الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير:
كما بدأ المقطع الأول بالتعريف على الله، ثم بنى على هذه المعرفة، كما هو الحال في الآيتين اللتين هما محور هذه السورة من سورة البقرة، وبما فصل بعضا من معاني الآيتين فكذلك هذا المقطع: فتأمله: اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى يخبر تعالى عن تمام علمه الذي لا يخفي عليه شئ، وأنه محيط بما تحمله الحوامل من كل إناث الحيوانات، سواء كانت تحمل ذكرا أو أنثى، تماما أو خداجا، حسنا أو قبيحا، طويلا أو قصيرا إلى غير ذلك وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ أي وما تغيضه الأرحام أي وما تنقصه وَما تَزْدادُ أي وزيادتها ويحتمل الغيض والزيادة بعدد الولد، فإنها تشتمل على واحد واثنين وثلاثة وأربعة، وأحيانا يكون سقطا. ويحتمل أن يكون الغيض والزيادة بجسد الولد، فإنه يكون تاما ومخدجا، ويحتمل أن يكون الغيض والزيادة بمدة الولادة، فإنها تكون أقل من تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عند الحنفية وإلى أربع عند الشافعي، وإلى خمس عند مالك، ويحتمل أن يكون المعنى ويعلم غيض الأرحام وازديادها بمعنى قلتها وكثرتها وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ أي بقدر وحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه، ومن كان هذا شأنه فإنه يعلم الحق ويهدي إليه
عالِمُ الْغَيْبِ أي ما غاب عن الخلق وَالشَّهادَةِ أي ما يشاهده الخلق أي يعلم كل شئ مما يشاهده العباد، ومما يغيب عنهم، ولا يخفي عليه منه شئ الْكَبِيرُ العظيم الشأن الذي كل شئ دونه، فهو أكبر من كل شئ الْمُتَعالِ على كل شئ
سَواءٌ أي في علمه مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ أي سواء في علمه من أسر قوله أو جهر به، فإنه يسمعه ويعلمه لا يخفى عليه شئ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ أي متوار مختف في مقر بيته في ظلام الليل وَسارِبٌ بِالنَّهارِ أي ذاهب في سربه نهارا، أو ذاهب في طريقه ووجهه نهارا، فكلاهما في علم الله سواء، المختفي في ظلام الليل والظاهر الماشي في بياض النهار وضيائه
لَهُ أي لمن أسر ومن جهر، ومن استخفى ومن سرب مُعَقِّباتٌ أي جماعات من الملائكة تعتقب في حفظه. مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أي قدامة ووراءه يَحْفَظُونَهُ فمهمتهم إذن الحفظ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أي من أجل أن الله تعالى أمرهم بحفظه، والتقدير على هذا: له
أمر الله يحفظونه، أي له معقبات من نظام هذا العالم- الذي هو بأمره- يحفظونه، فللإنسان معقبات يحفظونه بأمر الله، قال أبو أمامة: ما من آدمي إلا ومعه ملك يذود عنه حتى يسلمه للذي قدر له إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ من العافية والنعمة حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ من الحال الجميلة بكثرة المعاصي، فحفظ الملائكة نعمة يغيرها الله إذا تغيرت الأنفس نحو الشر وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً أي عذابا فَلا مَرَدَّ لَهُ أي لا يدفعه شئ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ أي من دون الله مِنْ والٍ أي من يلي أمرهم ويدفع عنهم، وإذا كان هذا شأن الله فإنه يعلم الحق ويهدي إليه ويطالب به
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ قال ابن كثير: البرق وهو ما يرى من النور اللامع ساطعا من خلل السحاب خَوْفاً وَطَمَعاً أي خائفين من وقوع الصواعق عند لمع البرق، وطامعين في الغيث. وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ بالماء أي ويخلقها منشأة جديدة وهي لكثرة مائها ثقيلة قريبة إلى الأرض
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ كما يسبح له كل شئ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ أي ويسبح الملائكة من هيبته وإجلاله وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ الصاعقة معروفة فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ أي يرسلها نقمة ينتقم بها ممن يشاء، كما قال ابن كثير، وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ أي يشكون في عظمته وأنه لا إله هو وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ أي شديد الأخذ أو شديد القوة، والمماحلة في الأصل:
شدة المماكرة والمكايدة، ومنه تمحل لكذا إذا تكلف لاستعمال الحيلة واجتهد فيه، وإذن فالمعنى الحرفي: أنه شديد المكر والكيد لأعدائه، يأتيهم بالهلكة من حيث لا يحتسبون في مقابلة مكرهم وكيدهم
لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ الحق ضد الباطل والمعنى: أن الله سبحانه يدعى فيستجيب الدعوة، ويعطي الداعي سؤاله، بخلاف ما لا ينفع ولا يجدي دعاؤه، ويحتمل أن يكون المراد بدعوة الحق دعوة التوحيد، فدعوة التوحيد دعوته وحده وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ أي والآلهة الذين يدعونهم الكفار من دون الله، أو ومثل الذين يعبدون آلهة غير الله لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ من طلباتهم إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ أي فمه وَما هُوَ بِبالِغِهِ أي وما الماء ببالغ فاه والتقدير: والذين يدعون من دونه لا يستجيبون إلا كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه، أي كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه، والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه، وكذلك ما يدعونه من جماد لا يحس بدعائهم، ولا يستطيع إجابتهم، ولا يقدر على نفعهم قال مجاهد:(كباسط كفيه: يدعو الماء بلسانه ويشير إليه فلا يأتيه أبدا). تصور الآن
رجلا فوق بئر عميق يمد يده إلى الماء من بعيد فهل يستجيب له الماء ليشرب؟! فكذلك دعاء هؤلاء لآلهتهم، أو فكذلك هؤلاء المشركون الذين يعبدون مع الله إلها آخر، لا ينتفعون بهم أبدا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا ختم الآية بقوله: وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ أي في ضياع لا منفعة فيه، لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم، وإن دعوا غيره لم يستطع الاستجابة،
ثم أخبر تعالى عن سلطانه الذي قهر كل شئ ودان له كل شئ، ولهذا يسجد له كل شئ. فقال: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ سجود تعبد وانقياد طَوْعاً أي
طائعين كسجود الملائكة والمؤمنين وَكَرْهاً أي وكارهين كما يفعل المنافقون والكافرون في حال الشدة والضيق، أو بخضوعهم لقهر الله وسننه وَظِلالُهُمْ أي تسجد معهم لله بِالْغُدُوِّ أي بالبكر وَالْآصالِ جمع أصيل: وهو آخر النهار، فظلالهم خاضعة لسنن الله، وفي ذلك سجودها، فمن كان هذا شأنه في خلق البرق والرعد، وإنشاء السحاب وإرسال الصواعق، وشدة المحال، واستجابة الدعاء، وخضوع كل شئ له، فإنه يعلم الحق ويهدي إليه، ويطالب به، وهو حري أن يعبد ويطاع، ويتبع شرعه ورسله، ثم قرر الله تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض وهو ربها ومدبرها، وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء، يعبدونهم، وأولئك الآلهة لا تملك لنفسها ولا لعابديها- بطريق الأولى- نفعا ولا ضرا، فهي لا تحصل لهم منفعة، ولا تدفع عنهم مضرة، فهل يستوي من عبد هذه الآلهة مع الله، ومن عبد الله وحده لا شريك له!، فهذا على نور من ربه
ومن ثم قال: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ هذا هو الجواب الوحيد على السؤال، إذ من الواضح أن السموات والأرض مربوبة مقهورة مسيرة مسخرة، فمن ربها ومسيرها وقاهرها ومسخرها، إنه ليس إلا جواب واحد هو: أن فاعل ذلك هو الله، ولأنه لا جواب إلا هذا الجواب، أجاب به، وأقام الحجة عليهم به، لأنه من الواضح والظاهر أنه ما من شئ مما يعبدون يمكن أن يكون ربا للسماوات والأرض قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ أي أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم من دونه آلهة لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا أي لا يستطيعون أن ينفعوا أنفسهم أو يدفعوا ضررا عنها، فكيف يستطيعونه لغيرهم! فكيف آثرتموهم على الخالق الرازق المثيب المعاقب؟ فما أبين ضلالتكم قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أي الكافر والمؤمن؟ أو من لا يبصر شيئا ومن لا يخفى عليه شئ؟ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أي ملل الكفر بأنواعه واتجاهاته،
ودين الله، وشرعه وهدايته؟ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ أي أجعل هؤلاء المشركون مع الله آلهة تناظر الرب وتماثله في القدرة على الخلق، بسبب من اشتباه مخلوق الله بمخلوق الشركاء حتى يقولوا: قدر هؤلاء على الخلق، كما قدر الله عليه، فاستحقوا العبادة، فنتخذهم له شركاء، ونعبدهم كما يعبد؟
فإذ لم يكن الأمر كذلك- من أنه ليس لله شركاء خلقوا مثل خلق الله- فقد قامت عليهم الحجة إذ اتّخذوا له شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلا أن يقدروا على ما يقدر عليه الخالق، فالاستفهام إنكاري قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فلا خالق غيره، ولا يستقيم في منطق الحق أن يكون له شريك في العبادة، وليس له شريك في الخلق، وهذا من أعظم الأدلة لأهل السنة والجماعة على أن الله خالق أفعال العباد، لا كما يقول المعتزلة، فمن قال إن الله لم يخلق أفعال الخلق وهم خلقوها فإنه يلزم على قوله أن يتشابه الخلق على المخلوقين وَهُوَ الْواحِدُ أي المتوحد بالربوبية الْقَهَّارُ أي الذي يغلب ولا يغالب، والذي ما عداه مربوب ومقهور، ومن كان هذا شأنه فهو الحري وحده بالطاعة والعبادة، فهو وحده يعلم الحق ويقرره ويبينه ويطالب به، ويلزم به، ويعاقب عليه. وهذا كله مقتضى ربوبيته ووحدانيته وقهره،
ومن ثم قال تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً قال النسفي في معناها: أنزل من السحاب مطرا فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها أي كل واد بحسبه، فهذا كبير وسع كثيرا من الماء، وهذا صغير وسع بقدره، والأودية جمع واد: وهو الموضع الذي يسيل فيه الماء بكثرة، وفي تنكير الأودية نكتة: وذلك أن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع، فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض. قال ابن كثير عن هذا المثل: وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها، فمنها ما يسع علما كثيرا، ومنها من لا يسع الكثير من العلوم بل يضيق عنها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً أي فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زبد عال عليه، والزبد: هو ما على وجه الماء من الرغوة، والرابي: هو المنتفخ المرتفع على وجه السيل، هذا هو المثل الأول في هذه الآية، إذ اشتملت هذه الآية على مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه، والباطل في اضمحلاله وفنائه، والمثل الثاني قوله تعالى وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ هذا هو المثل الثاني وهو ما يسبك في النار من ذهب أو فضة ابتغاء حلية، أي ليجعل حلية، أو ابتغاء متاع من الحديد والنحاس والرصاص يتخذ منها الأواني وما يتمتع به في الحضر والسفر، فإنه يعلوه زبد منه كما يعلو ذلك زبد منه، والحلية: هي الزينة من ذهب أو