الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل: في رحلة الطائف
139 -
* روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلتُ للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحُدٍ؟ فقال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها بجبريل، فناداني، فقال: إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. قال: فناداني ملكُ الجبال، وسلم عليِّ، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملكُ الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً".
قال ابن حجر في شرح هذا لحديث: وذكر موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب أنه صلى الله عليه وسلم لما مات أبو طالب توجه إلى الطائف رجاء أن يؤووه، فعمد إلى ثلاثة نفر من ثقيف وهم سادتهم وهم إخوة عبد ياليل وحبيب ومسعود بنو عمرو فعرض عليهم نفسه وشكى إليهم ما انتهك منه قومه فردوا عليه أقبح رد، وكذا ذكره ابن إسحاق بغير إسناد مطولاً، وذكر ابن سعد أن ذلك كان في شوال سنة عشر من المبعث وأنه كان بعد موت أبي طالب وخديجة.
وقد لخص الدكتور البوطي رحلة الطائف من سيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد بقوله:
139 - مسلم (3/ 1430) 32 - كتاب الجهاد والسير - 39 - باب: ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين والبخاري (6/ 312). 59 - كتاب بدء الخلق - باب: إذا قال أحدكم (آمين) والملائكة في السماء.
على وجهي: أي على الجهة المواجهة لي. بقرن الثعالب: هو ميقات أهل نجد ويقال له قرن المنازل أيضاً، وهو على يوم وليلة من مكة، وقرن كل جبل صغير منقطع من جبل كبير، وحكى عياض أن بعض الرواة ذكره بفتح الراء قال: هو غلط، وحكى القابسي أن من سكن الراء أراد الجبل ومن حركها أراد الطريق التي يقرب منه، وأفاد ابن سعد أن مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بالطائف كانت عشرة أيام. ملك الجبال: أي: الموكل بها، الأخشبان: جبلا مكة المحيطان بها، وكل جبل عظيم فهو أخشب.
ولما نالت قريش من النبي صلى الله عليه وسلم ما وصفناه من الأذى، خرج إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف ويرجو أن يقبلوا منه ما جاءهم به من عند الله عز وجل.
ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادته، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله وكلمهم بما جاءهم من أجله فردوا عليه رداً منكراً، وفاجأوه بما لم يكن يتوقع من الغلظة وسمج القول، فقام رسول الله من عندهم وهو يرجوهم أن يكتموا خبر مقدمه إليهم عن قريش إذاً، فلم يجيبوه إلى ذلك أيضاً. ثم أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى أن رجلي رسول الله صلى الله عليه وسلم لتدميان، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى لقد شج في رأسه عدة شجاج، حتى وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بستان لعتبة بن ربيعة، فرجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه. فعمد عليه الصلاة والسلام، وقد أنهكه التعب والجراح إلى ظل شجرة عنب فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، فلما اطمأن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الظل رفع رأسه يدعو بهذا الدعاء:"اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي، وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين أنت رب المستعضفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العُتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك". ولا سند لهذا الدعاء، فلم ندخله في المتن.
ثم إن ابني ربيعة - صاحبي البستان - تحركت الشفقة في قلبيهما، فدعوا غلاماً نصرانياً لهما يقال له (عداس) فأرسلا إليه قطفاً من العنب في طبق. فلما وضع عداس العنب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: كل. مد الرسول يده قائلاً: "بسم الله". ثم أكل. فقال عداس متعجباً: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم:"ومن أي البلاد أنت؟ وما دينك؟ " قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوي (قرية بالموصل). فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"من قرية الرجل الصالح يونُس بن متي؟ " فقال عداس: وما يدريك ما يونس بن متي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذلك أخي، كان نبياً وأنا نبي" فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه. وسند هذه القصة مرسل، فلم ندخلها في المتن.
قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعاً إلى مكة حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي، فمر به النفر (من الجن) من الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى، فاستمعوا له. فلما فرغ من صلته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا.
وقد قص الله خبرهم عليه صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ} (1) إلى قوله: {وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} (2) وقوله: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} (3) الآيات.
ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة - يريد دخول مكة، فقال له زيد: كيف تخل عليهم يا رسول الله وهم أخرجوك؟ فقال: "يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه" ثم أرسل رجلاً من خزاعة إلى مطعم بن عدي يخبره أنه داخل مكة في جواره. فاستجاب مطعم لذلك، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة.
أقول: دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بجوار المطعم بن عدي ثابت ومما يدل على ثبوت هذا:
140 -
* روى البخاري عن جُبير بن مُطعمٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أُسارى بدرٍ: "لو كان المطعمُ بن عدي حياً، ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له".
قال سفيان: وكانت له عند النبي صلى الله عليه وسلم يد، وكان أجزى الناس باليد.
وقال ابن حجر:
وبيَّن ابن شاهين من وجه آخر السبب في ذلك، وأن المراد باليد المذكورة ما وقع منه حين رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف ودخل في جوار المطعم بن عدي، وقد ذكر ابن إسحاق القصة في ذلك مبسوطة، وكذلك أوردها الفاكهي بإسناد حسن مرسل. فإذا ثبت ذلك فيكون هذا أصلاً كبيراً من أصول الحركة للدعوة الإسلامية، فللإسلاميين الحق أن يستفيدوا
(1) الأحقاف: 29.
(2)
الأحقاف: 30.
(3)
الجن: 1.
140 -
البخاري (6/ 343) 57 - كتاب فرض الخمس - 16 - باب ما منُ النبي صلى الله عليه وسلم على الأسارى من غير أن يخمس.
من الأعراف والقوانين التي تعطيهم أمناً وحماية لأشخاصهم ولحرياتهم، كما أن هذا التصرف أصل يستند إليه في فعل كل ما هو من مصلحة الدعوة الإسلامية وحملتها ومن ذلك التحالفات والتعاقدات المرحلية.
وبمناسبة ما ذكره كتاب السير أن الجن استمعوا قراءته مَقْفِلَه من الطائف فسيكون الفصل اللاحق في بعض الروايات التي تذكر سماع الجن منه عليه الصلاة والسلام.
* * *