الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير:
وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ وهو عزيز مصر وقتذاك كما سنعرف من السياق لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ أي اجعلي منزله ومقامه عندنا كريما، أي حسنا مرضيا ..
وقد فسر الضحاك ذلك بطيب معاشه ولين لباسه. ووطئ فراشه عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أي لعله إذا تدرب وراض الأمور وفهم مجاريها، نستظهر به على بعض ما نحن بسبيله أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً أي أو نتبناه ونقيمه مقام الولد وَكَذلِكَ أي وكما أنقذنا
يوسف من إخوته وعطفنا عليه قلب العزيز مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ أي أرض مصر وجعلناه يتصرف فيها بأمره ونهيه وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أي من تعبير الرؤيا وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ أي فعال لما يشاء لا يمنعه أحد عما يشاء وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أي لا يدرون حكمته في خلقه وتلطفه وفعله لما يريد
وَلَمَّا بَلَغَ أي يوسف أَشُدَّهُ أي منتهى استعداد قوته أي استكمل عقله وتم خلقه آتَيْناهُ حُكْماً أي حكمة وهو العلم مع العمل، واجتناب ما يجهل فيه، أو حكما بين الناس وفقها وَعِلْماً أي آتيناه مع الحكم العلم. وقد فسرهما ابن كثير بأنهما النبوة وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ في هذا تنبيه على أنه كان محسنا في عمله، تقيا في عنفوان أمره، وفي ذلك بشارة لكل محسن
وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ أي طلبت من يوسف أن يواقعها، فحاولته على نفسه ودعته إليها، وذلك أنها أحبته حبا شديدا لحسنه وجماله وبهائه، فحملها ذلك على أن تتجمل وتهيأ الوسائل للوصول وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ أي تعال وأقبل قالَ مَعاذَ اللَّهِ أي أعوذ بالله معاذا إِنَّهُ رَبِّي أي إن الشأن والحديث أنه سيدي ومالكي أي زوجها أَحْسَنَ مَثْوايَ أي أكرمني فما جزاؤه أن أخونه في أهله إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ أي الخائنون أو الزناة، ويحتمل أن يعود الضمير على الله عز وجل، والأول أقوى، ذكرها بحق سيده عليه، ألا يخونه في أهله، فلعلها تتذكر حق زوجها عليها فلا تخونه
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ هم عزم وَهَمَّ بِها هم طبع بلا عزم، أو هم خطرة، ولا صنع للعبد فيما يخطر بالقلب ولا مؤاخذة عليه. لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ أي رأى آية من آيات الله تزجره عن المطاوعة كَذلِكَ أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ أي خيانة السيد وَالْفَحْشاءَ أي الزنا إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا أي من جملة عبادنا الْمُخْلَصِينَ أي الذين أخلصهم الله لطاعته. أي كما أريناه برهانا صرفه عما كان فيه، كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره؛ إنه من عباد الله المجتبين المطهرين المختارين المصطفين الأخيار
وَاسْتَبَقَا الْبابَ أي وتسابقا إلى الباب، هي للطلب، وهو للهرب. نفر منها يوسف فأسرع يريد الباب ليخرج، وأسرعت وراءه لتمنعه من الخروج وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ أي اجتذبته من خلفه فانشق قميصه حين هرب منها إلى الباب، وتبعته تمنعه وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ أي وصادفا بعلها مقبلا، يريد أن يدخل، فلما رأته احتالت لتبرئة ساحتها عند زوجها من الريبة، ولتخويف يوسف طمعا في أن يواطئها خيفة منها ومن مكرها قالَتْ ما
جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً أي فاحشة إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أي يحبس أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي يضرب ضربا شديدا موجعا، ولم تصرح بذكر يوسف وأنه أراد بها سوءا لأنها قصدت العموم أي كل من أراد بأهلك سوءا فحقه أن يسجن أو يعذب، لأن ذلك أبلغ فيما قصدت من تخويف يوسف. فلما عرضته للسجن والعذاب ووجب عليه الدفع عن نفسه، ولم يعد مجال للستر عليها وعدم فضيحتها انتصر يوسف عليه السلام لنفسه بالحق، وتبرأ مما رمته به من الخيانة
قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها وفي كونه من أهلها تكون شهادته أوجب للحجة عليها، وأوثق لبراءة يوسف، وكانت شهادته إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ أي من قدامه فَصَدَقَتْ أي في قولها إنه راودها على نفسها لأنه يكون لما دعاها وأبت عليه دفعته في صدره، فقدت قميصه، فيصح ما قالت وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ
وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ أي من ورائه فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ وذلك يكون كما وقع لما هرب منها وتطلبه أمسكت بقميصه من ورائه لترده إليها، فقدت قميصه من ورائه
فَلَمَّا رَأى زوجها قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ علم براءة يوسف وصدقه وكذبها قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ أي إن هذا البهت واللطخ الذي لطخت به عرض هذا الشاب من جملة كيدكن. وقد وجه الخطاب لها ولعامة جنسها إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ لأنهن ألطف كيدا، وأعظم حيلة، وبذلك يغلبن الرجال.
ثم قال آمرا ليوسف عليه السلام بكتمان ما وقع يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا أي اضرب عن هذا صفحا، أي فلا تذكره لأحد وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ أي من جملة القوم المتعمدين للذنب. ويبدو أنه كان لينا سهلا لدرجة أنه لم تثر غيرته، أو أنه عذرها لأنها رأت ما لا صبر لها عنه، ولم يحدث شئ، ولا نتوقع ممن يعيشون في الترف ولا دين لهم حاجزا إلا مثل هذه المواقف، بل أسوأ منها من الدياثة والقيادة. وما يجري في عصرنا لا يحتاج معه هذا الكلام إلى دليل
وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ أي وقالت جماعة من النساء في المدينة التي وقعت فيها الحادثة امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ أي تحاول غلامها عن نفسه وتدعوه إلى نفسها، لتنال شهوتها منه قَدْ شَغَفَها حُبًّا أي قد شغفها حبه يعني خرق حبه شغاف قلبها حتى وصل إلى الفؤاد إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي في خطأ واضح وبعد عن طريق الصواب، أي في صنيعها هذا من حبها فتاها، ومراودتها إياه عن نفسه، وهكذا شاع الخبر وانتشر وذلك دأب ما يجرى في القصور والصالونات- عند ما لا يوجد تدين عندهم- أن رائحة الفضائح لا تزال عابقة فيها
فَلَمَّا
سَمِعَتْ أي زوجة العزيز بِمَكْرِهِنَّ أي باغتيابهن لها، وقولهن ما قلنه، سميت الغيبة في هذا المقام مكرا لأنها في خفية وحال غيبة كما يخفي الماكر مكره، أو سمي قولهن مكرا لأنهن أردن من كلامهن شيئا آخر. قال محمد بن إسحاق: بل بلغهن حسن يوسف فأحببن أن يرينه فقلن ذلك ليتوصلن إلى رؤيته، ومشاهدته، فعند ذلك أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ أي دعتهن إلى منزلها لتضيفهن وَأَعْتَدَتْ وهيأت لَهُنَّ مُتَّكَأً أي ما يتكئن عليه من فرش ونمارق، قصدت بتلك الهيئة وهي قعودهن متكئات، مسترخيات، والسكاكين في أيديهن- كما سنرى- أن يدهشن عند رؤيته، ويشغلن عن نفوسهن، فيجرحن أيديهن وهن لا يشعرن وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وكان هذا مكيدة منها ومقابلة لهن في احتيالهن على رؤيته، دل ذلك على أن الترف كان في تلك المرحلة موجودا. فكون الحاكمين وقتذاك هم الرعاة الهكسوس لم يحل دون أن تغرقهم مصر في نعيمها وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ يبدو أنها كانت قد وضعته في مكان لا يرينه فيه أثناء الدخول والجلوس لتتم المفاجأة فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ أي أعظمنه وهبن ذلك الحسن الرائق، والجمال الفائق وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ أي وجرحنها، كن يقطعن الطعام الذي في أيديهن فدهش لما رأينه، فخدشن أيديهن وكأن لسان حالها وقتذاك يقول: أنتن من نظرة واحدة فعلتن هذا، فكيف ألام أنا؟
وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ تنزيها لله من صفات العجز، وتعجبا من قدرته على خلق جميل مثل يوسف ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ نفين عنه البشرية لغرابة جماله، وأثبتن له الملكية، وثبتن بها الحكم لما ركز في الطباع أن لا أحسن من الملك، كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان. وكأن لسان الحال يقول: وما نرى عليك من لوم بعد هذا الذي رأيناه
قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ تقول هذا معتذرة إليهن بأن هذا حقيق أن يحب لجماله وكماله، ولا يلام من يحب مثله، هذا منطقها، وهو منطق من لا يحجزها دين ولا عقل وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ أي بالغ في الامتناع والتحفظ، ولا يزال مستزيدا منهما، ثم قالت تتوعده وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ من إعطائي مرادي منه لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ أي من المذلين المهانين، مع السراق والسفاك والأباق في السجن، كما سرق قلبي وأبق مني وسفك دمي بالفراق، فلا يهنأ له ثم طعام أم شراب أو نوم، كما منعني هنا كل ذلك. ومن لم يرض بمثلي في الحرير على السرير أميرا، فليكن في السجن على الحصير حسيرا.
فلما سمع يوسف تهديدها قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ أي من ركوب المعصية أي الفاحشة، ولم قال يدعونني