الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فائدة:
ننقل هنا ما قاله صاحب الظلال في الآية التي بدأت بها المجموعة قال: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ .. من المطر الذي يحيي الأرض وينبت الزرع، ومن طعام الأرض نباتها وطيرها وأسماكها وحيوانها، ثم سائر كانوا يحصلون عليه من الأرض لهم ولأنعامهم. وذلك بطبيعة الحال ما كانوا يدركونه حينذاك من رزق السماء والأرض. وهو أوسع من ذلك بكثير. وما يزال البشر يكشفون كلما اهتدوا إلى نواميس الكون- عن رزق بعد رزق في السماء والأرض يستخدمونه أحيانا في الخير ويستخدمونه أحيانا في الشر حسبما تسلم عقائدهم أو تعتل. وكله من رزق الله المسخر للإنسان. فمن سطح الأرض أرزاق ومن جوفها أرزاق. ومن سطح الماء أرزاق ومن أعماقه أرزاق. ومن أشعة الشمس أرزاق ومن ضوء القمر أرزاق. حتى عفن الأرض كشف فيه دواء وترياق! أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ .. يهبها القدرة على أداء وظائفها أو يحرمها، ويصححها أو يمرضها. ويصرفها إلى العمل أو يلهيها، ويسمعها ويريها ما تحب أو ما تكره .. ذلك ما كانوا يدركونه يومئذ من ملك السمع والأبصار.
وهو حسبهم لإدراك مدلول هذا السؤال وتوجيهه. وما يزال البشر يكشفون من طبيعة السمع والبصر، من دقائق صنع الله في هذين الجهازين ما يزيد السؤال شمولا وسعة.
وإن تركيب العين وأعصابها وكيفية إدراكها للمرئيات، أو تركيب الأذن أو جزائها وطريقة إدراكها للذبذبات، لعالم وحده يدير الرءوس، عند ما يقاس هذا الجهاز أو ذاك إلى أدق الأجهزة التي يعدها الناس من معجزات العلم في العصر الحديث! وإن كان الناس يهولهم ويروعهم ويبهرهم جهاز يصنعه الإنسان، لا يقاس في شئ إلى صنع الله.
بينما هم يمرون غافلين بالبدائع الإلهية في الكون وفي أنفسهم كأنهم لا يبصرون ولا يدركون! وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ .. وكانوا يعدون الساكن هو الميت والنامي- أو المتحرك- هو الحي. فكان مدلول السؤال عندهم مشهودا في خروج النبتة من الحبة، والحبة من النبتة، وخروج الفرخ من البيضة، والبيضة من الفرخ .. إلى آخر هذه المشاهدات. وهو عندهم عجيب. وهو في ذاته عجيب، حتى بعد أن عرف أن الحبة والبيضة وأمثالهما ليست في الموتى بل في الأحياء، بما فيها من حياة كامنة واستعداد. فإن كمون الحياة بكل استعداداتها ووراثاتها وسماتها وشياتها لأعجب العجب الذي تصنعه قدرة الله .. وإن وقفة أمام الحبة والنواة، تخرج منهما النبتة والنخلة، أو أمام البيضة والبويضة يخرج منهما الفرخ والإنسان لكافية
لاستغراق حياة في التأمل والارتعاش!
وإلا فأين كانت تكمن السنبلة في الحبة؟ وأين كان يكمن العود؟ وأين كانت تلك الجذور والساق والأوراق
…
؟
وأين في النواة كان يكمن اللب واللحاء، والساق السامقة والعراجين والألياف؟
وأين كان يكمن الطعم والنكهة واللون والرائحة، والبلح والتمر، والرطب والبسر
…
؟
وأين في البيضة كان الفرخ؟ وأين كان يكمن العظم واللحم، والزغب والريش، واللون والشيات، والرفرفة والصوت
…
؟
وأين في البويضة كان الكائن البشري العجيب؟ أين كانت تكمن ملامحه وسماته المنقولة عن وراثات موغلة في الماضي متشعبة المنابع والنواحي؟ أين كانت نبرات الصوت، ونظرات العين، ولفتات الجيد، واستعدادات الأعصاب، ووراثات الجنس والعائلة والوالدين؟ وأين كانت تكمن الصفات والسمات والشيات؟.
وهل يكفي أن نقول: إن هذا العالم المترامي الأطراف كان كامنا في النبتة والنواة وفي البيضة والبويضة، لينقضي العجب العاجب الذي لا تفسير له ولا تأويل إلا قدرة الله وتدبير الله؟.
وما يزال البشر يكتشفون من أسرار الموت وأسرار الحياة، وإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي، وتحول العناصر في مراحل إلى موت أو حياة، ما يزيد مساحة السؤال وعمقه وشموله كل يوم وكل لحظة. وإن تحول الطعام الذي يموت بالطهي والنار إلى دم حي في الجسم الحي، وتحول هذا الدم إلى فضلات ميتة بالاحتراق، لأعجوبة يتسع العجب منها كلما زاد العلم بها. وهي بعد كائنة في كل لحظة آناء الليل وأطراف النهار. وإن الحياة لأعجوبة غامضة مثيرة تواجه الكينونة البشرية كلها بعلامات استفهام لا جواب عليها كلها إلا أن يكون هناك إله، يهب الحياة. وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ؟ ..
في هذا الذي ذكر كله وفي سواه من شئون الكون وشئون البشر؟ من يدبر الناموس الكوني الذي ينظم حركة هذه الأفلاك على هذا النحو الدقيق؟ ومن يدبر حركة هذه الحياة فتمضي في طريقها المرسوم بهذا النظام اللطيف العميق؟ ومن يدبر السنن الاجتماعية التي تصرف حياة البشر، والتي لا تخطئ مرة ولا تحيد؟ ومن .. ومن؟ ..
فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ .. فهم لم يكونوا ينكرون وجود الله، أو ينكرون يده في هذه الشئون الكبار. ولكن انحراف الفطرة كان يقودهم مع هذا الاعتراف إلى الشرك بالله، فيتوجهون بالشعائر إلى سواه، كما يتبعون شرائع لم يأذن بها الله.
فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ؟ .. أفلا تخشون الله الذي يرزقكم من السماء والأرض، والذي يملك السمع والأبصار، والذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، والذي يدبر الأمر كله في هذا وفي سواه؟ إن الذي يملك هذا كله لهو الله، وهو الرب الحق دون سواه: فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ. اهـ)
.......
فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ أي لا واسطة بين الحق والضلال، فمن تخطى الحقوق وقع في الضلال، فالله الحق وكل معبود سواه باطل، ورسوله الحق فكل ما يناقض ذلك باطل. ووحيه الحق فكل ما خالفه باطل، والعبودية له هي الحق فكل عبودية لغيره باطلة فَأَنَّى تُصْرَفُونَ عن الحق إلى الضلال والباطل، عن التوحيد إلى الشرك، عن اتباع الرسول إلى اتباع الشيطان، عن اتباع الوحي إلى اتباع الهوى
كَذلِكَ أي مثل ذلك الحق أو كصرف هؤلاء عن الحق حَقَّتْ أي وجبت وثبتت كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أي على الذين تمردوا في كفرهم وخرجوا إلى الحد الأقصى فيه أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ هذي هي كلمة الله الأزلية أن الفاسق لا يستأهل الهداية، ولا يهديه الله، فكما حقت على هؤلاء كلمة الله أنهم لا يؤمنون بسبب من تعنتهم وإصرارهم على محاربة الحق، فكذلك حقت كلمة الله على كل فاسق أن لا يؤمن. نسأل الله العافية. وإذن فهؤلاء المشركون لا يؤمنون بالرسول والوحي لفسوقهم. إن عقوبة الفسوق أن لا يهدي الله صاحبه إلى الإيمان مع قيام الحجج فيه. فمن أراد الإيمان فعليه أن يطهر نفسه من الفسوق بترك مظهره الأول وهو الكبر.
وبعد أن أقام الله تعالى الحجة على ربوبيته من خلال الكلام عن ألوهيته يقيم الحجة الآن على المشركين من خلال عجز شركائهم قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ يعيد الليل بعد النهار، ويعيد الجيل بعد الجيل، أو يبدأ خلق السموات ثم يعيد خلقها مرة أخرى. أو يبدأ خلق الإنسان والحيوان ثم يعيده يوم القيامة، ومع أنهم غير مقرين بالإعادة يوم القيامة، إلا أنها لظهور برهانها جعلت كأنها أمر مسلم قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لم يقل فسيقولون الله بل قال لرسوله: قل الله لأنهم لا تدعهم
مكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق هذه؛ فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينوب عنهم في الجواب، وإلا فالمفروض أن يجيبوا هم بالإيجاب؛ فهم يقرون أن الله بدأ الخلق، ومن ثم فمن بدأ الخلق ينبغي أن يقر له بأنه قادر على إعادته، ومن كان كذلك فينبغي أن يسلم له ويخضع فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أي فكيف تصرفون عن طريق الرشد إلى الباطل، وبعد أن أقام الحجة على أن اليوم الآخر كائن، فإنه في الآية اللاحقة يقيم الحجة على هدايته ووحيه وقرآنه وهو الموضوع الرئيسي في السياق
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أي يرشد إليه؟ الجواب لا قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أولا: بما ركب في المكلفين من العقول وأعطاهم من التمكين للنظر في الأدلة التي نصبها لهم، وثانيا بإرسال الرسل وإنزال الشرائع وثالثا: بما يوفق ويلهم لاتباع الشرائع والرسل أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى أي أمن لا يهتدي إلا أن يهدى؟ فمعنى النص كله: من الجدير بالاتباع الهادى أم العاجز عن الهداية لغيره، المحتاج إلى الهداية بنفسه؟ فإذا كان الجدير بالاتباع هو الهادي فمن أكثر هداية من الله الذي ليس من هاد غيره، فإذا هو الهادي وحده فكيف تتعجبون أن ينزل الله وحيا، ويرسل رسولا ليهديكم، أم كيف تتركون هدايته فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أي فما بالكم تصدرون مثل هذه الأحكام الفاسدة إذ تسوون بين الله وخلقه فتقيسون الله على أصنامكم، فكما أن أصنامكم لا تهدي تظنون أن الله لا يهدي، فتستغربون أن يرسل رسولا، وينزل وحيا يهدي به الله من شاء. هلا رجعتم إلى صوابكم، فاهتديتم بنور الله، وتركتم ما أنتم فيه من أوهام وضلالات.
ومن ثم قال:
وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ أي كلهم إِلَّا ظَنًّا أي توهما وتخيلا، فلا دليل عندهم ولا برهان إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً فيما المطلوب فيه العلم. أي لا يغني من العلم أي إغناء، فلا قيمة له في هذا المقام إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ من اتباع الظن وترك الحق، وهو تهديد ووعيد شديد على اتباعهم الظن وتركهم هداية الله العظيمة المتمثلة في القرآن.
وفي هذه الآية قال الألوسي: (أي ما يتبع أكثرهم في معتقداتهم ومحاوراتهم إلا ظنا واهيا مستندا إلى خيالات فارغة وأقيسة باطلة، كقياس الغائب على الشاهد، وقياس الخالق على المخلوق، بأدنى مشاركة موهومة، ولا يلتفتون إلى فرد من أفراد العلم، فضلا عن أن يسلكوا مسالك الأدلة الصحيحة الهادية إلى الحق فيفهموا ويقفوا على صحتها وبطلان ما يخالفها، فالمراد بالاتباع: مطلق الانقياد الشامل لما يقارن القبول والانقياد وما لا يقارنه، وبالقصر ما أشير إليه من أن لا يكون لهم في أثنائه اتباع لفرد من أفراد العلم والتفات إليه.