الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير:
وَقالَ الْمَلِكُ ملك مصر إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ أي مهازيل والعجف: الهزال الذي ليس بعده وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ أي وسبعا يابسات يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أي يا أعيان المملكة من الحكماء والعلماء والسحرة أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ أي تؤولون وتفسرون، ومعنى عبرت الرؤيا: أي ذكرت عاقبتها وآخر أمرها، ونحوه أولت الرؤيا إذا ذكرت مآلها وهو مرجعها
قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ أي تخاليطها وأباطيلها، وما يكون منها من حديث نفس أو وسوسة شيطان، وأصل الأضغاث: ما جمع من أخلاط النبات وحزم من أنواع الحشيش فاستعيرت لذلك والتقدير: أضغاث من أحلام وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ يحتمل كلامهم أنهم أرادوا بالأحلام المنامات الباطلة، فقالوا ليس لها عندنا تأويل إنما التأويل للمنامات الصحيحة، ويحتمل أنهم اعترفوا بقصور علمهم وأنهم ليسوا في تأويل الأحلام بخابرين
وَقالَ الَّذِي نَجا من القتل مِنْهُما من صاحبي السجن وهو الساقي وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أي وتذكر يوسف وما شاهد منه بعد مدة، وهذه المدة تحددها التوراة الحالية بأنها سنتان، وتذكره كان حين استفتى الملك في رؤياه، وأعضل على الملك تأويلها. وعندئذ تذكر الناجي يوسف وتأويله رؤيا هو رؤيا صاحبه وطلبه إليه أن يذكره عند الملك فقال: أَنَا أُنَبِّئُكُمْ
بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ أي أنا أخبركم بتفسيره عمن عنده علمه فابعثوني إليه لأسأله،
فبعثوه فجاء فقال: يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أي أيها البليغ في الصدق وإنما قال له ذلك لأنه ذاق وتعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه حيث جاء تفسيرها كما أول أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ أي إلى الملك وأعوانه لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ الحق في أمرها، وفضلك ومكانك من العلم فيطلقونك من محنتك،
فعند ذلك ذكر له يوسف تعبيرها من غير تعنيف للفتى في نسيانه ما وصاه به، ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك قالَ: تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً أي متواليات وكلامه يفيد الأمر والتقدير: ازرعوا سبع سنين متواليات فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ كيلا يأكله السوس إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ في تلك السنين كأنه قال: إن أمامكم سبع سنين مخصبة ممطرة، فمهما استغللتم في هذه السبع السنين فادخروه في سنبله ليكون أبقى له، وأبعد عن إسراع الفساد إليه، إلا المقدار الذي تأكلونه، وليكن قليلا لا تسرفوا فيه لتنتفعوا في السبع الشداد، وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه السبع المتواليات
لذلك قال: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ أي ممحلات يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ أي في السنين المخصبة إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ أي تحرزون وتخبئون
ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي من بعد أربع عشرة سنة عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ أي يأتيهم الغيث وهو المطر وَفِيهِ يَعْصِرُونَ العنب والزيتون وغير ذلك، فيتخذون الأشربة والأدهان، أول البقرات السمات، والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة،
ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا أن العام الثامن بعد الشدة يجئ مباركا، كثير الخير، غزير النعم، وذلك من جهة الوحي وَقالَ الْمَلِكُ بعد أن رجعوا إليه بتعبير رؤياه التي كان رآها بما أعجبه وأيقنه فعرف فضل يوسف عليه السلام وعلمه ائْتُونِي بِهِ أي أخرجوه من السجن وأحضروه فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ ليخرجه من السجن قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ أي إلى الملك فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ أي إن كيدهن عظيم لا يعلمه إلا الله وهو مجازيهن عليه، امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته ونزاهة عرضه، مما نسب إليه، وأن هذا السجن لم يكن على أمر يقتضيه بل كان ظلما وعدوانا. قال النسفي: (إنما تثبت يوسف، وتأنى في إجابة الملك، وقدم سؤال النسوة؛ ليظهر براءة ساحته، عما رمي به وسجن فيه، لئلا يتسلق به الحاسدون إلى تقبيح أمره عنده، ويجعلوه سلما إلى حط
منزلته لديه، ولئلا يقولوا ما خلد في السجن سبع سنين إلا لأمر عظيم وجرم كبير، وفيه دليل على أن الاجتهاد في نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها) والملاحظ أنه لم يذكر سيدته مع ما صنعت به وتسببت فيه من السجن والعذاب، واقتصر على ذكر المقطعات أيديهن، وذلك من كمال كرمه وحسن أدبه، ورجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف،
فدعا الملك النسوة المقطعات أيديهن، ودعا امرأة العزيز فإما أنهن معروفات أو أن يوسف حدد أسماءهن قالَ أي الملك لهن ما خَطْبُكُنَّ أي ما شأنكن إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ أي هل وجدتن منه ميلا إليكن قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ تعجبا من قدرته على خلق عفيف مثله ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ أي من ذنب قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أي ظهر واستقر أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ أي في قوله هي راودتني عن نفسي، ولا مزيد على شهادتهن له بالبراءة والنزاهة، واعترافهن على أنفسهن أنه لم يتعلق بشيء مما قذف به
ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ* وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ هذا الكلام هل هو كلام امرأة العزيز؟ أو قول يوسف معللا سبب امتناعه من الخروج حتى تثبت براءته؟ قولان للمفسرين وقد رجّح ابن تيمية وابن كثير أن هذا من تتمة كلام امرأة العزيز، ولم يذكر ابن جرير وابن أبي حاتم إلا القول الذي يدل على أنه من كلام يوسف، وعلى القول أن هذا من تتمة كلام امرأة العزيز يكون المعني: إنما اعترفت بهذا على نفسي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر ولا وقع المحذور الأكبر، وإنما راودت هذا الشاب مراودة، فامتنع، فلهذا اعترفت ليعلم أني بريئة وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي تقول المرأة لست أبرئ نفسي، فإن النفس تتحدث وتتمنى، ولهذا راودته إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي أي إلا من عصمه الله إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ذكرت بغفران الله الذنب، وبرحمة الله مستعطفة، راجية وعلى القول بأن هذا كلام يوسف يكون المعنى: ذلِكَ أي امتناعي عن الخروج لِيَعْلَمَ أي العزيز أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ أي بظهر الغيب في حرمه، أو ليعلم الملك أني لم أخن العزيز بظهر الغيب وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ أي وليعلم أن الله لا يسدد كيد الخائنين، وكأنه تعريض بامرأته في خيانتها أمانة زوجها، ثم أراد أن يتواضع لله، ويهضم نفسه؛ لئلا يكون لها مزكيا، وليبين أن ما فيه من الأمانة بتوفيق الله وعصمته فقال: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي أي من الزلل وما أشهد لها بالبراءة الكلية، ولا أزكيها
في عموم الأحوال أو في هذه الحادثة، لما ذكرنا من الهم الذي هو الخطرة البشرية لا عن طريق القصد والعزم إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ أي إن النفس البشرية بطبيعتها تأمر بالسوء، وتحمل عليه لما فيه من شهواتها وحظوظها إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي أي إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة، أو إلا وقت رحمة ربي. يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت إلا وقت العصمة، أو إن النفس لأمارة بالسوء، ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة، وبعد أن ذكر النسفي وقرر هذا الوجه، وهو أن هذا كلام يوسف ذكر وجه أن يكون هذا كلام امرأة العزيز إلا أنه وجهه غير التوجيه الذي وجهه إياه ابن كثير، وهذا كلامه: (وقيل هو من كلام امرأة العزيز أي ذلِكَ الذي قلت لِيَعْلَمَ يوسف أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ ولم أكذب عليه في حال الغيبة، وجئت بالصدق فيما سئلت عنه وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي مع ذلك من الخيانة، فإني قد خنته حين فر مني وقلت ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ وأودعته السجن، وتريد الاعتذار مما كان منها، إن كل نفس لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إلا نفسا رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت، وإنما جعل من كلام يوسف، ولا دليل عليه ظاهر، لأن المعنى يقود إليه، وقيل هذا من تقديم القرآن وتأخيره، أي قوله ذلِكَ لِيَعْلَمَ متصل بقوله ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ.
وسواء كان كلام امرأة العزيز، أو كان كلام يوسف عليه السلام، فالدرس المستفاد منه لا يتغير، أن العاقبة الحميدة للأمانة، والعاقبة الذليلة للخيانة. وَقالَ الْمَلِكُ حين تحقق براءة يوسف عليه السلام، ونزاهة عرضه مما نسب إليه ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي أي أجعله خالصا لنفسي، أي أجعله من خاصتي، وأهل مشورتي. فَلَمَّا كَلَّمَهُ أي خاطبه الملك، وعرفه، ورأى فضله وبراعته، وعلم ما هو عليه من خلق وخلق وكمال قالَ أي الملك ليوسف إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أي ذو مكانة ومنزلة أَمِينٌ أي مؤتمن على كل شئ
قالَ يوسف اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ أي ولني على خزائن أرضك أرض مصر، والخزائن هي الأهراء التي يجمع فيها الغلات، لما يستقبلونه من السنين التي أخبرهم بشأنها، فيتصرف لهم على الوجه الأحوط، والأصلح، والأرشد إِنِّي حَفِيظٌ أي أمين أحفظ ما تستحفظنيه عَلِيمٌ أي عالم بوجوه التصرف، هذا تعليل لطلبه، وصف نفسه بالأمانة، والكفاية، وهما طلبة الملوك ممن يولونه، وهما الصفتان اللتان يحتاجهما