الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً أي بدلوا شكر نعمة الله كفرا، وذلك لأن شكرها الذي وجب عليهم وضعوا مكانه كفرا، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر، وبدلوا تبديلا، واللفظ يعم كل الكفار، وهو في حق بعض الأقوام أظهر، كالعرب في عصرنا، وأهل مكة، إذ بدلوا دين إبراهيم وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ أي دار الهلاك والصيغة تدل على أن الكلام في القادة والرؤساء الذين يسيرون بمن تابعهم إلى الهلاك
جَهَنَّمَ هي دار البوار يَصْلَوْنَها أي يدخلونها وَبِئْسَ الْقَرارُ أي وبئس المقر جهنم
وَجَعَلُوا أي هؤلاء الذين دخلوا جهنم لِلَّهِ أَنْداداً أي شركاء عبدوهم معه ودعوا الناس إلى ذلك، جعلوهم له أمثالا أو في التسمية لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قال البيضاوي: وليس الضلال ولا الإضلال غرضهم في اتخاذ الأنداد ولكن لما كان نتيجته جعل كالغرض قُلْ تَمَتَّعُوا هذا تهديد ووعيد من الله لهم، أي مهما قدرتم عليه في الدنيا فافعلوا، فمهما يكن من شئ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ فإن مرجعكم ومآلكم إليها، والأمر بالتمتع هنا يفيد الخذلان والتخلية، والتمتع كما فسره ذو النون المصري أن يقضي العبد ما استطاع من شهوته
قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا أضاف عباده إلى نفسه تشريفا لهم، ووصفهم بأعلى أوصافهم وهو الإيمان يُقِيمُوا الصَّلاةَ بالمحافظة على وقتها وحدودها وركوعها وخشوعها وسجودها وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يدخل في ذلك أداء الزكوات، والنفقة على القربات، والإحسان إلى الأجانب في الخفية والجهر، وإخفاء التطوع أفضل، وإعلان الواجب أفضل، إلا لمصلحة في الحالتين مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ هو يوم القيامة لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ أي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالة فالخلال المخالة أي الصداقة فليبادر العبد في الدنيا بالصلاة والإنفاق لخلاص نفسه
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ قال النسفي: من السحاب ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ
فمن كان كذلك تستحق له العبادة بالصلاة ويجب أن يطاع بالإنفاق مما رزق وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ وكل ذلك فيه رزق لكم فاشكروه بالصلاة والإنفاق مما رزقكم
وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ أي يدأبان في حركتهما وإنارتهما ودرئهما الظلمات، وإصلاحهما ما يصلحان من الأرض والأبدان والنبات، وهذا كله يقتضي شكرا بالصلاة والإنفاق وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ يتعاقبان لمعاشكم وسباتكم
وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ أي وهيأ لكم كل ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم مما تسألونه بحالكم، فهو يعلم احتياجكم قبل خلقكم، ويعلم ما تسألونه قبل وجودكم، فخلقه وسهله لكم وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها أي لا تطيقون عدها، وبلوغ آخرها، حتى على سبيل الإجمال، فكيف على سبيل التفصيل إِنَّ الْإِنْسانَ المراد به الجنس لَظَلُومٌ يظلم النعمة بإغفال شكرها كَفَّارٌ شديد الكفران للنعمة، أو ظلوم في الشدة يشكو ويسخط، كفار في النعمة يجمع ويمنع.
ثم بعد هذه الآيات ستأتي آيات تحدثنا عن إبراهيم عليه السلام ودعائه للبلد الحرام بتجنيبه الأصنام، وغير ذلك من دعواته كما سنراها، فما صلة ذلك بالآيات قبلها:
إذا تذكرنا بداية هذه المجموعة أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً
…
وأن المفسرين يحملون هذا- كما سنراه- على أهل مكة، أدركنا الصلة بين قصة إبراهيم عليه السلام وما سبقها، وإذا رأينا من دعاء إبراهيم رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ....
ورأينا فيما مر قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ
…
عرفنا الصلة بين ما مر وما سيأتي، وإذا رأينا في كلام إبراهيم وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ وتذكرنا قوله تعالى فيما مر وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ
…
أدركنا كذلك الصلة بين الفقرتين، فإذا تأملنا هذه المجموعة كلها من آخرها فما سبقه، من قصة إبراهيم عليه السلام، إلى نعم الله في السموات والأرض، نعرف كيف أن زعماء مكة بدلوا نعمة الله كفرا وأشركوا به، وكيف أن الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباد الله بالصلاة والإنفاق هو وضع للأمر في نصابه الصحيح الذي رغب فيه إبراهيم عليه السلام، وإنما فصلنا بهذه الكلمة بين الفقرتين في المجموعة السادسة ليقبل القارئ وفي ذهنه صورة عن صلة قصة إبراهيم عليه السلام بما قبلها،
فقصة إبراهيم عليه السلام تذكير بكل الحقائق التي غفلت عنها قريش والناس، والتي لفتت الآيات السابقة النظر إليها وأمرت بها.
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ أي واذكر إذ قال إبراهيم رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ أي البلد الحرام مكة آمِناً أي ذا أمن وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أي أولادي وذريتي أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ومعنى جنبني أي أبعدني أي ثبتني وأدمني على اجتناب عبادتها
رَبِّ إِنَّهُنَّ أي الأصنام أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ جعلن مضلات على طريق التسبيب؛ لأن الناس ضلوا بسببهن فكأنهن أضللنهم فَمَنْ تَبِعَنِي أي على ملتي، وكان حنيفا مسلما مثلي فَإِنَّهُ مِنِّي أي هو بعضي لفرط اختصاصه وَمَنْ عَصانِي فيما دون الشرك فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تغفر وترحم لمن تاب وآمن
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي أي بعض أولادي وهم إسماعيل ومن سيلد منه بِوادٍ هو وادي مكة غَيْرِ ذِي زَرْعٍ أي لا يكون منه شئ من زرع قط، عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ المراد به بيت الله، وسمي محرما لأن الله تعالى حرم التعرض له والتهاون به، وجعل حوله حرما لمكانه، أو لأنه لم يزل ممنعا يهابه كل جبار، أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكها رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ أي ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم، ويعمروه بذكرك وعبادتك. فما أعظم الصلاة وما أغلى قيمتها عند الله ورسله فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً أي قلوبا مِنَ النَّاسِ أي من قلوب الناس تَهْوِي إِلَيْهِمْ أي تسرع إليهم من البلاد الشاسعة، وتطير نحوهم شوقا وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ أي مع سكناهم واديا ليس فيه شئ منها، بأن تجلب إليهم من البلاد القريبة والشاسعة، وقد كان ذلك كله لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ النعمة إذ تهوي إليهم الأفئدة، وإذ يرزقون أنواع الثمرات في واد ليس فيه شجر ولا ماء
رَبَّنا في تكرار النداء التضرع واللجوء إلى الله إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ أي تعلم السر كما تعلم العلن وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ هل هذا من كلام إبراهيم، أو من كلام الله تصديقا لإبراهيم عليه السلام؟ قولان للعلماء ومعنى وما يخفى على الله من شئ أي وما يخفى على الله شئ ما
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ تذكر التوراة الحالية المحرفة أن إسماعيل ولد لإبراهيم وعمره ابن ست وثمانين سنة، وأن إسحاق ولد له وعمره مائة سنة، وإنما ذكر حال الكبر لأن المنة بهبة الولد فيه أعظم، لأنها حال وقوع اليأس من الولادة والظفر بالحاجة، من أجل النعم، ولأن الولادة في تلك السن العالية كانت آية لإبراهيم إِنَ