الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"
ملوك الطوائف، ونظرات في تاريخ الإسلام
"
تأليف دوزي (المستشرق) وترجمة الأستاذ كامل كيلانى. نشرته مكتبة عيسى الحلبي وشركاه سنة 1353 و 1934
دوزي مستشرق معدود في الطبقة الأولى من الأعاجم الذين صرفوا قلوبهم إلى دراسة العربية وما فيها من الكتب. و"بعد" فقد كتبنا في مقتطف مارس سنة 1933 أن الأمة العربية ابتليت ببليتين: أولاهما، أنهُ لم ينتدب أحد من أهل هذه اللغة إلى التنقيب عن آثار الأمة العربية التي طويت في أرضها بين يمنها وشامها وحجازها وعراقها ومصرها ومغربها وما سوى ذلك، والأخرى: أنهُ لم يخفَّ أحد إلى دراسة كتب العرب ولمِّ شتاتها واستخراج ما خفي من أساليب العرب وأحوالها وعاداتها في الاجتماع والأدب واللغة حتى جاءنا في هذا العصر أصحاب الألسنة الأعجمية من دول أوربا بأقوالهم في تاريخنا وأدبنا وديننا بالكلام الجيد تارةً والفهم الملتوي والتعليل الفاسد تارةً أخرى.
فهذا الكتاب الذي ترجمهُ الأستاذ كامل كيلانى وتنَصَّل من الإثم فيه بقوله "إذا كان العلامة فخر الدين الرازي يقول في مقدمته لشرح "الإشارات" لابن سينا: "إن التقرير غير الردّ، والتفسير غير النقد" فما أجدرنا أن نقول "والترجمة غير النقد". نقول هذا الكتاب قِسْمان: الأول ما كتبهُ دوزى عن ملوك الطوائف والآخر فصول من كلام دوزى في تاريخ الإسلام. والأول أهونهما خطرًا وأقلهما خطأً والآخر ما هو إلا تركيب فاسد قد اجتمع لهذا المستشرق من (استخراج) فاسد من كتب التاريخ الإسلامي وغيرها وترقى فيها بالخديعة الكتابية إلى تأليف كلام يشبه التحقيق العلمي وما هو منه في شيء. وهذه عادة هذه الفئة من المستشرقين الذين يتعرضون لتاريخ الإسلام ورجاله، لا يتورعون عن عرض آرائهم في أسواق الكتب ثم لا يبالون إلا بالنسج الذي نسجوه غير ناظرين إلى الحقيقة العلمية.
ولقذ قرأت هذا الكتاب ووقفت على ما فيه من مواضع الخطإِ وأحصيت عليه
(*) المقتطف، المجلد 85، أكتوبر 1934، ص: 252 - 254
الآراء التي ترفق في عرضها وأخذ يلوكها مرة ثم مرة مجمجمًا غير مصرّح، وكنت على عزيمة تبيانها للقارئ ولكني رأيت أن ذلك مما يستنفد معنا في هذا الباب من المجلة صفحات كثيرة، ثم وجدت أن الأستاذ "محمد أمين هلال" قد سبقني وكتب في جريدة البلاغ مقالات دقيقة اطلعت على الرابعة والخامسة منها، وقد وقف فيها عند ما وقفت عليهِ ودافع كلام هذا المستشرق بالحجة الصحيحة، وأوثر أن أنقل إلى القارئ هنا جزءًا من كلمة الأستاذ "محمد أمين هلال" التي نشرت في بلاغ (الثلاثاء 2 جمادى الآخرة سنة 1353 - 11 سبتمبر سنة 1934) لما فيها من الفائدة.
"يظهر أن اتهام رجال العرب الفاتحين -خصوصًا في الدولة الأموية- بالوثنية والحنين إلى عهودها كان صدًى لما كان يشيعه أعداء الإسلام من أنهُ دين وثني وأن المسلمين جماعة من الوثنيين تغلبوا على الأرض المقدسة ونفوا منها كل فضيلة وإخلاص ولقد رأينا هذه الأقوال الكاذبة ينشرها دعاة الحرب من رؤساء الكنيسة إبان الحروب الصليبية، فلما قفل الغزاة إلى ديارهم قصُّوا على قومهم أن أعداءَهم كانوا أهل دين وتوحيد ومروءة ومجاملة.
"ونحن إذا تخيرنا من بين خلفاء الأمويين -الذين يتهمهم العلّامة دوزى ببغض الإسلام- أبغضَ هؤلاء الخلفاء وأبعدَهم عن قلوب المسلمين وهو يزيد بن معاوية مثلًا نجده كان يعمل للإسلام ويأمر قواده بذلك فقد حدثنا التاريخ أن عقبة ابن نافع عامل يزيد لما فتح بلاد البربر وسار إلى السوس الأقصى حتى وصل إلى بحر الظلمات (المحيط الأطلنطي) قال "يا رب لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهدًا في سبيلك" وأنه لما سار إلى (تهوذا) ورآه الروم في قلة طمعوا فيهِ فأغلقوا باب الحصن وشتموه وقاتلوه وهو يدعوهم إلى الإسلام ثم تكاثروا عليه وقتلوه.
"ورأينا قتيبة بن مسلم عامل الحجاج بن يوسف "المشهور بغطرسته وقسوته" يخطب في الناس ويقول لهم: إن الله قد أحلكم هذا المحل ليعز دينه ويذب بكم عن الحرمات ويزيد لكم المال استفاضة والعدو قمعًا، ووَعَدَ نبيه صلى الله عليه وسلم النصر بحديث صادق وكتاب ناطق فقال {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} ووعد المجاهدين
في سبيله أحسن الثواب وأعظم الذخر عنده فقال {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} * ثم أخبر عمن قتل في سبيله أنهُ حي يرزق فقال {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} * فتنجزوا موعود ربكم ووطنوا أنفسكم على أقصى أثر وأمض ألم وإياى والهوينا!
"وقتيبة هذا هو الذي تلقاه ملك الصَّغانيان بهدايا ومفتاح من ذهب ودعاه إلى بلاده وكذلك فعل ملك كفتان وأنصف له مِن مَلِك أَخْرُون وشُومان (1) وكتب إليهِ الحجاج يقول: إذا غزوت فكن في مقدم الناس وإذا قفلتَ فكن في أخرياتهم وساقتهم، حتى فتح بلادًا واسعة نشر فيها الإسلام فأخرجت العظماء من كتّاب المسلمين وفقهائهم ومحدّثهم وعلمائهم.
"وهذا أشرس بن عبد الله السلمي عامل هشام بن عبد الملك على خراسان أرسل لأول عهده إلى أهل سمرقند وما وراء النهر يدعوهم إلى الإسلام على أن توضع عنهم الجزية فسارع الناس هناك إلى الإسلام وحين كتب إليه أمير سمرقند إنهم لم يسلموا إلَّا تعوذًا من الجزية. قال له مَن اختتن وأقام الفرائض وقرأ سورة من القرآن فارفع خراجه. وقد روى عن يوسف بن عمر عامل هشام على العراق أنهُ مع إسرافه في العقوبة كان طويل الصلاة ملازمًا للمسجد ضابطا لحشمه وأهله. وكان يصلى الصبح ولا يكلم أحدًا حتى يصلي الضحى. ولقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى ملوك السند يدعوهم إلى الإسلام وقد كان سيرته بلغتهم فأسلموا وتسموا بأسماء العرب.
(1) كفتان، أَخْرون، شُومان، بلاد بالصغانيان وبالقرب منها وراء نهر جيحون. ولم أجد من ضبط الموقع الأول، أي: كفتان، وذكرها الطبري جميعا في غزو قتيبة خرسان في حوادث سنة 86، جـ 6، ص 425 (طبعة دار المعارف).
"وهذا قل من كثر من موقف خلفاء الأمويين وعمالهم إزاء الإسلام وعملهم على نشره والترويج له في غير عنف ولا شطط، أفبعد هذا يقول عنهم قائل "إن تلك الأقلية العربية التي اضطرت إلى الإسلام اضطرارًا وأكرهت على الدخول في هذا الدين إكراهًا، عرفت كيف تثأر لنفسها حين سنحت لها فرصة الانتقام فتقاضت ثمن ذلك الفوز مضاعفًا وشفت غلة صدورها المكتومة" اهـ.
هذا وكنا نراه لزامًا على مترجم الكتاب الأستاذ كيلاني أن يتعرض لهذه المواضع ولا يتنصل منها، نعم نحن نقول معه أن الترجمة غير النقد، ولكن ذلك صحيح حين يترجم للعلماء دون غيرهم، أما حين يظن في كتاب مترجم أنهُ مما يقع في أيدي الناشئين، فلا. . . إن أبناءَنا في المدارس المصرية من ثانوية وعالية لا يعرفون عن مثل عمرو بن العاص إلَّا أنهُ فتح مصر، وعن عمر بن عبد العزيز أنهُ كان خليفة وعن فلان وفلان مثل هذا أو أقل، فكيف نترك مثل هذه الآراء الفاسدة غذاءَ ألباب الذين يريدون من أبنائنا أن يقرأوا كتابًا سهلًا دانى الثمرة. وهم لا يعلمون من التاريخ دقائقه ولا من الإسلام إلَّا كلمات حفظوها لا تبلغ بهم درجة من العلم فيهِ. والمترجم الذي يقول في مقدمة كتابة للقراء إني قد آثرت نقل هذه الفصول من دوزى "لتبيان وجهة تفكير عالم أوربى كبير، وهي -وإن خالفت آراءَنا أحيانا في بعض مناحيها- جديرة أن تقرأ بعناية فائقة" الذي يقول هذا يجب عليهِ أن ينقد المغالطات والمفاسد بعناية فائقة كذلك في زمن قد اجتمعت فيهِ على التاريخ الإسلاميِّ عناصر الفساد والإفساد من كل ناحية. بل في زمن نحن نتهيأ فيهِ لإعادة المجد الضائع والحق المغتصب بفقه ما كان عليهِ أسلافنا فقهًا صحيحًا لا يميل إلى الخرافة ولا يشطُّ مع التقليد والتورط والفساد. أقول هذا وأنا أشكر المترجم على ما أضافهُ إلى قليل علمنا عن آراء هذه الفئة المستشرقة التي نفعت العربية نفعًا كبيرًا بحفظ كتبها ونشرها حين أضاعتها أبناؤها وعموا وصمُّوا ثم عموا وصموا، ولولا رحمة الله بمن نشأ فينا وأحيا بعض مجد العربية لغمرتنا الموجة الطاغية التي وقانا الله بعض شرّها.