيل إيجاد الفرد الذي يستطيع أن يجعل في صدره قلبا جديدا أبدا بعد كل نازلة أو مصيبة، والقلب الجديد المتجدد هو سر الشعلة الذاهبة دائما إلى السماء سامية طامحة، مُطالبة بحقها في السمو، عالمة بواجبها في إضاءة الظلمات المتكاثفة من حولها بنور جديد.
أما استكانة الأفراد وإخلادهم للراحة واستمتاعهم باللذة وإغماضهم في طلب المنفعة الفرديه المستأثرة ونفضهم عن أنفسهم تكاليف النظر الاجتماعي الشعبى، ودبيبهم إلى الغايات بالخطو المسترق من أسماع الشعب لا يبالون أن يكون هلاك غيرهم من أمتهم في بعض ما يجتلبون به قليلا من أسباب الحياة لأنفسهم. . . فذلك كله جريمة بعيدة الأثر في قتل الروح المعنوية للشعوب وفي إيجاد المثل الأسوأ للنسل، بل هو سرقة صحيحة الشرط الذي يوجب عقابها. فالشعب كلٌّ كامل، فكل جزء منه انتفع بشيء كان من حق الجميع أن ينتفع به على تقدير حق الانتفاع، فذلك استبداد بحق الغير، واستلاب منه لما يوجب الاجتماع أن يكون على صورة بعينها ولغرض بذاته، وفي تسليمه بقدرتنا، وفي موضع هو له.
وليست السرقة في الحقيقة إلا هذا الضرب من الاستلاب، فسارق الشعب يخون الشعب ويخون نفسه ويمنع غيره من الانتفاع بحق الحياة التي أوجدوا فيها جميعا ليعملوا لها جميعا متعاونين متظافرين.
وعدم شعور السارق المُغْمِض (1) في سرقته المستطيل بها المصر عليها، دليل قائم أبدًا على انعدام إحساس القلب فيه، وإذا عدم القلب إحساسه -أي حركته في الحياة- رق وتخرق وبلى وأخذه المَحْق من كل وجه، فلا يمكن أن يعد في القلوب ولا أن يجرى عليه حكم القلب الحي في قبوله للتجدد والحياة المستأنفة من أولها مشرقة كميلاد الفجر مع كل صباح.
وإذا ابتلى الشعب، ثم أخرج منه هذا البلاء رجالا كان من صفتهم ما ذكرنا من الاستكانة واللهو والعبث واهتبال اللذات على مدها وتطويحها، كان هؤلاء بلاء آخر على الشعب ومستقبل الشعب، وكانوا فوق ما وصفنا جثثا مطروحة على طريق الشعب تعتاقه عن مسيره إلى الغاية التي تنبغي له أن يسير إليها. وإذن فهو بين اثنتين: أما أن يطأ الشعب على جثث الشعب، وإما أن ينتظر حتى يمتهد لأجياله طريقا آخر يكون فيه السير حثيثًا لا تقوم في سبيله عقبات كهذه. وكلا الأمرين تعويق وتخذيل وإضاعة وبلاء من البلاء.
ومن ذلك، فإن الحياة تأبى إلا أن تجعل لأحيائها أساليب كثيرة منها ينفذون، فاليأس -من أن يكون في هذه الجثث صلاح بعدُ- أمرٌ لا تكاد تقبله الحياة إلا بعد طول التجربة والامتحان، ولم يبق إلا الأمل في أن يكون إصلاح هذه الجثث وبعثها، وإيجاد قلوب جديدة في جثمانها، أمرا مقاربا ممكنا مستطاعا يجب العمل له، والحرص عليه، والاحتيال في تصريفه احتيالا صحيحا مدبرا يفضى بنا إلى الغاية منه.
وقد تسهل في هذا العصر خاصة ما لم يكن في العصور الخالية، فالطريق إلى إسماع الناس ودعوتهم وتنبيههم صارت أقرب وأسرع، فالطباعة والصحافة
(1) أغمض في الشيء: مضى فيه.
والمذياع وسائر أساليب الدعوة تمكن لصاحب الصوت أن يبلغ بصوته حيث أراد إلى من شاء على الوجه الذي يحب.
ولكن نشأت مع هذه الأشياء عوائق بقدرها جعلت الدعوة بهذه الطرق أقل أثرا مما يراد منها أو يرجى فيها، ولم يكن وجودها في الحقيقة إلا طريقا جديدًا لإفساد الأساليب الصحيحة في الدعوة للإصلاح الكامل الذي يراد به تجديد القلوب، أي تجديد حياة الشعب تجديدًا نفسيا عميقا ثابتا.
ومع هذا فما أحسب أن الأمر قد أحبط إلا من ناحية واحدة، هي فقدان الصوت المستجاب في كل قلب. فإذا وجد هذا الصوت للعالم، فقد يتغير كل شيء، ويصبح تجديد القلوب أمرًا سهلا على صاحبه ومالك أمره والقائم عليه. وإذا أتت ساعة خلاص العالم من فتنة الحضارات المتجبرة الطاغية المتوحشة، فقد يكون عمل العامل في تجديد قلوب البشر هو الفتح الصحيح للتاريخ الجديد للعالم ويمضي عصر ويأتي عصر، ويومئذ يقف لفظ واحد في التاريخ ليدل على نوع الحضارة التي نعيش فيها، فيسمى هذا العصر "عصر القلوب المتحجرة".
"قلوب جديدة": هذه هي غرض الحضارة الجديدة التي يتمخض عنها العالم اليوم، فإذا عرفنا الغرض فما يصعب علينا أن يقوم كل أحد منا بالتجربة بعد التجربة لإيجاد قلب جديد في صدره مكان قلبه المتحجر، إن الشباب لا يضيع مع طول العمر، ولكنه يضيع مع طول العبث، والحياة لا تفنى مع شدة الجهد، ولكنها تفنى في شدة الغفلة، والعقل لا يكل مع طول الفكر، ولكنه يكل مع طول الاستخفاف بالفكر. وشباب الشعوب وجهودها وأفكارها هو الحضارة كلها، وأصل الحضارة في القلب الشاب العامل المفكر الذي لا يسكن ولا ييأس ولا يقسو حتى يتحجر.
فهل يستطيع العالم أن يبدأ التجربة على الانفراد، فإذا جاء الداعى للحق بالحق، وجد أعوانه لإنشاء القلوب الجديدة في كل مكان في الأرض.