الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من الجور والقحط والجهد
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ أي على السرير، أي أجلسهما معه على سريره وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً أي سجد له أبواه وإخوته الباقون، وكانوا أحد عشر رجلا وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ أي تعبير وتفسير رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ وهي التي قصها الله تعالى في ابتداء القصة قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا أي صادقة وَقَدْ أَحْسَنَ بِي أي إلي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ولم يذكر الجب لقوله لا تثريب عليكم، وهذا من كمال ذوقه ولطفه وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ أي من البادية لأنهم كانوا أصحاب مواش ينتقلون في المياه والمناجع مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ أي أفسد بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ أي لطيف التدبير لما يشاء، أي إذا أراد أمرا قيض له أسبابا، وقدره ويسره إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ أي بمصالح عباده الْحَكِيمُ في أقواله وأفعاله وقضائه وقدره وما يختاره ويريده، فإن أخر الآمال إلى آجال فلحكمة، أو حكم بالائتلاف بعد الاختلاف فلحكمة، وكل أفعاله حكمة،
ثم دعا بعد أن تمت عليه النعمة باجتماعه بأبويه وإخوته وما من الله به عليه من النبوة والملك رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ أي السلطان وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أي تعبير الرؤيا، أو تفسير كتب الله، واستعماله للفظ (من) في الحالين وهي تفيد التبعيض إشارة إلى أنه لم يؤت إلا بعض ملك الدنيا فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي يا خالق السموات والأرض أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي أنت تتولاني بالنعمة في الدارين، بوصل الملك الفاني بالملك الباقي، تَوَفَّنِي مُسْلِماً طلب الوفاة على حال الإسلام مع أنه رسول معصوم ليقتدي به قومه، ومن بعده ممن ليس بمأمون العاقبة وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ من آبائي أو على العموم. وهكذا انتهت القصة ولم يبق من السورة إلا خاتمتها.
فوائد:
1 -
هذا المشهد الطويل الأخير موجود في التوراة الحالية من الإصحاح (42) إلى الإصحاح (47) من سفر التكوين وتحريف النساخ والرواة في هذه الإصحاحات ظاهر، فمثلا تذكر رواية التوراة الحالية أن يوسف عليه السلام في الرحلة الأولى احتجز أحد إخوته وهو شمعون، ويعتمد هذا بعض المفسرين. يذكر هذا في الإصحاح الثاني والأربعين ولكنا نلاحظ بعد ذلك أن الإصحاح الثالث والأربعين يذكر كيف أن الجوع عض يعقوب وأهله حتى أمرهم بالعودة إلى مصر فرفضوا إلا أن يأخذوا بنيامين، وليس في هذا التباطؤ ما يشير إلى أن هناك أخا يحتاج إلى إنقاذ. وفي هذا الإصحاح نجد هذا
النص (وخذوا أخاكم وقوموا ارجعوا إلى الرجل والله القدير يعطيكم رحمة أمام الرجل حتى يطلق لكم أخاكم الآخر وبنيامين وأنا إذا عدمت الأولاد عدمتهم) فما معنى أن يقول: حتى يطلق لكم أخاكم الآخر وبنيامين. مع أن بنيامين على حسب هذه الرواية لم يبرح بعد. والإصحاحات هذه لا تذكر إلا رحلتين ثم الجلاء العام إلى مصر. فهذا النقل الذي نقلناه يدل على التحريف الواقع، وهو أن رحلة من الرحلات قد أغفلت.
وهي الرحلة الثانية التي أخذ فيها بنيامين. فبقى بسبب ذلك أحد إخوته في مصر
من أجله، وخلط موضوع الرحلة الثانية في موضوع الرحلة الأولى والثالثة، إذ الإصحاحات تذكر أنه بعد اكتشاف سرقة بنيامين مباشرة كشف يوسف نفسه، فليس بين الإعلان عن عبودية بنيامين وكلام يهوذا له، ثم كشفه لهم أنفسهم إلا دقائق فما الفائدة إذن من كل العملية التي عملها يوسف في وضع الصاع في رحل أخيه إذا كان الأمر كذلك؟ ثم لا نجد إطلاقا أي كلام عن شمعون الذي احتجزه يوسف في المرة الأولى على زعم رواية التوراة الحالية بعد العودة. كل هذا يدل على أن الزمن قد عمل في تحريف الرواية، وأن أقلام النساخ الكاذبة قد عملت عملها، والله عز وجل في القرآن قد صحح الخطأ وبين لنا الحقيقة. وهذا النص الذي نقلناه وحده كاف ليرينا نوعا من أنواع الإعجاز في هذا القرآن، ومن ثم فإننا لا نستطيع أن نأخذ من هذه الإصحاحات شيئا يعتد به، بل على العكس نقول إن هذه الإصحاحات فيها من النقص
والتحريف والإجمال ما أكمله القرآن وسدده وفصله، فمثلا تذكر الإصحاحات أنه بعد اكتشاف الصاع في رحل بنيامين (وحمل كل واحد على حماره ورجعوا إلى المدينة) فلا تذكر الجمال مع أن النص القرآني يقول أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ فهل من المعقول في رحلة كهذه أن يكون الحمار هو أداة الحمل، الظاهر أن الحمار لركوبهم ولا بد أن يكون معهم جمال، وفي الإصحاحات كما رأينا في النقل عن خطاب يهوذا ليوسف اقتراح من يهوذا أن يحل محل بنيامين في العبودية، والقرآن يذكر أن كبيرهم هو الذي بقي في مصر من أجل بنيامين، وكبيرهم هو رأوبين، مع أن التوراة تذكر أن الذي احتجز أول مرة هو شمعون، ومع أن المفسرين المسلمين يحتملون أن يكون المراد بكلمة كبيرهم، كبيرهم في الرأي، أو رئيسهم في رحلتهم، إلا أننا نؤثر ألا نجزم في هذا الموضوع برأي ونبقي النص القرآني على ظاهره. حتى إن ابن كثير يرفض رواية التوراة جملة في كون أم يوسف راحيل كانت ميتة عند ما ورد يعقوب عليه السلام إلى مصر، أخذا بظاهر النص القرآني وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ إلا أن مفسرين آخرين لا
يستبعدون أن يكون المراد هنا خالته زوجة أبيه لأن حكمها حكم الوالدة.
وخلال الكلام عن يوسف هنا يذكر بعض المفسرين روايات كثيرة مرجعها كلام أهل الكتاب وليس في ذكرها كبير طائل ما دام الأصل الأكبر لروايات أهل الكتاب لا يمكن الاعتماد عليه في هذا الموضوع.
2 -
تذكر الإصحاحات المذكورة أن عدد بيت يعقوب عند ما سكنوا مصر كان سبعين نفسا، كما تذكر أن المجئ إلى مصر بعد سنتين من سني الجوع، وأنهم سكنوا في أرض جاسان وهي تقع شمالي القاهرة الحالية، وإلى الغرب من قناة السويس الحالية، وفيها أن يعقوب عاش بعد دخولهم مصر سبع عشرة سنة، فكانت أيام يعقوب مائة وسبعا وأربعين سنة، وأنه أوصى ألا يدفن في مصر بل يدفن في أرض آبائه، وقد فعل يوسف ما أوصاه به أبوه، وأما يوسف فقد دفن في أرض مصر، ولكنه أوصى أن يحمل إذا خرج بنو إسرائيل من مصر.
3 -
يلاحظ أن سفر التكوين الذي هو السفر الأول من أسفار التوراة ينتهي بكلام عن يوسف، وإذا استعرضناه فإننا لا نجد أمرا فيه ذا شأن إلا وهو موجود في القرآن بشكل أصح وأدق، حتى إنك لا تجد شيئا غريبا عنك إلا بعض تفصيلات لا تفيد ذكرا ولا عظة ولا تشريعا ولا شيئا، وما من شئ فيه قد ذكره القرآن إلا وقد ذكره في السياق المناسب والمكان الذي يكون فيه أكثر عطاء. فمثلا في الإصحاح التاسع والأربعين نجد وصية يعقوب لأولاده عند موته، وقد قص القرآن علينا هذه الوصية في سورة البقرة، وهي الوصية الحقيقية التي تتفق مع منطق الأنبياء، أما في هذا الإصحاح فلا نجد مثل هذه الوصية الجامعة للجميع، وإنما نجد كلاما عن كل ولد من الأولاد وبهذه المناسبة نقول إنه يوجد في هذا الإصحاح هذا النص (لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب) وفي كتابنا (الرسول صلى الله عليه وسلم بينا في الفصل الخامس كيف أن أصل هذا النص لا يمكن أن يحمل إلا على أنه بشارة برسولنا عليه الصلاة والسلام، فإذا اتضح ما أسلفنا علمنا كيف أن هذا القرآن مصدق لما بين يديه من الكتاب ومهيمن عليه، وفي قصة يوسف نموذج على ذلك، ومن ثم جاءت في السياق الكلي للقرآن في محور التدليل على أن هذا القرآن من عند الله لا ريب في ذلك.
4 -
بمناسبة قوله تعالى: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي نقل ابن كثير عن ابن جرير بسنده إلى محارب بن دثار قال: كان عمر رضي الله عنه يأتي المسجد فيسمع إنسانا يقول: اللهم دعوتني فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا السحر فاغفر لي، قال:
فاستمع الصوت، فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود فسأل عبد الله عن ذلك فقال:
إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي
5 -
بمناسبة قوله تعالى: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً قال ابن كثير: (وقد كان هذا سائغا في شرائعهم، إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه السلام، فحرم هذا في هذه الملة، وجعل السجود مختصا بجناب الرب سبحانه وتعالى، هذا مضمون قول قتادة وغيره. وفي الحديث أن معاذا قدم الشام فوجدهم يسجدون لأساقفتهم، فلما رجع سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما هذا يا معاذ؟» فقال: إني رأيتهم يسجدون لأساقفتهم، وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله، فقال: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها». وفي حديث آخر: أن سلمان لقي النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة- وكان سلمان حديث عهد بالإسلام- فسجد للنبي صلى الله عليه وسلم. فقال: «لا تسجد لي يا سلمان واسجد للحي الذي لا يموت». والغرض أن هذا كان جائزا في شريعتهم، لهذا خروا له سجدا، فعندها قال يوسف: يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا أي هذا ما آل إليه الأمر، فإن التأويل يطلق على ما يصير إليه الأمر كما قال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ (الأعراف: 53) أي يوم القيامة يأتيهم ما وعدوا به من خير وشر.
6 -
يذكر ابن كثير روايات متعددة عن المفسرين في الزمن الذي كان بين إلقاء يوسف في الجب وبين لقائه بأبيه، ومرجع هذه الروايات كلها روايات أهل الكتاب.
وإذا رجعنا إلى التوراة الحالية فإن المدة التي يمكن استخلاصها هي اثنان وعشرون عاما، إذ ألقي في الجب وهو ابن سبع عشرة عاما، وخرج من السجن وهو ابن ثلاثين.
وكانت سنو الشبع سبعا، وجاء يعقوب إلى مصر بعد سنتين من الجوع.
7 -
بمناسبة قوله تعالى على لسان يوسف: تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.
قال ابن كثير: (وهذا الدعاء يحتمل أن يكون يوسف عليه السلام قاله عند احتضاره، كما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يرفع إصبعه عند الموت ويقول:«اللهم في الرفيق الأعلى» ، ويحتمل أنه سأل الوفاة على الإسلام واللحاق بالصالحين إذا جاء أجله وانقضى عمره، لا أنه سأله ذلك منجزا، كما يقول الداعي لغيره: أماتك الله على الإسلام، ويقول الداعي: اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين. ويحتمل أنه سأل ذلك منجزا، وكان ذلك سائغا في ملتهم
كما قال قتادة: قوله (توفني مسلما وألحقني بالصالحين) لما جمع الله شمله، وأقر عينه، وهو يومئذ مغمور في الدنيا وملكها ونضارتها، اشتاق إلى الصالحين قبله، وكان ابن عباس يقول: ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف عليه السلام، وكذا ذكر ابن جرير والسدي عن ابن عباس أنه أول نبي دعا بذلك، وهذا يحتمل أنه أول من سأل الوفاة على الإسلام، وكما أن نوحا أول من قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً (نوح: 28) ويحتمل أنه أول من سأل إنجاز ذلك، وهو ظاهر سياق قول قتادة، ولكن هذا لا يجوز في شريعتنا. روى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله
…
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان ولا بد متمنيا الموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي» . وأخرجاه في الصحيحين. وعندهما: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، إما محسنا فيزداد، وإما مسيئا فلعله يستعتب. ولكن ليقل:
اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي». وروى الإمام أحمد
…
عن أبي أمامة قال: جلسنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ورققنا، فبكى سعد ابن أبي وقاص. فأكثر البكاء، وقال يا ليتني مت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«يا سعد أعندي تتمنى الموت؟» وردد ذلك ثلاث مرات، ثم قال:«يا سعد إن كنت خلقت للجنة فما طال من عمرك وحسن من عملك فهو خير لك» . وروى الإمام أحمد
…
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إلا أن يكون قد وثق بعمله، فإنه إذا مات أحدكم انقطع عنه عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمله إلا خيرا» . وهذا فيما إذا كان الضر خاصا به، وأما إذا كان فتنة في الدين فيجوز سؤال الموت، كما قال الله تعالى إخبارا عن السحرة لما أرادهم فرعون عن دينهم وتهددهم بالقتل قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا (الأعراف:
126) وقالت مريم لما أجاءها المخاض- إلى جذع النخلة يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (مريم: 23) لما علمت من أن الناس يقذفونها بالفاحشة لأنها لم تكن ذات زوج وقد حملت ووضعت وقد قالوا: يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا* يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (مريم: 27، 28) فجعل الله لها من ذلك الحال فرجا ومخرجا، وأنطق الصبي في المهد بأنه عبد الله ورسوله، فكان آية عظيمة ومعجزة باهرة صلوات الله وسلامه عليه، وفي حديث معاذ الذي رواه الإمام أحمد والترمذي في قصة المنام والدعاء، الذي فيه «وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني
إليك غير مفتون». وروى الإمام أحمد
…
عن محمود بن لبيد مرفوعا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال وقلة المال أقل للحساب» فعند حلول الفتن في الدين يجوز سؤال الموت، ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في آخر خلافته لما رأى أن الأمور لا تجتمع له، ولا يزداد الأمر إلا شدة فقال: اللهم خذني إليك فقد سئمتهم وسئموني. وقال البخاري رحمه الله لما وقعت له تلك الفتنة وجرى له مع أمير خراسان ما جرى. قال: اللهم توفني إليك، وفي الحديث:«إن الرجل ليمر بالقبر- أي في زمان الدجال- فيقول يا ليتني مكانك» لما يرى من الفتن والزلازل والبلابل والأمور الهائلة التي هي فتنة لكل مفتون).
8 -
أكثر المفسرين على أن السبب الذي دعا يعقوب إلى توصية أبنائه في الدخول من أبواب متفرقة هو خشيته عليهم من العين وليس في ذلك نص عن رسولنا عليه الصلاة السلام إلا أن النصوص كثيرة في إثبات أن العين حق وفي كتاب الأساس في السنة وفقهها نجد تفصيل ذلك.
9 -
لا يوجد شئ في التوراة الحالية يشير إلى ماهية السرقة التي اتهم بها يوسف والتي أشار إليها إخوته بقولهم: فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ وليس عن رسولنا عليه الصلاة والسلام كلام في هذا الموضوع، إلا أن ابن كثير ينقل عن محمد بن إسحاق عن مجاهد القصة التالية- والله أعلم بصحتها ولا ندري من أين نقلها مجاهد:- قال مجاهد:
«كان أول ما دخل على يوسف من البلاء فيما بلغني أن عمته ابنة إسحاق، وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانت إليها منطقة (1) إسحاق وكانوا يتوارثونها بالكبر، وكان من اختبأها ممن وليها كان له سلما لا ينازع فيه، يصنع فيه ما يشاء، وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد حضنته عمته، وكان لها به وله، فلم تحب أحدا حبها إياه، حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات تاقت إليه نفس يعقوب عليه السلام فأتاها فقال: يا أخية سلمي إلي يوسف، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة، قالت: فوالله ما أنا بتاركته، ثم قالت: فدعه عندي أياما انظر إليه وأسكن عنه لعل ذلك يسليني عنه- أو كما قالت- فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: فقدت منطقة إسحاق عليه السلام، فانظروا من أخذها ومن أصابها؟.
(1) المنطقة: كل ما شد به الوسط.
فالتمست ثم قالت: اكشفوا أهل البيت فكشفوهم فوجدوها مع يوسف، فقالت:
والله إنه لي لسلم أصنع فيه ما شئت، فأتاها يعقوب فأخبرته الخبر، فقال لها: أنت وذاك إن كان فعل ذلك فهو سلم لك، ما أستطيع غير ذلك، فأمسكته فما قدر عليه
يعقوب حتى ماتت، قال: فهو الذي يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ
10 -
بمناسبة الكلام عن يوسف عليه السلام تكثر الروايات الإسرائيلية التي ينقلها بعضهم على أنها أحاديث وهي ليست كذلك وابن كثير نقل الكثير منها ورده ولم نشأ أن نعرج عليه
11 -
من استعطاف إخوة يوسف ليوسف من أجل أخيهم وهم لا يعرفون أنه يوسف ندرك أن الشفاعة إلى الحاكم في محلها جائزة، إلا أنها في الإسلام خصت بما دون الحدود، أما الحدود إذا وصلت إلى السلطان فلا يجوز لأحد أن يشفع فيها وفي كتاب الأساس في السنة وفقهها مزيد بيان.
12 -
من قصة يوسف عليه السلام ندرك طرفا من حكمة الله في أفعاله، فما من فعل لله إلا وهو عين الحكمة، ولكن قصور النظر وسوء الفهم وعمى القلب تبعد عن رؤية حكمة الله في أفعاله، فمن رأى المحن المتوالية التي أصابت يوسف عليه السلام وآله، وما ترتب على ذلك من دخول يعقوب إلى مصر لتنشأ أمة جديدة في ظروف مواتية، ومن رأى كيف أن هذا كان عبرة للخلق جميعا، حتى قصة الله في توراته وقرآنه، أدرك كثرة الحكم.
13 -
إن دروس قصة يوسف عليه السلام كثيرة، ومن أهمها أنه لا عاقبة لكيد الظالمين ولا لخيانتهم، وأن العاقبة للاستقامة في كل حال، فليستقم العبد على أمر الله لتكون له العاقبة في الدنيا والآخرة.
14 -
من خلال قصة يوسف عليه السلام ندرك كثيرا من الخصائص العالية والنازلة للنفس البشرية عامة
15 -
بعض المفسرين ظن- كأثر عن تسمية يوسف بالعزيز- أنه حل محل سيده في منصبه، إلا أننا نلاحظ أن المنصبين مختلفان. ورواية التوراة الحالية تذكر أن منصب سيد يوسف كان رئيس الشرطة، بينما منصب يوسف كان شيئا آخر يمكن أن يسمى أنه نائب الملك المفوض، أو الوزير المفوض، ومن ثم فإننا نرجح أن كلمة العزيز كانت لقبا لكل ذي منصب خطير كلقب الباشا مثلا في مصر قديما.