الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شاعر الحب والفلوات ذو الرُّمَّة
- 3
-
" ذو الرّمة يخبر فيُحسن الخبرَ، ثم يردُّ على نفسه الحجّة من صاحبه فيحسن الرد، ثم يعتذرُ فيحسنُ التخلّص، مع إنصاف وعفاف في الحكم" أبو عبيدة
تتحدَّث الباديةُ بأسرارها حديثَ اللَّوعة الخالدة في ضميرها، فتحنُّ الرياح وتئنُّ من أرجائها، ويقفُ "غيلان" يصغى إليها حتى تجاوبها نفسه فتناجيها بأشواقِها إلى "مى"، هذه اللوعة المتنهّدة في سر حياتهِ، فيحنُّ مع الريح حنينها ويئنُّ أنينها، ولكن ميعةَ الصِّبا، وغرَّة الشباب، وبراءَة الروح من عذاب الحب، تأبى عليه كلها أن يحزن مع هذه الرياح الباكية حزنًا كحزنها يستهلك النفس في طغيانهِ وعتوه. فَرِحٌ غافل: قد وجد دنيا كان يقلقُ إليها، ينشقُّ عن أسى لاهٍ: إذْ تعذَّرت عليه دنياهُ وهو يتصبب إليها.
يقف "غيلان" وإن دمه ليتوهَّج متدفّقًا في مدافِعِهِ، وإن آمالهُ لتستقبلهُ من كل وَجْهٍ تومض إليهِ إيماضةَ البرق في حواشي السحابة السوداءِ، وإن خياله ليمثل لهُ ميًّا وأيامها جنةً ناعمة تتفيَّأ النفس من ظلالها متاعًا لا تنقضى لذتُه. وتجيشُ غوارب الشباب بين جنبيه متلاطمة يتكفَّأ بعضها على بعض، فتنبعث قوته بتيارها مريدة مصممةً راغبةً، لا تنثني عن هذا الهدف الذي نشأ أمامها ففتنها ودلّهها. فهو يريد "ميًّا"، ويريد من أجلها كل شيء. سيسمو إلى "مى" بنفسه وحياته وشعره، وسيمنحها النفس والشعر والحياة غير ضنين. سيذهب المذاهب فيها، سيطوى البيد كالطف في ضمير الليالي، وسيجتابُ الحضر كالشعاع في مسرح الشمس، وسيأتيها بثمار الحياة ناضجة تغرى وتنادى، فتستجيب لها "ميُّ" من أعماق روحها مشتاقة منقادة. سيقذف بنفسهِ في كل سبيل، لتردّد البيداءُ
(*) المقتطف، المجلد 103، يونيو 1943، ص: 41 - 47
والحضر صدى خطواته نغمًا حلوًا ينساب فيأخذ كل سمع ويستميل إلى شجوه كل جنانٍ. سيجعل اسمها لحنًا بدويًّا عنيفًا رقيقًا بعيد القرار متجاوب الإيقاع، ينبسط في جوّ الشعر العربي فيلين القلوب القاسية، ويذيب الكباد المتحجرة، ويحيى بالشوق من أهلكتهُ الصبابة وأحرقهُ الوجد وذرّاه (1) الهيام، وتلتفّ حولهُ عشرون عامًا مضت عليهِ من يوم وُلد كأنها أغلالٌ وسلاسل، فهو يجاهدُ أن يفضَّها عنهُ ليحرر لميّ كل حياتهِ وكل همهِ وكل أمانيهِ، فإذا فعل فقد رجَّعت البادية اسمه واسمها، وثارت ميٌّ إلى الصوت تستشرف، لترى هذا القلب العاشق المتيَّم الذي استكنَّ في صورة رجل بدويّ لا تمسك الطرف على محياهُ فتنة ساحرة أو جمال بارع، ويومئذٍ لا تأبى عليهِ مىٌّ إباءَها، بل تعرف ذلك الفتى الذي وهب لها من عينيه وقلبه عَلاقة الأبد.
هكذا كانت تقول له نفسُه، وهكذا جعلت خطرات الهوى تندفع بهِ في تأمُّله، وتمر الأيام بهِ وهو يلحُّ على نفسه إلحاح الحائر المحروم يتعجَّل ميقات ما يتشهَّى أن يكون ولكنه لا يجد من حيلتهِ إلا أن يفيض إلى ديار ميّ يطوف بها، يختلس النظرة إليها وهي على باب خبائها تستقبل الشمس بسُنَّة وجه تتلألأ عليها أشعة الشرق، فتكسوها غلالة من بهاءٍ يتلهَّبُ، حتى تضطرم في قلبهِ نار الوجد عليها. أو يلمحها وهي تنعطف بجيد غزال تريد خباءَها فتنعطف في إثرها دواعى هواه. فكانت هذه الخطراتُ مما تزيده شوقًا وغرامًا وصبابة، ثم يعود قد طوى النفس على ظمإ يائس، لم يروَ إلا ليستأنف شدّة والتياحًا (2). هكذا كان يتقلب غيلان في أيامه ولياليه. أما ميّ فكانت لا تحس شيئًا، ولا تجد لغيلان في نفسها صدًى أو ذكرًا. إنهُ شيءٌ كان ثم مضى، لم تلتفت إليه الفتاة التفاتة الحريص المدّكر.
ويحوم "غيلان" يومًا حول ديار "مي" بأسافل "الدهنا"، وإذا هي تغسل ثيابًا لها ولأنها في بيتٍ رثٍّ من الشعر، فيهِ خروق يرى الناظر منها ما وراءَها.
(1) ذرَّاه: أضعفه وبدَّد قواه، وأصله للريح تدفع التراب فتنثره وتبدّده.
(2)
الالتياح: شدة العطش.
ويلمحها متجرّدة متكشفة ليس بينها وبين عينيه إلّا الهوى ومهالكهُ. لقد ارتدّت هذه اللمحة إلى قلبه حريقًا يتسعر حتى أتلفت كل ماضيه، أنهُ رجلٌ ليس له ذكرى إلّا ذكرى واحدة سوف تعرض لهُ مع كل مشرقٍ ومغيبٍ، فلا يذكر من مواضى أيامه إلّا ما رأى في يومه هذا. . . فتنة وغرامًا وتعذيبًا لا تنتهي غوائلهُ. يمضي على وجهه كالهارب من لذْع ما يجد، ولكنهُ لا يلبث أن يعود لينظر النظرة الأخرى، فلا يجدها إلَّا قد لبست ثيابها وجلست إلى أمها تحدثها على باب الخباءِ. ويذهب ويجئُ في تحرُّقه، فتسوّل لهُ نفسهُ أن يقبل على مىٍّ وأمها ليسمع حديثها من قريب، فيدَّعى لهما أنهُ أضلَّ بعيره فهو ينشده، فما يروعه إلّا أن تدعوه العجوز فيدنو ويجلس إليهما، وجعلتا تناقلانه الحديث سرْدًا واحدًا لا تسألانهِ ولا تستخبرانه عن شيء من أمره. أغفلتهُ الفتاة وجهلتهُ أمها، كأنْ لم ترياه من قبل. أهكذا تقتحمُ "غيلانَ" عيونُ الناس فلا تأبه له ولا تبالى بهِ؟ فيتربَّد وجههُ، وتختلج شفتاه، وينطلق مسلمًا مودّعًا ثائرًا كأنما نهشتهُ في مجلسهِ حيةٌ أو أطارتهُ جِنَّةٌ عن حلمِه، وينصرفُ أشد ما كان يأسًا ووجدًا وهيامًا. تعجبُ مى لما ترى مما غفلت العجوز عنهُ. إنه ينظر إليها بعينين ترى في شعاعهما لهبًا، وفي وقعهما لذعًا، وفي تتابعهما معمعة تتكلم كلامها ولا تبينُ. وتلتفت ميّ إلى عجوزها وتقول: أمَّاه! تالله أنه للفتى العدوىُّ الذي دخل علينا حِواءنا عام أول يستسقى! ! إنه لهو ذو الرُّمة قد ثاب إلينا! وكأني يا أماه قد قرأت في عينيه أنهُ اطلع عليّ آنفًا فرآنى متجردة من حيث لا أرى ولا أشعر! ! اذهبي يا أماه فقصِّى أثره من حيث لا يراك ..
وتعجل أمها وراءه وقد ذكرته وعرفته، وتعود إليها تقول: أرأيت يا ميّ؟ إنه والله لهو ذو الرمة! لقد أخذته عيني من قريب وهو لا يرانى، ولقد رأيته يتردد آنفًا أكئر من ثلاثين طرفة، كل ذلك يدنو فيطلع إليك ثم يرجع على عقبيه، ثم يعود. وإني لأخاف عليك بعد اليوم يا بنيَّتى، فقد وقعتِ في لسان شاعر فيما أرى، وما أنسى ما حييتُ ما قال لي فيك: أما والله ليطولنَّ هيامى بها! اللهمَّ إنا لا نسألك ردَّ القضاء، ولكن نسألك اللطف فيه!
ويعود ذو الرُّمة إلى دياره غضبانَ أسِفًا، ولكنهُ قد عزم وصمم. فستكون له مى عرفتهُ أو أنكرتهُ، وسيهدى إليها بشعر يضئ لعينيها طريق قلبها رضيتهُ أو كرهتهُ، وسيقذف على ألسنة الرواة، من شعره الذي يذكرها فيهِ حتى تتلقف الآذان اسمها فتطلع إليها وإلى أخباره وأخبارها، فلا يلبث من فوره أن ينشد الناس في الأندية ذلك الرجز الذي ذكرناه آنفًا:"هل تعرف المنزل بالوحيد؟ "، ثم يُرْدِف إليها ذلك الرجز الآخر الذي يقول في أولهِ:
"قِفا نُحَيِّى العرصاتِ الهُمَّدا
…
والنؤْىَ، والرميمَ، والمُسْتَوْقَدا" (1)
والسفعَ -في آياتهنَّ- الخُلَّدا" (2)
والذي جعل يتكذب فيهِ بما لم يكن وما لم يرَ من مىّ ومن صواحبات لها، فيقول يذكرها ويذكرهنَّ، وأن الديار ورسومها قد هاجت كمده:
"أَوْلَى -لمَن هاجت له- أن يَكْمَدا
…
أَوْلَى، وإن كانتْ خلاءً بعَّدا" (3)
"وقد أرى والعيش غير أنكدا
…
ميًّا بها، والخَفِراتِ الخُرَّدا" (4)
"غرَّ الثنايا يستبينَ الأَمْردَا
…
والأَشْمَطَ الرأس وإن تجلَّدَا" (5)
"قواتلَ الشَّرْقَ قتيلًا مُقْصَدا
…
إذا مشينَ مِشْيَةً تَأَوُّدا" (6)
هزَّ القَنا لانَ وما تَخَضَّدَا
…
يركضنَ رَيْطَ اليَمَنِ المُعَضَّدا" (7)
وسالت أودية بني عدي بهذا الشاعر الذي نبغ بينهم، وتناقلوا ما أنشدهم، وتساءل القوم: ما "ميّ" هذه التي يذكرها؟ وكل امرئ يخشى أن تصيبه معرَّة هذا اللسان العاشق حين يتولج إلى حرمه بالصبابة والوجد. وأقبل على "غيلان"
(1) النؤى: حَفْر يكون حول الخباء يمنع الماء. الرميم: الرماد.
(2)
السفع: الأثافي، تضرب إلى السواد فيهن حمرة.
(3)
بعدا: كذا بالأصول، وبعيد لا تجمع على بُعَّد. ورواية الديوان وسائر المصادر: يُيَّدا: أي نائية.
(4)
الخرّد: الحَيِّيات.
(5)
الأمرد: الذي لم تنبت له لحية بعدُ. الأشمط: الذي خالط سواد شعره بياض.
(6)
الشرق هنا: البكاء، وأجود روايات البيت: السَّرْق، أي استراق النظر.
(7)
تخضد: تثنَّى. الريْط: جمع ريطة، وهي الملاءة. المعضد: ضَرْب من الوشى.
إخوته يستخبرون خبره، ويسألونهُ عن ميّ من تكون؟ وجعلتْ نفس "غيلانَ" تعتاص على الناسِ، فردَّ السائل بخَيْبته، وائتمن عليها أخاه مسعودًا فهو أحق الناس بالأمانة: إذ كان عونًا لهُ في سفره، وصديقًا قد اقتربَ ما بينهُ وبينه، ولم تَعُد للسنِّ قدرةٌ على التفريق بينهما في المودَّة النامية المتوثّقة.
ولم ينشب هذا الشعر وما سواه أن تدفَّقَ إلى ديار بني مِنْقر من كل وجه ومكانٍ، وعرفَت العجوز وعرفت ميٌّ أنهُ يريدُها، وأن الأمر قد استَعْصى، وأن الحزمَ أن يُبتَّ الرأيُ تبل أن تذهبَ ساعته ورأتِ العجوز أن تقطع هذا اللسان المتقحّم باليأس، فإذا ملكه اليأس غلبهُ العيّ والحصر، وانتهى أمرهُ -كما ينتهي أمر كثير سواه من نوابت الشعراء- إلى لجاجة ثم فترة ثم سكون. فدسَّت العجوز إلى فتى من بني مِنْقر يقال له "عاصم" دسيسًا يرغبهُ في ميٍّ، ويُسَنِّى له من أمرها ما قد يتعسَّر عليه، ويكفل له رضاها أن تكون له زوجًا. فسعى "عاصم" إلى العجوز سعى الملهوف، وجعل يماسحها ويعرّض لها بخطبة ابنتها حتى صرّح، فرضيتهُ لابنتها، ليكون عاصمًا لها من لسان هذا المتجريء الباغي إليها الفضيحة والعار. واستشيرت ميّ في أمرها فقبلت، وتم الرأي على أن يبنى بها حين يشاءُ، فسارع عاصم وقضي الأمر.
أما ذو الرّمة فقد رجع إلى دياره، ثم أوفض منها إلى البصرة نافرًا عجلًا يريد أن يقضى فيها عامهِ هذا حتى يصيب من الذكر بين أئمة العلماءِ وفحول الشعراء، ما يردُّ عليهِ راحةً قد استلبتها هذه الفتاة الطاغية التي أحبها ذاكرًا مردّدًا راغبًا، فكان جزاؤه منها أن اقتحمته وأسقطتهُ، ولم تعرف له حقًّا يذكر أو هوًى يكون منها على بال. ونزل هذا البدويّ مدينةَ الحضر، فجعل يتلفت ههنا وههنا، فلا يجد إلفًا يألفه إلّا شذّاذ القبائل الذين نزلوا "البصرة"، وخلطوا أنفسهم بالتجار وأوشاب أهل الأسواق، وجعل يتسكع معهم حائرًا بين حوانيت البقالين وأشباههم، قد فترت همته عما كان خرج له من بلاده.
وكانت البصرة تموج بالناس من نواحيها، واجتمع فيها من العلماء والشعراء
ما لم يجتمع في مثلها من قديم أيام العرب، فقامت فيها سوق من أعظم أسواق العرب في الجاهلية والإسلام، تضَارع سوق عكاظ منتدى الشعراء من أهل الجاهلية، وهي "المرْبدُ": مِربد البصرة، حيث يجتمع العلماء والكتاب والشعراء يكتبون وينشدون ويتفاخرون ويتهاجون. وأقبل ذو الرُّمة -هذا البدويّ الراجز- يسمع إلى الرجز والشعر الحديث. فلما سمع من رَجز العجاج ورجز ولده رؤبة علم أنهُ إذا ألحَّ على الرجز لم يقع من هذين الفحلين موقعًا، ورأى أنهُ إذا بقي عليه يقوله، عرَّه ما يقول، فعزم أن يصرف نفسه عنه ويعوّل على الشعر وحده. وكان ما يسمعهُ من الشعر في هذه السوق العظيمة قد هاج في نفسه الرغبة في المنافسة، إذ كان الشعر أسهل مأتًى، وأوسع مجالًا، وأدنى إلى القدرة على الإجادة، وأولى أن يكون تصريفُ القول فيه أحسن وأنبل، وأن الرجز لا يطيق ما يطيقه الشعر من المعاني. وكانت نفسه إذ ذاك تتحرك مغاضبةً إلى ميّ، وترقُّ لها، وتريد متنفسًا تَبُثُّ فيهِ لوعتها وأشواقها، والرجز لا يستوى على إرادتها، وقلَّ في العشاق من الشعراء من رَجَزَ بحبه. وكذلك بدأت نفسه تستقبل الشعر وحده، وتدع الرجز لهؤلاءٍ البداة الغلاظ الأكباد يقولون في أغراضه ما يقولون.
ولا يكاد يشك في أن الشهور التي يقضيها ذو الرمة بمدينة العلم والشعر والحضارة، قد جعلت تهزُّ نفسه هزًّا عنيفًا متتابعًا لا هوادة فيه، وأن شدَّة ما لقى من الغربة في هذه البيئة الجديدة التي لا عَهْد له بمثلها، قد أحدثت له فترةً وانكسارًا، وكادت تذهب به في الخمول مذاهبها. ولكن العاطفة المحنقة التي تجيش بين جنبيهِ كانت توجه هذه النفس إلى الغاية التي أعدت لها. وكذلك بقي ذو الرمة حائرًا لا يدرى كيف يتوجه بالرأي والعزيمة، فهو يدخل حوانيت البقالين يبقى فيها يسمع من لغو أهل الحضر ما يسمع، ثم ينصرف إلى المساجد وقد تحلَّق الناس على علمائهم يسمع من هؤلاء وهؤلاءِ، ويتلقف الكلمة بعد الكلمة مما يدرك من جدَ لهم وأحاديثهم. ثم يفكر في ذلك ما شاءَ الله، لم يأخذ نفسه بالدّربة على شيءٍ مما يتعلمون أو يتناقلون. وكان أكبر ما شغل عليهِ خواطره قول
هؤلاءِ المتكلمين في القضاءِ والقدر، وما يتنازعون فيه من الشر الذي يقع في هذا العالم، أهو مُرادٌ من الله تعالى أم غير مرادٍ؟ ويعجبهُ أن يذهب إلى أن الشرّ ليس مرادًا لله تعالى، وأن إرادته لا تتعلق إلّا بالخير، وأن الناس وما سواهم هم الذين تتعلق بالشر إرادتهم. فكان له في هذه المجالس شغل عما يتردد بين جنبيه من وساوس مى وبلبالها، وأخذت تهدأ على الأيام حدّة ما يجد من ذكرها، ويذهب عنهُ عناءُ ما يلقي من خيالها. وكان كل ذلك يرقق من قسوة البادية التي نشأ فيها، ويلين من جفائها وغلطتها، ويمهد لسماحة أهل الحضر ورقتهم وظرفهم ومباذلهم طريقًا في نفسه، يهديها إلى السمت النبيل المتواضع الذي درب عليهِ الناس ممن يعاشرهم في هذه المدينة.
وأنس به أهل الحاضرة -"البصرة"-، فكان لبلاغة منطقه، وحسن تَهَدِّيه إلى غاية القول، وصدق عبارته عما في نفسه، وقوة بيانه البدوي عن المعاني التي يبتذلها أهل الحضر بإهمالهم، وسرعة بديهته فيما يعرض له، وقدرتهُ على تخيل الأشياء بذلك الفكر البدوي المحض، وإرساله في الكلام شعاعًا من الفطرة السليمة التي لم تفسد على الترف والعبث والمخالطة، كل ذلك جعل أهل البصرة -من عرفه منهم- يحبه ويستدنيه ويتحفَّى له، حتى صار يدعى إلى أعراسهم وأفراحهم وملاهيهم، ليسمعوا من حلو حديثه البدوي صفةَ هذه الأشياء التي لا عهد لأحد من أهل البادية بها. فكان ذلك سببًا في أن يقال عنه -بعد أن طار اسمه في الآفاق: - هذا الشاعر البدوي! ! تالله لقد كنا نراه بالبصرة طفيليًّا يتدَّسس الى العرساتِ! !
وشغله المربد عن شعراء البادية الذين كان يألفهم ويروى شعرهم، وجعل يسمع مناقضات جرير والفرزدق والأخطل، ويحفظ ما يرد على المربد من شعراء الحجاز، ولكنه لا يجد عند أحد من هؤلاء ما وجد عند "الراعى النميرى": مِن نَفَس رابٍ كأنما يقذفهُ مرجل أوقدت عليهِ نار لا يخبو لها سعير. فهذا القلق الذي استولى على رأيه في الشعر، وهذا السأم الذي استبدَّ بعزمه في الحياة، وهذه اللوعة التي اعتسفت قلبه في الحب، كل أولئك كان يُعِدُّ هذا اللسان الشاعر
إعدادًا جديدًا لتنطق البادية العاشقة على عَذَباته (1) أجمل بيان وأعنفه، وأروع نجوى وأحلاها، وأدق نعت وأشكله. فكانت أيامه بالبصرة تدريبًا لابد منهُ لهذه النفس البدوية المفطورة على جانب من الخشونة والجفاء.
ومضى العام عليهِ بالبصرة، فاجتوى ريح الحاضرة من طول ما أقام بها، فآثر أن يعود إلى ديار قومه بالبادية ليتنسَّم تلك الرُّوَيحة الحبيبة إلى القلب البدوي، وليستروح نسمات ميّ إن أطاق أن يكفكف من كبرياء نفس ثائرة متمردة عنيفة في أصل جبلّتها. والبادية هي البادية قلَّ أن تتغير لها صورة أو يجدّ لها جديد، فنزل على إلْفٍ قديم حبيب، تتلقاه أمهُ رفيقة به على عاداتها، ويسائله إخوتهُ ولِداتُه عن أمر الحاضرة كيف وجدها، وما لقى فيها، وما الذي أحبَّ منها وكره، وكيف ترك ابن عمه "أوفي"، وقد زعموه تحضَّر وأخذ من علم الحاضرة، يسمع في مساجدها عن شيوخ الحديث حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فينبئهم بأخباره، وأنَّ أوْفَى قد ترك البصرة في طلب حديث نافع مولى ابن عمر، فلم يلقه بها. ويحدِّثهم أنهُ لقى أُمَّ الصهباء معاذةَ بنت عبد الله العدوية العابدة، وما يتناقل الناس من أخبار عبادتها وتقواها.
ويقيم ما يقيم، ثم يعزم على أخيه مسعود في الرُّفقة حتى يزور ميًّا، ليتزود منها نظرةً لعلها تردّ من صدره هذه البلابل التي نشأت توسوس له أن قد أصابها مكروه. وينهاه مسعود أن يُتْبع نفسه هذه الفتاة التي عنَّتْهُ وأنهكتهُ وشغلت عقله عن أمر دينه ودنياه، وقبيح بالرجل أن يلجَّ على من أعرض أو نأى عنه بجانبه، والنساءُ بالنساءِ أشبه من الغمامة بالغمامة، فما هذا العناء الذي يفنى فيهِ أيامه ولياليه؟ ثم يرى مسعود في سُكات أخيهِ أنينًا يلتجُّ تحت الهدأة، وينظر في عينيه إطراقةً تستصرخ غوث الرحمة، فيأوى (2) لذلك الشبح المستكين وراءَ هذه التجاليد الصامتة المستحصدة، ويشفق عليه أن تنتهب حياته هذه الأشواق التي تتنازعه من كل مغيب عاطفة أو صبابة. "لك ما شئت يا غيلان، فأنت والرحيل
(1) عذبات اللسان: أطرافه.
(2)
أوى له: رقَّ له ورحمه.
كيف عزمت، وإني لرفيقك حيثما وجهت". وهكذا يصبح مسعود عون أخيه في هذه البأساءِ التي يتضرع لها بعد جلادة. ويرتحلان يقصدان بلاد بني منقر، فإذا الديار بلاقع ليس بها أنيس، إلَّا هذه الظباءُ وهذه المها تتهادى كأنهن العذارى يرفلنَ في بيض الجلابيب. ويعوج ذو الرُّمة على النؤى والرسوم ينظر إليها نظرة الواله المتوجس، ويدور عليها كأنهُ يستخبرها وهي تستعجم عليه لا تجيب، "والدار لو حدثته ذات أخبار". ويظلُّ ذو الرُّمة يتوهم لنفسه أوهامها في مى، ولكن لا تخطئه وسوسة الغيب بأمر ذي بال قد أصاب صاحبته، فهو يزداد التياعًا كلما ازداد ريثًا في مكانه من هذه الأطلال الخُرْس النواطق. ثم تنزو بهِ روعةٌ كأنه آبدٌ قد نشِط من قيده، وينطلق يجوب هو ومسعودٌ هذه الفيافي يسألها عن مذاهب مى في غوامضها ومنكراتها. وهكذا يبدأ هذا العاشق يتطوّح في أقدار مجهولة لا يدرى أين ينتهي به سيرُه وسُراه!
ولكن لا يلبث أن يجد في أسفاره جماعة من بنى منقر قد انفردوا عن أهلهم في أرض ينتجعونها، ويسألهم عن أخبار ميّ، فيعلم يومئذ أن قد ذهب بها عاصم المنقرى. ربّاه! لقد تهدّم البناء الشامخ من كبريائهِ على قلب حي نابضٍ محب لم يسكن ساعة عن ندَاءِ ميٍّ من وراء الأسوار المضروبة عليهِ. ألم تعلم هذه الحبيبة أن غيلان قد أخلص لها حقيقة ما في قلبه من الحب والهوى؟ ألم تدرك بعد أن حياته كانت تفيض إليها متدفقة من أغوار النفس الجياشة بالعشق والصبابة؟ أكانت هي الغريرة البلهاءَ حتى لا تجد على نفسها لواذع نظراته إليها ملتاعًا قد توقد وجده بها؟ ألم يكن في عينيه ووجهه وحديثه عهدُ المحبين إلى من أحبوا؟ وتغوَّلتِ به الأرض الفضاء فلم يجد الَّا ضلالا وحيرة في وحشة هذه الحياة المجدبة الجرداء، التي قذفت به فيها هذه الفتاة اللاهية عن جد الحب الذي لا يلهو ولا يهزل، أي غدر قد ألقى به في مُغَوَّاة (1) مظلمة قد افترشتها أفاعي الغيرة والغيظ والضغينة. فانطلقت تنهش منهُ بأنيابها، وترسل في عروقه
(1) المغَوَّاة: حُفْرَة تحتفر للأسد لصيده.
ذلك السم الذي يغلى عليهِ دمهُ؟ وفي سكتة البيداء التي لا حس فيها ولا ركز (1)، تترامى إليه من كل وجه أصوات تتردد "ميّ، ميّ" وتقع في سمعه إلى قلبه سهامًا مسددة تنفذ في رميتها تنشُّ كأنها سِكَّة محماة.
ما أقسى هذه الساعات التي تمر عليهِ وهو كالملقى على جمرات الغيظ في غمرات من لهيب الغيرة! ! إنها تمضي لا يحس منها إلا حريق الزمن خالدًا عليهِ، لا ينقضى ولا يتقطع. وأخوه مسعود إلى جانبه ينظر مشفقًا متلددًا إلى شبح ساكن لا ينود (2) منهُ شيء أو يتحرك. من لهُ بأن يستلَّ أخاه المسكين من أمواج أطبقت عليهِ من كل مكان؟ إن الصمت وحده هو كل ما يستطيع أن يعين بهِ أخاه على بلوى هادمة مدمرةٍ، صمت ينطق بالمشاركة والإسعاد، والرقة والحنان. ليتهُ ما أطاعهُ، بل ليتهُ أغرى أخاه بالرحلة في جانب من الأرض بعيد فعسى كان يستجدُّ له من نوازع الحياة ما يكفيهِ شر مىٍّ وشرّ هواها.
وكذلك يخطو ذو الرُّمة الخطوة الأولى في الطريق إلى حقيقة الحب. . .، في الطريق إلى العذاب. . .، في الطريق إلى الجحيم الذي يجعل النفس العاشقة سعيدة بالألم، متشبثة به، آلفة له، باحثة عنهُ لو فتر عنها أو سكت.
(1) الحِسّ والرِّكْز بمعنى.
(2)
ينود ويتحرك بمعنى، وإن كانت الأولى فيها بمعنى التمايل.