الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا وفي هذا المقطع من سورة الرعد نجد: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى ثم في آيتي سورة البقرة نجد: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. وفى هذا المقطع من سورة الرعد نجد:
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ ....... إلى قوله تعالى وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ وهكذا نجد كيف أن هذا المقطع كان نوع تفصيل لآيتي سورة البقرة، وهو وإن لم يكن تفصيلا على الطريقة المعهودة للبشر لكنه تفصيل يفوق كل تفصيل، وإذا كان محور السورة قد فصل في صفات من يستحق الضلال، فإن المقطع هاهنا قد فصل في صفات من يستحق الهداية ومن يستحق الضلال، هذا مع إقامة الحجة على الضالين، ولقد عمق المقطع عندنا معاني هي: أن الله المحيط علما بكل شئ ينزل وحيا ويضرب مثلا، وأن على خلقه أن يستجيبوا، كما عرفنا أن معرفة الله تقتضي تنزيها وخشية واستجابة له، وعرفنا أن سبب الضلال والهداية يعود إلى استعدادات القلوب وصفات الإنسان، وعرفنا أن لأهل الحق العاقبة في الدنيا والآخرة، وأن الحق وحده هو الذي يبقى، كما عرفنا أن الباطل يتعدد ويتجدد كما يتعدد الزبد ويتجدد ولكن عينه لا تبقى، وأما الحق فإن عينه باقية، وفي ذلك بشارة لمن يعلمون أن ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من ربه عز وجل هو الحق، وهي معان تطويها كلها آيتا البقرة، وسورة الرعد تفصلها هذا التفصيل الرائع، بمقاطعها الثلاثة وقد رأينا كيف فصل المقطع الأول بعض ما في الآيتين نوع تفصيل، وكذلك المقطع الثاني، وسنرى بعد ذكر فوائد هذا المقطع كيف يفصل المقطع الأخير بعض ما انطوى في آيتي سورة البقرة نوع تفصيل.
الفوائد:
1 -
بمناسبة قوله تعالى لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ نذكر الأحاديث والآثار التالية:
أ- في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيصعد إليه الذين
باتوا فيكم فيسألهم- وهو أعلم بكم- كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون».
ب- وروى الإمام أحمد ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة» قالوا وإياك يا رسول الله؟ قال: «وإياي ولكن الله أعانني عليه فلا يأمرني إلا بخير» .
ج- قال ابن كثير: وقال أبو مجلز: جاء رجل من مراد إلى علي رضي الله عنه وهو يصلي فقال: احترس فإن ناسا من مراد يريدون قتلك فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، ألا إن الأجل جنة حصينة.
2 -
وفي قوله تعالى: مِنْ أَمْرِ اللَّهِ كلام كثير للمفسرين، والذي نذهب إليه أن المعنى: أن تسخير ملائكة لحفظ الإنسان جزء من النظام الكلي المحكوم بالقدر، جاء في الحديث أنهم قالوا: يا رسول الله أرأيت رقى نسترقي بها هل ترد من قدر الله شيئا؟
فقال: «هي من قدر الله» فالكون في شقيه الغيبي والمشاهد قد جعل الله له نظاما بأمره، هذا النظام يربط به الحسي بالغيبي، والغيبي بالغيبي، والحسي بالحسي بما لا يعلمه إلا الله عز وجل، وكجزء من هذا النظام تسخير الله ملائكة لحفظ الإنسان، لا من قدر قدره الله عليه، ومن ثم تجد حالات عجيبة تجري في هذا الكون يحس بها الإنسان أن مجريات الأمور كانت تقتضي شيئا لكنه لم يقع كما تقتضيه هذه المجريات 3 - في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ بيان لسنة من سنن الله إدراكها مهم لكل إنسان، وخاصة لمن يشتغلون في التربية والتوجيه والسياسة والاجتماع، ومن ثم جعلتها جمعية العلماء في الجزائر في زمن عبد الحميد بن باديس شعار العمل لها، ولقد ألفت المؤلفات الكثيرة في مضمونها، فبدون تغيير للنفس لا يطمع الإنسان بأحسن، وبدون تغيير لأنفس الأمة لا تطمع الأمة بأحسن، كما أن التغير نحو الأسوأ لا بد أن يرافقه تغيير في الحال، إلا إذا شاء الله أن يعفو، فالأنفس التي ألفت الذلة وعانتها إذا لم ترب على الجهاد لا تطمع بتغيير الحال، والأنفس التي ألفت الفوضى إذا لم ترب على النظام لا تطمع بتغيير الحال، والأمة التي ألفت السيادة إذا لم تحتفظ بالحالة النفسية لها عند ما حصلت السيادة لن تدوم لها، ومن ألف التوفيق مع الله وهو طائع إذا واقع المعصية ولم يقلع عنها فلا يطمع باستمرار التوفيق. نقل ابن كثير عن ابن أبي حاتم بسنده إلى جهم عن إبراهيم: قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله إلا حول الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون، ثم قال: إن تصديق ذلك في كتاب الله إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ.
4 -
بمناسبة قوله تعالى: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ نقول: في هذا المقام يذكر المفسرون اتجاها في التفسير، هذا الاتجاه يذكر أن الرعد ملك، وأن البرق سوطه الذي يسوق به السحاب، والذي نقوله في تفسير هذا الموضوع إذا صحت الروايات فيه هو: إن بعض الأسباب الحسية ربطها الله بأسباب غيبية، كالموت سببه الحسي المرض، وسببه الغيبي سحب الروح من قبل الملك، والجميع بأمر الله وقدرته، فعند ما يثبت بالدليل الشرعي أن سببا حسيا مرتبط بسبب غيبي فقد وجب الإيمان في هذه الحالة بكل من السببين: الغيبي والحسي، ولا يجوز نفي أحدهما بحال، ومما وقع فيه كثير من الإسلاميين في الخطأ سببه النفي أو الإثبات القاصر، وفي هذا المقام- مقام هذه الآية- نقول: إن للرعد سببا حسيا، وللبرق سبب حسي هو ما يتكلم عنه علماء الطبيعة، ولتصريف السحاب أسباب غيبية الله أعلم بها، فعلماء المسلمين يذكرون أن المكلف بأمر الأرزاق ميكائيل، فإذا ورد حديث صحيح حول موضوع الرعد والبرق وصلة الملائكة به، فإنه محمول على ذكر السبب الغيبي الذي لا ينفي السبب الحسي، فإذا أدركت هذا الموضوع عرفت قاعدة مهمة تستطيع أن تفهم بها كثيرا من النصوص، وبمناسبة هذه الآية ننقل هذه الآثار التي ذكرها ابن كثير.
- روى الإمام أحمد: حدثنا يزيد حدثنا إبراهيم بن سعد أخبرني أبي كنت جالسا إلى جنب حميد بن عبد الرحمن في المسجد، فمر شيخ من بني غفار، فأرسل إليه حميد فلما أقبل قال: يا ابن أخي وسع الله فيما بيني وبينك فإنه قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء حتى جلس فيما بيني وبينه، فقال له حميد: ما الحديث الذي حدثتني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الشيخ سمعت عن شيخ من بني غفار أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله ينشئ السحاب، فينطق أحسن النطق، ويضحك أحسن الضحك» والمراد والله أعلم أن نطقها الرعد وضحكها البرق؛ وقال موسى بن عبيدة عن سعد بن إبراهيم قال:
يبعث الله الغيث فلا أحسن منه مضحكا ولا آنس منه منطقا، فضحكه البرق، ومنطقه الرعد وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الحجاج حدثنا أبو مطر عن سالم عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الرعد والصواعق قال:
«اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك»
أقول: إن المسلم مع بحثه عن القانون العلمي، والحقيقة العلمية الكونية، ومع إثباته لها، فإنه له إحساساته الإيجابية التي تجعله يرى في هذا الكون ما لا يراه الكافر، فيذكره ذاك بالله تذكيرا يعبر عنه بذكر أو دعاء أو خشية أو أنس.
5 -
بمناسبة قوله تعالى: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ ننقل أولا ما ذكر كسبب نزول لها، ثم نثني بذكر حديث حول كثرة الصواعق في آخر الزمان:
أ- روي في سبب نزول هذه الآية ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا مرة إلى رجل من فراعنة العرب فقال: «اذهب فادعه لي» قال فذهب إليه فقال: يدعوك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: له من رسول الله؟ وما الله؟ أمن ذهب هو أم من فضة هو أم من نحاس هو؟ قال: فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال يا رسول الله: قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك قال لي كذا وكذا فقال لي:
«ارجع إليه الثانية» فذهب فقال له مثلها. فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك فقال «ارجع إليه فادعه» فرجع إليه
الثالثة قال: فأعاد عليه ذلك الكلام فبينما هو يكلمه إذ بعث الله عز وجل سحابة حيال رأسه فرعدت فوقعت منها صاعقة فذهبت بقحف (1) رأسه فأنزل الله عز وجل وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ الآية
ب- روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
6 -
بمناسبة ضرب الله المثل حول الزبد في السيل والمعادن المذابة قال ابن كثير: (وقد ضرب الله سبحانه وتعالى في أول سورة البقرة للمنافقين مثلين ناريا ومائيا، وهما قوله مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ الآية ثم قال أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ الآية وهكذا ضرب للكافرين في سورة النور مثلين (أحدهما) قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ الآية والسراب إنما يكون في شدة الحر، ولهذا جاء في الصحيحين فيقال لليهود يوم القيامة فما تريدون؟
فيقولون: أي ربنا عطشنا فاسقنا فيقال: ألا تردون؟ فيردون النار فإذا هي كسراب يحطم بعضها بعضا. قال تعالى ثم في المثل الآخر: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ الآية وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا، فكان منها طائفة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء؛ فنفع الله بها الناس فشربوا ورعوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان
(1) القحف: هو أعلى الدماغ.
لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني ونفع به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» فهذا مثل مائي وقال في الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد
…
عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها- قال-: فذلكم مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار، فتغلبوني فتقتحمون فيها» وأخرجاه في الصحيحين أيضا فهذا مثل ناري.
7 -
وبمناسبة قوله تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ذكر ابن كثير مجموعة أحاديث وآثار ننقلها جميعا مع حذف السند: (قال الإمام أحمد
…
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله؟» قالوا الله ورسوله أعلم. قال: «أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله تعالى لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة: نحن سكان سمائك: وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء ونسلم عليهم؟ قال:
إنهم كانوا عبادا يعبدونني لا يشركون بي شيئا، وتسد بهم الثغور وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء- قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب» سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ورواه أبو القاسم الطبراني
…
عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول ثلة يدخلون الجنة فقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره، وإذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى سلطان لم تقض، حتى يموت وهي في صدره، وإن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي؟ ادخلوا الجنة بغير عذاب ولا حساب، وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح بحمدك الليل والنهار ونقدس لك، من هؤلاء الذين آثرتهم علينا؟ فيقول الرب عز وجل: هؤلاء عبادي الذين جاهدوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي، فتدخل عليهم الملائكة من كل باب: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار» وقال عبد الله بن المبارك عن بقية بن الوليد حدثنا أرطاة بن المنذر سمعت رجلا من مشيخة الجند يقال له أبو الحجاج يقول: جلست إلى أبي أمامة فقال: إن
المؤمن ليكون متكئا على أريكته إذا دخل الجنة وعنده سماطان (1) من خدم، وعند طرف السماطين باب مبوب، فيقبل الملك فيستأذن، فيقول أقصى الخدم للذي يليه «ملك يستأذن» ويقول الذي يليه للذي يليه:«ملك يستأذن» حتى يبلغ المؤمن، فيقول:
ائذنوا. فيقول أقربهم إلى المؤمن: ائذنوا، ويقول الذي يليه للذي يليه: ائذنوا، حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب، فيفتح له، فيدخل فيسلم، ثم ينصرف. رواه ابن جرير ورواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش عن أرطاة بن المنذر عن أبي الحجاج يوسف الألهاني قال سمعت أبا أمامة فذكر نحوه وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور قبور الشهداء في رأس كل حول فيقول لهم «سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار» وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان
8 -
من السياق، ومن الآيات التي وصفت أهل الحق وأهل الضلال نعرف أنه بمقدر التحقق بصفات أهل الخير، وبصفات أهل الشر، يكون استحقاق الإنسان للهداية، أو للضلال، أو للجزاء، أو للعقاب. فليكثر الإنسان من تأمل هذه الصفات، وليسع للتحلي والتخلي مع الترقي في المقامات الصالحة، فإن كل مقام يحتاج إلى أن يبذل الإنسان جهدا ليتمكن فيه، وبعض المقامات تحتاج إلى مران كثير كالصبر ابتغاء وجه الله، وكدرء السيئة بالحسنة.
9 -
مظاهر الإعجاز والكمال في هذا القرآن لا تنتهي، وهناك حد أدنى من هذه المظاهر موجود في كل كلمة، وفي كل جملة، وفي كل آية، وفي كل مجموعة آيات، وفي
كل مقطع، وفي كل قسم، وفي كل سورة، وفي القرآن كله، وقد يكون الإعجاز أكثر ظهورا في كلمة أو في آية أو في سورة تأمل قوله تعالى: وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ فههنا صورة إنسان يتترس بالحسنات من السيئات التي توجه إليه، فكلما وجهت إليه سيئة دفعها بحسنة، إن من تأمل هذه الصورة يدرك مظهرا من مظاهر الإعجاز الواضح في الكلمة القرآنية.
***
(1) أي صفان من الخدم.