الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ترجمة القرآن في صحيح البخاري
قلنا لفضيلة الأستاذ الجليل محمد عبد السلام القبانى حين فخر بأنه اكتشف في صحيح البخاري نصا في مسألة ترجمة كتب الله المنزلة على عباده ورسله: (إذا كان للأستاذ أن يفتخر، ولقلمه أن يفتخر، فليفتخر بأنه أول عالم اكتشف أن "الترجمة والتفسير" لفظان مترادفان في العربية ليس بين مفهومهما فرق البتة)، ثم قلت -ولا أزال أقول- أننى أنا خاصة لا أطاوع على أنهما بمعنى واحد. فغضب الأستاذ لذلك غضبة الأسد الجريح إذا حملته الجراحة فأعمل في عدوه الناب والظفر. وأنا يعجبنى من الرجال من يغضب لحقه في القول أو غيره. ولا أضيق به صدرا ولا أتبرم. ولكن الأستاذ حفظه الله في غضبه لم يبال أن يصب عليَّ نهرا من البلاغ. ما كنت أحسب أنه يستطيع أن يصبه عليَّ، . . .
وبعد فإن الأستاذ يقول إن البخاري "عقد الباب للترجمة، وساق الأدلة، ولم يفهم الشراح إلا أنه للترجمة، ولا يمكن إنسانا كائنًا من كان أن يفهم إلا أنه للترجمة وفي الترجمة، وليس معنى كلمة تفسير حينما تضاف لشيء بلغة إلا ترجمته إلى تلك اللغة الأخرى، فمن الذي حرف كلم الناس عن مواضعه لأجل أن ينقدهم ثم يشتط في نقدهم؟ وأي جملة في كلامي تقول أن التفسير من حيث هو مرادف للترجمة، حتى تبنى المقالة كلها على هذا التوهم! ! ".
وأنا مضطر أيضا هنا أن أسجل للأستاذ الجليل اكتشافا ثانيًا لم يفطن إليه أحد من قبله، وهو أن كلمة (التفسير) إذا أضيفت إلى شيء بلغة كان معناها ترجمة هذا الشيء من تلك اللغة إلى اللغة الأخرى، وهذا اكتشاف جدير بالتقدير، فهو زيادة في ثروة اللغة أولا، ثم هو أصل في قاعدة جليلة ينبغي للمجمع اللغوى أن
(*) بلاغ الجمعة: 25 المحرم سنة 1355 - 17 إبريل سنة 1936
يدرسها، فإن في تطبيقها والتوسع فيها إنقاذًا للعربية من الضيق وقلة المادة. وإذا صحت هذه القاعدة التي ذكرها الأستاذ، فأنا ولا شك قد أسأت إليه أبلغ الإساءة وعليَّ أن أعتذر إليه جهدى، وإن أبذل إليه العُتْبَى حتى يرضى. فهذه القاعدة هي التي "تزيل الإشكال" وتجعل كلامي الأول تحريفا لكلمه عن مواضعه، وبناء قائما على توهم ليس فيه من الحق شيء، ومع اعترافي بأنى كنت أجهل هذه القاعدة حين كتبت مقالى الأول، فإني لا أزال في شك من أمرها ولا أستطيع أن أقر الأستاذ عليها ولا أطاوعه فيها فالإشكال لا يزال عندي قائما.
ولا يغضبن الأستاذ مرة أخرى إذا اضطررنا أن نقول له أن الترجمة من حيث هي كما يقول لا ترادف التفسير من حيث هو، وليست من بابه، ولا لها به صلة. وتأويل ذلك أن الترجمة في أصلها "نقل" الكلام من لغة إلى لغة، وللترجمة شروط ودقائق يعرفها من مارسها وأخذ نفسه بها، والتفسير هو بيان معاني الكلام تفصيلا في اللغة الواحدة. هذا هو الأصل. ويحسن بى أن أضرب لفضيلة الأستاذ مثلا يقرب إليه فصل ما بين الكلامين. فلو أنى قلت للأستاذ أنى ترجمت قصيدة من شعر شكسبير من الإنجليزية إلى العربية، فمعنى ذلك أنى قرأت هذه القصيدة وتدبرتها وفهمت معانيها، وجهدت في استبطان نفس الشاعر في كلامه ومراميه، ثم هضمت ذلك كله، وجئت بلسانى العربي، فحاولت أن أنقل الى القارئ العربي الأديب شعر هذا الرجل في ثوب عربي لا يزيد ولا ينقص عن ثوبه الإنجليزي مجتهدا في أن أحمل اللفظ العربي روح الشاعر ونفسه ومقدرته على التأثير في نفس قارئه أو سامعه، غير مخل في ذلك بمعنى شعره أو معانيه مقابلا اللفظ الإنجليزي المحكم البليغ، الذي تتسع معانيه على قدر اتساع الأفهام، واختلاف الأحوال بلفظ عربي موجز مثله محكم بليغ تتسع معانيه وتختلف، بشرط أن لا يكون في عبارتى ما يخرج بالقارئ العربي إلى فهم معنى لا يحتمل أن يفهم من عبارة الشاعر الإنجليزي.
هذه واحدة. فإذا قلت للأستاذ أنى فسرت قصيدة من شعر امرئ القيس فمعنى ذلك أنى قرأت هذه القصيدة وتدبرتها، وفهمت معانيها، وجهدت في
استبطان نفس الشاعر في كلامه ومراميه، ثم هضمت ذلك كله، وجئت بلسانى العربي، فحاولت أن (أبين) للقارئ العربي الأديب معاني شعر هذا الرجل في ثوب عربي آخر يزيد على لفظه العربي الأول، مفصلا في ذلك مراميه كلها في شعره (أو بعضها)، كاشفا الغطاء عن أغراضه في شعره هذا، مبينا عن المشكل الذي تختلف فيه الأفهام محددا وجوه الاختلاف، ثم مرجحا لبعض المعاني على بعض. . . إلى آخر ما يكون في ذلك.
فالأصل في الترجمة والتفسير كما يرى الأستاذ مختلف، والموضوع متباين والقواعد متباعدة غير متفقة، فكيف يصح في ذهن الأستاذ بعد هذا أن كلمة (تفسير) حينما تضاف لشيء بلغة إن هي إلا (ترجمته) إلى تلك اللغة الأخرى؟ ! وكيف يأتي هذا المعنى الجديد الذي كشفه الأستاذ على وجه مرضى عند إنسان يفهم (كما قال الأستاذ في مقاله)؟ وليتدبر الأستاذ هذا الباب فضل تدبر فإن الفصل بين معنى الترجمة والتفسير لابد منه لمن أراد أن يتناول كلام الأئمة رضوان الله عليهم، وبخاصة من كان كتابه أصلا من الأصول العظيمة في دين الله. وأزيد الأستاذ كلمة أخرى في ذلك فلو أنى قلت له إني فسرت قصيدة من قصائد شكسبير بالعربية، فليس يقع في وهم إنسان (كائنا من كان! ! ) أنى ترجمتها، فإذا لم يصدقنى الأستاذ في ذلك فليسأل، فإنه واجد من يقول له أن ثم فرقا كبيرا بين قولنا "ترجمت قصيدة فلان الإنجليزية إلى العربية" و"فسرت قصيدة فلان الإنجليزية بالعربية" .. فإذا فرغ أستاذنا من سؤاله عن ذلك، فسيعلم أننا لم نحرف كلام الناس عن مواضعه "لأجل أن نشتط في نقدهم"، وأننا لسنا ممن يبني "كلامه على التوهم".
وأعود فأقول مرة أخرى للأستاذ خشية أن يكون فاته ذلك في مقالى الأول "أنى رجل سليم دواعى الصدر، ليس لي عليه نقمة، ولا لي معه خلاف إلا على هذه المسألة بعينها من أن الترجمة والتفسير بمعنى واحد، وأن البخاري لم يرد إلا التفسير ولم يرد في كلامه، ولا في الحديث الذي رواه في هذا الباب أو غيره دليل واحد فيه ذكر ترجمة شيء من الكتب المنزلة". أما ما نقله الأستاذ من
كتب شراح البخاري حين شرحوا هذا الباب منه، وما في ذلك من ذكر الترجمة، والصلاة بالفارسية أو غيرها، وجواز قراءة القرآن بغير العربية، فلسنا نكذبه في نقله. وليست هذه النقول التي نقلها مما بعد عنا، فإن الكتب -وبخاصة المطبوع منها- مبذولة لكل قارئ. ونحن نعلم أن ابن حجر قد استوفي الكلام في هذا الموضع من كتابه وفي هذا الباب من صحيح البخاري، ولكن أيظن الأستاذ أن ذكرهم الترجمة في هذا الموضع دليل على أن قول البخاري "باب ما يجوز من تفسير التوراة. . . إلخ" معناه "باب ما يجوز من ترجمة التوراة .. إلخ"؟ كلا يا سيدى الأستاذ، فإن ابن حجر وغيره كان أحرص على علمه من أن يتقحم على العربية فيقلب وجهها. انظر كيف حرص ابن حجر حين شرح نص كلام البخاري فقال "والحاصل أن الذي بالعربية مثلا يجوز (التعبير عنه) بالعبرانية وبالعكس". وكرر ذكر (التعبير) ولو أنه كان قد صح عنده أن البخاري عني بالتفسير الترجمة لما ذكر غيرها، ولا أدري .. لعل عذر ابن حجر كان هو عذرنا إذ لم يكن يعرف قاعدة الأستاذ في أن كلمة التفسير إذا أضيفت لشيء بلغة فما هي إلا ترجمته إلى تلك اللغة الأخرى! !
أما ذكرهم في هذا الموضع بعينه قراءة القرآن بالفارسية أو الصلاة بالفارسية وترجمة القرآن أو ما يشاءون فليس لأن البخاري جعل هذا الباب لذلك، بل لأن هذه المسائل من مسائل الفقه مما استدل فيها الفقهاء بهذه الأحاديث على مذاهبهم، وفرق بين أن يكون البخاري عقد الباب من أجل ذلك وبين أن الفقهاء استدلوا بما في هذا الباب على مذاهبهم. ولو رجع أستاذنا فقرأ شرح ابن حجر لوجد صواب الرأي، والله الهادى إلى سواء السبيل، فإذا أشكل عليه المذهب، فليسألنا غير متجانف، فإذا فعل شفينا صدره من ذلك بجوابنا.
هذا، وقد نصحنى الأستاذ في أول كلامه بنصائح غالية كقوله "وكنت أود أن يتروى (يعني كاتب هذه الكلمات) قليلا قبل أن ينشر، أو أن يعرض هذه الكلمة على فضيلة الأستاذ أخيه أو والده الأجل قبل نشرها"، وكقوله "لو تروى قليلا أو شارك (أي إنسان) في فهم ما ينقده لما وجده موضع نقد". وأنا أعترف
للأستاذ أننى (ترويت قليلا) ولكني آسف أشد الأسف وأَبْلَغَه وأمضَّه أنى لم أستطع أن أعرض هذه الكلمة على فضيلة الأستاذ أخي أو والدى الأجل قبل نشرها، وآسف أيضا أشد الأسف وأَبْلَغه وأمضَّه إذ لم أجد (أي إنسان) أشاركه في فهم ما أنقده. . . ويقول الله تعالى {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .
بسم الله الرحمن الرحيم
ساعة فاصلة في تاريخ الإنسان، حين يرمى تحت قدميه كل وساوس الشيطان متجردًا لله، مجاهدًا يعمل ويكد وينطلق، لا يردّه فزع، ولا يكبح جماحه وَجَلٌ. ساعة فاصلة ينصرم من ورائها عمر قد أدبر، ويمتد أمامها أجل يستقبل، والحياة بينهما شاخصة تنظر عمل الحي في أسباب حياته.
في هذه الساعة أضع بين يدىّ أشياء عزيرة كنت أضن بها دون الناس جميعًا، ثم أرسل إليها بصري مؤملا يرجو أن يفوز، مشفقًا يخشى أن يحبط عمله.
لقد عشت ما عشت، وجربت ما جربت، ثم بقيت صامتًا أو كالصامت. فالآن حين أبدأ أعرض نفسي على الناس في كل أسبوع أو أسبوعين، أرانى متكلما أبدًا: إن سكت القلم بقي عملي من أمامى يتكلم. فأنا -ما بقيت- محاسب بالكلمة يقولها، والعدة يعدها، والتدبير يسوسه، والعمل يعمله؛ ورب واحدة تخفض مني ما كنت أرجو أن أرتفع ببعض أسبابه.
لقد انتزعت نفسي من بين أحبابى وأصحابى، وصرت رجلا لكل امرئ فيه حق، وعليه في كل ما هو بسبيله تَبِعة، ولكل يد في عنقه مِنَّة أو دين، ولديه أمانة هو مؤدّيها على الرضى كما يؤدّيها على الكره، فإن خاس أو خان أو أمسك هلك -ولا هلك سواه- وكان من الخاسرين.
(*)"مجلة العصور" العدد الأول في يوم السبت 27 من رمضان سنة 1357 - 19 من نوفمبر سنة 1938، ص: 1 - 2.
لقد انتزعت نفسي من بين أحبابى وأصحابى، ولزمنى أن أبطل -في هذا العمل الصحفي- معنى العداوة والصداقة في جانب من قلبي، إذ ليس أقتل لعمل الصحافي من تحكم العداوة ومحاباة الصداقة. ولئن كنت قد خسرت لذة إيثار الصديق، فأحسبنى سوف أربح جمال إيثار الحق والعدل من طريق المساواة في المحبة. وكأيّ من لذة تعدل لذة القدرة على إنصاف عدوك من نفسك حين يكون مع الحق، أو كان الحق معه! !
إن هذا العمل الذي أقدم عليه يكاد يشعرنى بعض الفكر فيه بدبيب الشيب وهو يصَّاعد بين القلب والشعر، ويكاد يحملنى بعض هذا الفكر على حالة من أريحية الصبا وعنفوان الشباب، أتدفق بهما في نفسي تدفق السيل تحت صعقات الرعد، وخفقات البروق؛ وانقضاض الرياح العواصف بين مخارم الأودية وأفواه الفجاج.
أما دبيب الشيب: فمن هول المطلع، حين أُغمض عيني على هدأة وأرمى ببصيرتى فأرى ليلا مظلمًا قد أطبق على هذه الشعوب العربية والإسلامية والشرقية، وأرى من ورائها دنيا تموج وتضطرب، وتضئ وتخبو، وتسمو وتتضع، وتأخذ وتدع. . . توشك أن تلتهم الشرق كله، فينتاشنى (1) الهم من نواحي نفسي، ويتداخلنى الرعب والفزع واليأس أو يكاد. كيف. . .! كيف نستنقذ مجدنا وتاريخنا وأرواحنا وذرارينا من بعدنا، وأنّى المسلك؟ إن أحدنا ليضربه العجز عن ضبط ما يتبدد على أفكاره من خطرات الرأي التي يريد نفسه وأمته على العمل بها لينقذ روحه من الهلاك، ومجده من التهدم، وذريته من إرث السوء وتركات الشر.
وأما عنفوان الشباب: فحين أمد طرفي إلى مجد آبائى وأجدادى، وهم يهبّون من بواديهم في غبارها، ثم لا يلبثون إلا قليلا فيملأون الدنيا حضارة تلوح
(1) انتاشه: أخذه وتناوله من قريب.
في بدئها كتباشير الفجر، ثم تتفجر بشموسها وأنوارها حتى تضئ من جنبات الأرض كل مظلمة داجية، فثَمّ الأسوة.
إن المجد الغابر ينادينا من وراء السنين والأجيال: لابد. لابد! ! فهل ييأس من يريد أن يحيى؟ إن الصخرة العظيمة المعترضة سبيل الظمآن إلى الماء تقول له: إما أن تحطمنى، وإما أن تموت، فأين الخيرة .. ؟ لقد أعتقد أن إرادة الرجل إذا تعلقت بالله، وأمَّلت في الله، وعملت لله لم يبق أمامها إلا ما يلين أو يتقصف أو يتهدم أو يستقيم.
لقد تعلمت أن لا أيأس، وقد بالغت الحوادث والأيام في تكوين بعض ما في نفسي حتى ما أكاد أعرف كيف أفرح لنجاح أصيبه وأدركه. لقد سُلبتُ أشياء كثيرة، وحُرِمت أشياء كثيرة، ثم وجدت أشياء كثيرة، فعرفت مما حُرِمت ومما وجدت خيرًا كثيرًا أرجو أن أنفع الناس به بإذن الله؛ فإن فزت فبإذنه وله الحمد في الأولى والآخرة، وذلك أملى في الله وهو على كل شيء قدير.