الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
استهدف القلب الثاني الذي هو غيب من الغيب، وإن كان بعض ما يجري فيه وعليه محساً من الإنسان، هذا القلب يمرض، وتتراكم عليه تراكمات، وتطرأ عليه الحجب.
تكرر حادثة الشق بل النبوة أي قبل التكليف فيه إشارة إلى إرادة الله عز وجل في أن يبقى قلب محمد على حالة خاصة استصلاحاً وإعداداً، وهذا يفيد أنه حتى أطهر القلوب يحتاج إلى شيء من عالم الأسباب ليبقى على صفاء ونقاء، وتكرر حادثة شق الصدر قبيل الإسراء والمعراج فيه إشارة إلى أن بعض مقامات القلوب يحتاج إلى مزيد من الصفاء القلبي.
* * *
فصل: في رعيه صلى الله عليه وسلم الغنم والحكمة من ذلك
27 -
* روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم" فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: "نعم، كنتُ أرعاها على قراريط لأهل مكة".
فوائد:
1 -
عن حكمة رعي الغنم: قال الحافظ في الفتح: قال العلماء: الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أني جعل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم؛ ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة، لأنهم إذا صبروا على رعيها، وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها، واحتياجها إلى المعاهدة، ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها، وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها،
27 - البخاري: (4/ 441) 37 - كتاب الإجارة - 2 - باب رعي الغنم على قراريط.
وأخرج نحوه ابن ماجه: (3/ 737) 12 - كتاب التجارات - 5 - باب الصناعات مع خلاف يسير في اللفظ.
بالقراريط: يعني كل شاة بقيراط، والقيراط هو من أجزاء الدينار، وهو نصف عشره في أكثر البلاد، وأهل الشام يعنونه جزءاً من أربعة وعشرين.
ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة؛ لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم، وخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها، ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل البقر، وبالإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة، ومع أكثرية تفرقها فهي أسرع انقياداً من غيرها، وفي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لذلك بعد أن علم أنه أكرم الخلق على الله ما كان عليه من عظيم التواضع لربه والتصريح بمننه عليه وعلى إخوانه الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء.
2 -
وعن الأخذ بالأسباب للتكسب: أقول: يتحدث بعض العلماء عن الأخذ بالأسباب، وعن التجريد في موضوع كسب القوت، ويعتبرون كُلا منهما في محله هو الكمال. وهكذا كان شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانت حياته قبل النبوة عملاً متواصلاً لكسب القوت، فمن رعى غنم إلى رعي إبل إلى تجارة، ومن إجارة إلى شركة، وقد استمر هذا بعد النبوة ضمن حدد، حتى إذا اقتضت الدعوة الإسلامية تجريداً لم يبق لمحاولة الكسب محل، فكان التجريد على أكمله، فحتى فتحت خيبر لم يكن له عليه الصلاة والسلام معلوم في الرزق، بل هو الزهد والعفة والتوكل، وكلا المقامين من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام.
* * *