الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل: المسجد أولاً
قال ابن كثير في البداية والنهاية: ولما حل الركاب النبوي بالمدينة، وكان أول نزوله بها في در بني عمرو بن عوف وهي قُباء كما تقدم فأقام بها - أكثر ما قيل - ثنتين وعشرين ليلة، وقيل: ثماني عشرة ليلة، وقيل: بضع عشرة ليلة، وقال موسى بن عقبة: ثلاث ليال. والأشهر ما ذكره ابن إسحاق وغيره أنه عليه السلام أقام فيهم بقباء من يوم الإثنين إلى يوم الجمعة، وقد أسس في هذه المدة المختلف في مقدارها - على ما ذكرناه - مسجد قباء.
ولما ارتحل عليه السلام من قباء وهو راكب ناقبته القصواء وذلك يوم الجمعة أدركه وقت الزوال وهو في دار بني سالم بن عوف، فصلي بالمسلمين الجمعة هنالك، في واد يقال له وادي رانواناء، فكانت أول جمعة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين بالمدينة، أو مطلقاً لأنه والله أعلم لم يكن يتمكن هو وأصحابه بمكة من الاجتماع حتى يقيموا بها جمعة ذات خطبة وإعلان بموعظة، وما ذاك إلا لشدة مخالفة المشركين له، وأذيتهم إياه. أهـ.
ولما قدم المدينة كان منأوائل أعماله عليه الصلاة والسلام بناء المسجد.
239 -
* روى البخاري عن أنس بن مالك قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فنزل في أعلى المدينة في حي يُقال لهم بنو عمرو بن عوفٍ، فأقام فيهم أربع عشر ليلة، ثم أرسل إلى بني النجار فجاءوا مُتقلدي السيوف كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته وأبو بكرٍ ردفه، وملا بني النجار حولهُ حتى ألقى بفناء أبي أيوب، وكان يحب أن يُصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، وإنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ من بني النجار فقال:"يا بني النجار ثامنُوني بحائطكم هذا" فقالوا: لا والله لا نطلبُ ثمنهُ إلا إلى الله، فقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خرب، وفيه نخل، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنُبشتْ، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع: فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عصادتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون، والنبي صلى الله عليه وسلم معهم وهو يقول "اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة"
239 - البخاري (1/ 524) 8 - كتاب الصلاة - 48 - باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتخذ مكانها مساجد؟. ومسلم (1/ 373) - 5 - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - 1 - باب ابتناء مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.
240 -
* وقد ورد في صحيح البخاري عن الزهري عن عروة أن المسجد الذي كان مريداً - وهو يبدرُ التمرِ - ليتيمين كانا في حِجْرِ أسعد بن زرارة، وهما سهل وسُهيلٌ، فساومهما فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعهُ منهما ثم بناه مسجداً وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينْقُلُ معهم اللبن في بنيانه ويقول:
هذا الحِمالُ لا حِمال خيبر
…
هذا أبر ربنا وأطهر
ويقول:
اللهم إن الأجر أجرُ الآخره
…
فارحم الأنصار والمهاجره
241 -
* روى البخار يعن ابن عمر أن المسجد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنياً باللبن، وسقفُه الجريد، وعمُدُه خَشَبُ النخلِ، فلم يزد فيه أبو بكر شيئاً، وزاد فيه عمر وبناء على بنيانه في عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم باللبن والجريد وأعاد عُمُدُه خشباً. ثم غيرهُ عثمان فزاد فيه زيادة كبيرة، وبني جدارهُ بالحجارة المنقوشة والقصة وجعل عمده من حجارةٍ منقوشةٍ وسقفه بالساج.
قال ابن كثير في البداية والنهاية: زاده عثمان بن عفان رضي الله عنه متأولاً قوله صلى الله عليه وسلم: "من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بني الله له بيتاً في الجنة" ووافقه الصحابة الموجودون على ذلك ولم يغيروه بعده، فيستدل بذلك على الراجح من قول العلماء أن حكم الزيادة حكم المزيد، فتدخل الزيادة في حكم سائر المسجد من تضعيف الصلاة فيه وشد الرحال إليه، وقد زيد في زمان الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق زاده له بأمره عمر ابن عبد العزيز حين كان نائبه على المدينة، وأدخل الحجرة النبوية فيه كما سيأتي بيانه في
240 - البخاري (7/ 240) 63 - كتاب مناقب الأنصار - 45 - باب: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة.
241 -
البخاري (1/ 540) 8 - كتاب الصلاة - 63 - باب: بنيان المسجد.
وأبو داود (1/ 123) كتاب الصلاة - باب: في بناء المسجد.
القصة: الجصّ
الساج: ضرب من الشجر.
وقته، ثم زيد زيادة كثيرة فيما بعد، وزيد من جهة القبلة حتى صارت الروضة والمنبر بعد الصفوف المقدمة كما هو المشاهد اليوم.
وبني لرسول الله صلى الله عليه وسلم حول مسجده الشريف حُجَر لتكون مساكن له ولأهله، وكانت مساكن قصيرة البناء قريبة الفناء. قال الحسن بن أبي الحسن البصري - وكان غلاماً مع أمه خيرة مولاة أم سلمة -: لقد كنت أنال أطول سقف في حجر النبي صلى الله عليه وسلم بيدي. قلت: إلا أنه قد كان الحسن البصري شكلا (1) ضخماً طُوالاً رحمه الله.
وقال السُّهيلي في الروض: كانت مساكنه عليه السلام مبنية من جريد عليه طين بعضها من حجارة مرضومة وسقوفها كلها من جريد، وقد حكى عن الحسن البصري ما تقدم، قال: وكانت حُجَره من شعر مربوطة بخشب من عرعر. قال وفي تاريخ البخاري أن بابه عليه السلام كان يقرع بالأظافير، فدل على أنه لم يكن لأبوابه حلق. أهـ.
242 -
* روى الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنا ننقل اللبِن للمسجد لبِنة لبنةً وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين فنفض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رأسه وقال: "ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغيةُ".
قال ابن كثير في البداية والنهاية: وهذا الحديث من دلائل النبوة حيث أخبر صلوات الله وسلامه عليه عن عمار أنه تتقله الفئة الباغية، قد قتله أهل الشام في وقعة صفين وعمار مع علي وأهل العراق ما سأتي بيانه وتفصيله في موضعه، وقد كان عليِّ أحق بالأمر من معاوية، ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بغاة تكفيرُهم كما يحاوله جهلة الفرقة الضالة من الشيعة وغيرهم؛ لأنهم وإن كانوا بغاة في نفس الأمر فإنهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال، وليس كل مجتهد مصيباً، بل المصيب له أجران والمخطئ له أجر، ومن زاد في هذا الحدث بعد تقتلك الفئة الباغية - لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة - فقد افترى في هذه الزيادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يقلها إذ لم تنقل من طريق تقبل، والله
(1) الشكِل: ما لونه أبيض خالطته حمرة.
242 -
أورده الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد (9/ 296) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.
أعلم. وأما قوله يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، فإن عماراً وأصحابه يدعون أهل الشام إلى الألفة واجتماع الكلمة، وأهل الشام يريدون أن يستأثروا بالأمر دون من هو أحق به، وأن يكون الناس أوزاعا (1) على كل قطر إمام برأسه، وهذا يؤدي إلى افتراق الكلمة واختلاف الأمة فهو لازم مذهبهم وناشئ عن مسلكهم، وإن كانوا لا يقصدونه، والله أعلم.
ونختم هذا الفصل بكلمة للشيخ الغزالي وأخرى للسباعي حول بدئه عليه الصلاة والسلام أول استقراره في المدينة ببناء المسجد.
قال الشيخ الغزالي حفظه الله:
بادر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى بناء المسجد، لتظهر فيه شعائر الإسلام التي طالما حوريت، ولتقام فيه الصلوات التي تربط المرء برب العالمين، وتنقي القلب من أدران الأرض، ودسائس الحياة الدنيا.
وتم المسجد في حدود البساطة، فراشه الرمال والحصباء وسقفه الجريد، وأعمدته الجذوع، وربما أمطرت السماء فأوحلت أرضه، وقد تفلت الكلاب إليه فتغدو وتروح.
هذا البناء المتواضع الساذج، هو الذي ربى ملائكة البشر، ومؤدبي الجبابرة وملوك الدار الآخرة، في هذا المسجد أذن الرحمن لنبي يؤم بالقرآن خير من آمن به، يتعهدهم بأدب السماء من غبش الفجر إلى غسق الليل.
إن مكانة المسجد في المجتمع الإسلامين تجعله مصدر التوجيه الروحي والمادي فهو ساحة للعبادة، ومدرسة للعلم؛ وندوة للأدب وقد ارتبطت بفريضة الصلاة وصفوفها أخلاق وتقاليد هي لباب الإسلام.
والمسجد الذي وجه الرسول صلى الله عليه وسلم همته إلى بنائه قبل أي عمل آخر بالمدينة، ليس أرضاً تحتكر العبادة فوقها؛ فالأرض كلها مسجد، والمسلم لا يتقيد في عبادته بمكان.
إنما هو رمز لما يكتثر له الإسلام أعظم اكتراث، ويتشبث به أشد تشبث، وهو وصل
(1) أوزاع: جماعات متفرقة.
العباد بربهم وصلاً يتجدد مع الزمن، ويتكرر مع آناء الليل والنهار، فلا قيمة لحضارة تذهل عن الإله الواحد، وتجهل اليوم الآخر، وتخلط المعروف بالمنكر!.
والحضارة التي جاء بها الإسلام، تذكُّر أبداً بالله وبلقائه وتمسك بالمعروف وتبغض في المنكر، وتقف على حدود الله
…
أهـ.
وقال الدكتور السباعي حول بناء المسجد: من وقائع الهجرة إلى المدينة تبين لنا أنه صلى الله عليه وسلم ما أقام بمكا إلا كان أول ما يفعله بناء مسجد يجتمع فيه المؤمنون فقد أقام مسجد قباء حين أقام فيها أربعة أيام، وبنى مسجداً في منتصف الطريق بين قباء والمدينة لما أدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن الوادي "وادي رانوناء".
فلما أن وصل إلى المدينة، كان أول عمل عمله بناء مسجد فيها.
وهذا يدلنا على أهمية المسجد في الإسلام، وعبادات الإسلام كله تطهير للنفس، وتزكية للأخلاق، وتقوية لأواصر التعاون بين المسلمين، وصلاة الجماعة والجمعة والعيدين، مظهر قوي من مظاهر اجتماع المسلمين، ووحدة كلمتهم، وأهدافهم، وتعاونهم على البر والتقوى، لا جرم أن كان للمسجد رسالة اجتماعية وروحية عظيمة الشأن في حياة المسلمين، فهو الذي يوحد صفوفهم، ويهذب نفوسهم، ويوقظ قلوبهم وعقولهم، ويحل مشاكلهم، وتظهر فيه قوتهم وتماسكهم.
ولقد أثبت تاريخ المسجد في الإسلام أن منه انطلقت جحافل الجيوش الإسلامية لغمر الأرض بهداية الله، ومنه انبعثت أشعة النور والهداية للمسلمين وغيرهم، وفيه ترعرعت بذور الحضارة الإسلامية ونمت، وهل كان أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وخالد، وسعد، وأبو عبيدة، وأمثالهم من عظماء التاريخ الإسلامي إلا تلامذة المدرسة المحمدية التي كان مقرها المسجد النبويز
وميزة أخرى للمسجد في الإسلام أنه تنبعث منه في كل أسبوع كلمة الحق مدوية مجلجلة على لسان خطيبه، في نكار منكر أو أمر بمعروف، أو دعوة إلى خير، أو إيقاظ من غفلة، أو دعوة إلى تجمع، أو احتجاج على ظالم، أو تحذير لطاغية، ولقد شاهدنا في عهد
الطفولة كيف كانت المساجد مراكز الانطلاق للحركات الوطنية ضد المستعمرين يلجأ إليها زعماء الجهاد ضد الاستعمار وضد الصهيونية. أهـ.
* * *