الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير:
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ أي هذا الكتاب قد نظمت آياته نظما رصينا محكما بعجيب النظم وبديع المعاني، فلا يقع فيه نقص ولا خلل كالبناء المحكم ثُمَّ فُصِّلَتْ أي بينت فيها الأحكام والقصص والمواعظ، فآيات القرآن محكمة من جهة لا يدخل عليها نقص ولا نقض ولا خلل، وهي في الوقت نفسه مفصلة مبينة واضحة وقد ذهب النسفي (أن كلمة فصلت تحتمل أنها جعلت فصولا سورة سورة، وآية آية).
و(ثم) في الأصل تفيد التراخي في الوقت، وهاهنا تفيد الجمع والتراخي في الحال، فليس التفصيل على حساب الإحكام، بل الإحكام أولا ثم التفصيل، مع أن التفصيل في غاية البيان، ومن مظاهر التفصيل ما رأيناه في هذا الكتاب، من كون كل قسم من القرآن يفصل نوع تفصيل لما أجمل في مكان آخر، وكل سورة تفصل ما أجمل في آية أو في مجموعة آيات، وهذا مظهر واحد من مظاهر التفصيل في القرآن، ومن مظاهر التفصيل البيان المفهوم لكل عربي على حسب طاقته، ووضوح المعاني ووصولها إلى القلب السليم، وكتاب يجمع مثل هذا الإحكام في النظم والمعاني، حتى إنه ليسع الزمان والمكان والإنسان، ولا ينقضه شئ في الزمان والمكان، مع هذا التفصيل والبيان لا يمكن أن يكون إلا من عند الله، ولذلك ختمت هذه الآية بقوله تعالى: مِنْ لَدُنْ
حَكِيمٍ خَبِيرٍ أي الله. فالله عز وجل الحكيم في أقواله وأفعاله، الخبير بعواقب الأمور هو منزل هذا القرآن، ومن ثم كان فيه مثل هذا الإحكام والتفصيل
أَلَّا تَعْبُدُوا أى بأن لا أو لئلا تعبدوا إِلَّا اللَّهَ ويمكن أن تكون (أن) في هذا المقام مفسرة للإحكام والتفصيل، لأن في تفصيل الآيات معنى القول، كأنه قيل: قال لا تعبدوا إلا الله، أو أمركم ألا تعبدوا إلا الله. والمعنى: نزل هذا القرآن المحكم المفصل لعبادة الله وحده لا شريك له إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ أي من الله نَذِيرٌ بالعذاب إن خالفتموه وَبَشِيرٌ بالثواب إن أطعتم الله والضمير في (إنني) يعود إما إلى القرآن نفسه، أو إلى الرسول المنزل عليه هذا القرآن
وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ معطوف على أَلَّا تَعْبُدُوا أي أحكمت آياته ثم فصلت للعبادة والاستغفار، أي وأمركم بالاستغفار من الذنوب السالفة، والتوبة منها إلى الله عز وجل فيما تستقبلونه، وأن تستمروا على ذلك ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ أي استغفروه من الذنب ثم ارجعوا إليه بالطاعة يُمَتِّعْكُمْ في الدنيا مَتاعاً حَسَناً بطيب عيش وسعة رزق إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو الموت. والمعنى: إن عبدتم واستغفرتم ولازمتم الطاعة نفعكم في الدنيا بمنافع حسنة مرضية، من عيشة واسعة، ونعمة متتابعة إلى أن يتوفاكم وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ في الاعتقاد والعمل فَضْلَهُ أي جزاءه، أي ويعط في الآخرة كل من له فضل في العمل وزيادة فيه جزاء فضله، لا يبخس منه شيئا وَإِنْ تَوَلَّوْا أي وإن تتولوا أي تعرضوا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ هو يوم القيامة، وهذا تهديد شديد لمن تولى عن أوامر الله تعالى، وكذب رسله، فإن العذاب يناله يوم القيامة لا محالة
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ أي معادكم ورجوعكم يوم القيامة وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ومن ثم كان قادرا على إعادتكم وإثابتكم وتعذيبكم. والمعنى: وهو القادر على ما يشاء من إحسانه إلى أوليائه، وانتقامه من أعدائه وإعادة الخلائق يوم القيامة وهذا مقام ترهيب، كما أن الوعد السابق في إعطاء كل ذي فضل فضله مقام ترغيب.
وقد لخصت هذه الآيات مقاصد القرآن بأنها العبادة والاستغفار، والتبشير والإنذار، وأن الإحكام والتفصيل في هذا القرآن إنما كان من أجل تحقيق هذه المقاصد، فإن يخدم هذا الإحكام وهذا التفصيل هذه المقاصد فهذا كذلك مظهر من مظاهر الإعجاز الذي لا يستطيعه بشر، وذلك يدلل على أن هذا القرآن من عند الله.