الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وجه لتوصلهم إلى ما يريدون من الاستخفاء، والله مطلع على ثنيهم صدورهم واستغشائهم ثيابهم إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بما في القلوب، وهكذا من خلال العرض لوضع بعض الناس عرفنا الله على ذاته، فبعد أن أمرنا الله بعبادته عرفنا على ذاته وصفاته جل جلاله، أما هذا الوضع الإنساني فهو إما وضع منحرف لمنافقين وإما وضع هو أثر عن تصور خاطئ لمسلمين- كما سنرى في ال
فائدة
اللاحقة- وأيا كان فإن السياق من خلال عرضه لهذا الوضع عرفنا على الله عز وجل الذي جاء الأمر بعبادته في أول هذا المقطع.
فائدة:
من أقوال المفسرين في سبب نزول هذه الآية: أن ناسا كانوا يثنون صدورهم إذا قالوا شيئا أو عملوه، فيظنون أنهم يستخفون من الله بذلك، فأخبرهم الله أنهم حين يستغشون ثيابهم عند منامهم في ظلمة الليل يعلم ما يسرون وما يعلنون. قال مجاهد والحسن وعبد الله بن شداد: كان أحدهم إذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وغطى رأسه. وروى البخاري عن ابن عباس فيها قال: أناس يستحيون أن يتخلوا فيفضوا بفروجهم إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم. فإذا كانت الآية في المسلمين فهي تصحيح لمفهوم مرتبط بالعبادة، فليست العبادة في الإسلام أن تخجل مما أباحه الله. وإن كانت في الكافرين والمنافقين فهي تصحيح لتصورهم عن الذات الإلهية، وأيا كان سبب النزول فالآية هي وما بعدها تعرفنا على الله الذي أمرنا بعبادته، إذ لا عبادة إلا بعد معرفة، وهكذا
يستمر السياق في تعريفنا على الله.
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ كل ما دب على الأرض فهو دابة إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها منة منه وتفضلا، لا وجوبا عليه تعالى، فهو مالك كل شئ، ويفعل ما يريد وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها أي يعلم أين منتهى سيرها في الأرض، وأين مكانها من الأرض ومسكنها وَمُسْتَوْدَعَها أي حيث كانت مودعة قبل الاستقرار من صلب أو رحم أو بيضة، أو حيث تموت كُلٌّ أي كل ذلك من الدواب ورزقها ومستقرها ومستودعها فِي كِتابٍ مُبِينٍ هو اللوح المحفوظ، أي إن جميع ذلك مكتوب في كتاب عند الله، مبين عن جميع ذلك
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ تعليما للتأني وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ قبل أن يخلق شيئا، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلق السموات والأرض، العرش علوي والماء سفلي،
والملاحظ الآن علميا أن الفارق بين العناصر هو في عدد الكتروناتها وبروتوناتها، وأن الماء مؤلف من أكسجين وهيدروجين وأن ذرة الهيدروجين، مؤلفة من بروتون واحد، والكترون واحد، وهذا يعني أن ما سوى الهيدروجين من العناصر الأصل فيه الهيدروجين، ولا ندري ماذا يمكن أن يأتي به العلم البشري في المستقبل من احتمالات اكتشاف مزيد مما يلقي ضوءا يزيدنا إبصارا في فهم الآية، وفي فهم قضية الخلق لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي خلق السموات والأرض وما فيهما من منافع ومصالح، ليختبركم أيكم أطوع لله وأكثر شكرا، ولم يخلق ذلك عبثا، فلم تخلق هذه الأشياء إلا للامتحان، فمن كان أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله، أثابه الله، ومن كفر وعصى عاقبه، ولما أشبه ذلك اختبار المختبر قال:
لِيَبْلُوَكُمْ أي ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لأحوالكم كيف تعملون، وهو جل جلاله أعلم بما نحن عاملون، وقال: أَحْسَنُ عَمَلًا ولم يقل أكثر عملا لأن العبرة بحسن العمل، ولا يكون العمل حسنا حتى يكون خالصا لله عز وجل، وعلى شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمتى فقد العمل واحدا من هذين الشرطين حبط وبطل وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ أي ولئن أخبرت يا محمد هؤلاء الكافرين أن الله سيبعثهم بعد مماتهم وذلك مقتضى الحكمة في خلق السموات والأرض للابتلاء، فالبعث شئ بديهي لمن أدرك هذه الحقيقة لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا أي ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ أي بين واضح، أي ما هذا القرآن إلا سحر واضح، ووصف القرآن بالسحر إشارة إلى أنه لم يحو إلا التمويه والباطل الذي يجانف الحق، وإذ وصفوا القرآن بالسحر فقد أبطلوا كل ما فيه، ومن ذلك موضوع الإيمان باليوم الآخر، مع أن تكذيبهم بالقرآن وتكذيبهم باليوم الآخر نفي للحكمة من خلق السموات والأرض أصلا،
ثم بين الله عز وجل أن الكافر لا تزيده النعم والإمهال إلا عتوا وتمردا وكفرا وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ أي أوقات مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ استهزاء ما يَحْبِسُهُ أي ما يمنعه من النزول. والمعنى: لئن أخرنا العذاب والمؤاخذة عن هؤلاء الكافرين إلى أجل معدود، وأمر محصور، وأوعدناهم إلى مدة مضروبة، ليقولن تكذيبا واستهزاء ما يؤخره عنا؟ أي يقولون للمؤمنين: إن ما تقولونه غير صحيح أصلا، ولو كان صحيحا لعذبنا. والجواب أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ أي العذاب لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ أي ليس مدفوعا عنهم وَحاقَ بِهِمْ أي نزل وأحاط ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ من العذاب، دل هذا على أن قولهم: ما يحبسه كان استهزاء،
ثم أخبرنا الله عز وجل عن