المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الشروط الصحيحة لسيرة الهادي القدوة ثم جاءت المحاضرات الأربع اللاحقة تنصبُّ - الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية - جـ ١

[سعيد حوى]

فهرس الكتاب

- ‌مُقَدِّمَةُ النَّاشِر

- ‌مقدمةالأساس في السنة وفقهها

- ‌أولاً: تعريف بهذا الكتاب

- ‌تمهيد

- ‌ضخامة المكتبة الحديثية:

- ‌منهج تأليف هذا الكتاب

- ‌أقسام الكتاب

- ‌ثانياً: تعريف بأصول هذا الكتاب ومصنفيها

- ‌1 - الإمام البخاري وصحيحه

- ‌الجامع الصحيح

- ‌الحامل له على تأليف الصحيح:

- ‌منهج البخاري في جمع الصحيح:

- ‌براعة البخاري في النقد:

- ‌شروط البخاري في التصحيح في القمة:

- ‌2 - الإمام مسلم وصحيحه

- ‌صحيح الإمام مسلم

- ‌سماحة الإمام في البحث:

- ‌منهج مسلم في صحيحه:

- ‌خصائص صحيح مسلم:

- ‌3 - الإمام أبو داود وسننه

- ‌4 - الإمام الترمذي وسننه

- ‌5 - الإمام النسائي وسننه

- ‌6 - ابن ماجه وسننه

- ‌7 - الدارمي وسننه

- ‌شيوخه:

- ‌من روى عنه:

- ‌ثناء الأئمة عليه:

- ‌مرتبة هذه السنن عند المحدثين:

- ‌8 - الإمام مالك وموطؤه

- ‌9 - الإمام أحمد ومسنده

- ‌10 - 11 - 12 - معاجم الطبراني الثلاثة

- ‌13 - ابن حبان وصحيحه

- ‌14 - ابن خزيمة وصحيحه

- ‌15 - أبو يعلي ومسنده

- ‌16 - أبو بكر البزار ومسنده

- ‌17 - الحاكم ومستدركه

- ‌18 - رزين وابن الأثير وابن الديبع الشيبانيوالأصول الستة

- ‌19 - نور الدين الهيثمي ومجمع الزوائد

- ‌20 - محمد بن محمد بن سليمان المغربيوكتابه جمع الفوائد

- ‌المقدمة

- ‌تصحيح مفاهيم حول السيرة:

- ‌(1)حاجة البشرية إلى الدين

- ‌(2)محمد الرسول الأكمل صلى الله عليه وسلم

- ‌(3)شرط التاريخية

- ‌(4)شرط الكمال المطلق

- ‌(5)شرط الشمولية

- ‌(6)واقعية السيرة المحمدية

- ‌(7)عالمية السيرة المحمدية

- ‌(8)حقية الرسالة المحمدية وأياديها على البشرية

- ‌الباب الأولمنسيرته صلى الله عليه وسلموهومن البدء حتى النبوة الشريفة

- ‌هذه المرحلة في سطور

- ‌فَصْلٌ: في فضل النَّسَبِ وفي فضل الجيل

- ‌نسب الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌اصطفاء نبينا من خير بني آدم ومن خير الأجيال

- ‌تزكية الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وللصحابة

- ‌فائدة:

- ‌[هاجر] جدة رسولنا - عليهما الصلاة والسلام

- ‌تعليق حول صدق إبراهيم عليه السلام

- ‌قصة إسماعيل الذبيح عليه السلام وبناء البيت

- ‌فائدة في التعريف بالقبائل العربية

- ‌فصل: في بعض البشارات بنبينا صلى الله عليه وسلم

- ‌بشارات في الكتب السابقة:

- ‌تعليق:

- ‌في قصة بحيرا شاهد على أنه عليه الصلاة والسلام مبشر به:

- ‌فائدة حول موضوع الكشف للأولياء:

- ‌فصل: في الميلاد

- ‌متى ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌فائدة:

- ‌ولد يتيماً صلى الله عليه وسلم:

- ‌تعليق حول الحكمة من هذا اليتم وذاك الفقر:

- ‌فصل: في أسمائه صلى الله عليه وسلم

- ‌تعليق:

- ‌ما جاء عن رضاعه وتنشئته في البادية:

- ‌فائدة حول تنشئته صلى الله عليه وسلم في البادية:

- ‌فصل: في شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم وتكرار هذه الحادثة

- ‌فوائد حول حادثة شق الصدر:

- ‌فصل: في رعيه صلى الله عليه وسلم الغنم والحكمة من ذلك

- ‌فوائد:

- ‌فصل: في عصمته صلى الله عليه وسلم مما يشينه حتى قبل البعثة

- ‌بناء البيت وعصمته من كشف العورة:

- ‌عصمته من فعل الجاهلية:

- ‌تعليق:

- ‌فصل: في حضوره صلى الله عليه وسلم حلف الفضول

- ‌فوائد حول حادث حلف الفضول:

- ‌فصل: في الإجارة عند خديجة ثم زواجه صلى الله عليه وسلم منها

- ‌تعليق حول الروايات السابقة:

- ‌فصل: في رجاحة عقله صلى الله عليه سلم وتلقيبه بالأمين قبل البعثة

- ‌فائدة حول تحكيمه صلى الله عليه وسلم في وضع الحجر الأسود:

- ‌بركته ومحبة الناس له وثقتهم به:

- ‌فصل: في مقدمات بعثته صلى الله عليه وسلم

- ‌تطلعات إلى دين جديد صحيح:

- ‌نقل حول ما وصل إليه العرب من سوء الأحوال وحاجتهم إلى الدين الجديد:

- ‌الفترة التي بين عيسى ونبينا - عليهما الصلاة والسلام

- ‌إرهاصات بنبوته صلى الله عليه وسلم:

- ‌فائدة:

- ‌خاتمة الباب

- ‌الباب الثانيمنالبعثة حتى الاستقرار في المدينة

- ‌هذه المرحلة في سطور

- ‌من ملامح هذه المرحلة

- ‌فصل: في بدء الوحي وفترته واستئنافه

- ‌السر في الخلوة:

- ‌حياته قبل النبوة:

- ‌المراحل الأولى للوحي:

- ‌فصل: في ظاهرة الوحي

- ‌أقسام الوحي:

- ‌حفظ أمر السماء بعد النبوة:

- ‌القرآنمعجزة الرسول صلى الله عليه وسلم الخالدة

- ‌متى وكيف نزل القرآن:

- ‌فصل: في الدعوة السرية

- ‌بداية الدعوة في سريتها وفرديتها:

- ‌فصل: في الدعوة الجهرية

- ‌أصناف خصوم الدعوة الجهرية:

- ‌فصل ووصل

- ‌فصل: في هجرتي الحبشة

- ‌دروس من الهجرة إلى الحبشة:

- ‌فصل: في إسلام عمر وحمزة

- ‌دروس من إسلام عمر وحمزة:

- ‌فصل: في حصار الشِّعْب

- ‌درس من الحصار:

- ‌جزاء المقاطعة:

- ‌فصل: في انشقاق القمر

- ‌فصل: الإيذاء مستمر والدعوة مستمرة

- ‌فصل: عام الحزن والشدّة

- ‌فصل: في رحلة الطائف

- ‌فصل: في تبليغ الجن

- ‌الفرج بعد الشدة:

- ‌فصل: في تكسير بعض الأصنام

- ‌فصل: في الإسراء والمعراج

- ‌زمن الإسراء والمعراج:

- ‌الإيمان بالإسراء والمعراج:

- ‌الإسراء بالروح وبالجسد:

- ‌فصل: في بداية دخول الإسلام المدينة المنورةوفي بيعتي العقبة

- ‌فصل: في الهجرة إلى المدينة المنورة

- ‌مقدمة:

- ‌الهجرة من دار الحرب إلى دار السلام:

- ‌فوائد من فتح الباري:

- ‌تعليق:

- ‌فوائد من كتاب الهجرة للدكتور محمد أبو فارس:

- ‌تأملات في العهد المكي وتصويبات

- ‌الباب الثالثمِنالاستقرار في المدينة حتى الوفاة

- ‌هذه المرحلة في سطور

- ‌من ملامح هذه المرحلة

- ‌السنة الأولى للهجرة

- ‌أحادث السنة الأولى في سطور

- ‌فصل: المدينة عند الهجرة

- ‌ اليهود

- ‌الأوس والخزرج:

- ‌الوضع الطبيعي:

- ‌الحالة الدينية والمكانة الاجتماعية:

- ‌الحالة الاقتصادية والحضارية:

- ‌فصل: التأريخ بالهجرة

- ‌ للبداءة بالمحرم سببان:

- ‌فصل: في حسن الاستقبال وقوة الإقبال

- ‌فصل: المسجد أولاً

- ‌فصل: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

- ‌أهداف المؤاخاة:

- ‌فصل: في الترتيبات الدستورية

- ‌دروس من الصحيفة:

- ‌فصل: في البيعة

- ‌فصل: في الإذن بالقتال وبدء الحركة القتالية

- ‌فصل: في أمور متفرقةحدثت في السنة الأولى

- ‌1 - إسلام عبد الله بن سلام:

- ‌2 - خروج وباء المدينة منها:

- ‌3 - دخوله عليه الصلاة والسلام بعائشة:

- ‌4 - تشريع الأذان وإكمال الصلاة:

- ‌5 - حراسة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

- ‌تقويم الموقف في نهاية السنة الأولى

- ‌السنة الثانية للهجرة

- ‌هذه السنة في سطور

- ‌1 - في تحالفات هذا العام:

- ‌2 - في الحركة العسكرية:

- ‌فصل: في سرية عبد الله بن جحش

- ‌دروس من هذه السرية:

- ‌الحكمة في السرايا:

- ‌فصل: في تحويل القبلة

- ‌دروس في تحويل القبلة:

- ‌عدد غزواته صلى الله عليه وسلم:

- ‌فصل: في غزوة بدر

- ‌تمهيد:

- ‌1 - مقدمات الغزوة

- ‌2 - صور ومشاهد

- ‌عوامل النصر

- ‌3 - الأنفال

- ‌فوائد:

- ‌4 - فضل أهل بدر

- ‌5 - الأسارى

- ‌6 - آيات بدرية

- ‌7 - من فقه غزوة بدر

- ‌8 - في أعقاب بدر

- ‌من نعم الله على المسلمين في غزوة بدر:

- ‌فصل: في إجراء يهود بني قينُقاعٍ

- ‌تقويم الموقف في نهاية السنة الثانية للهجرة

الفصل: الشروط الصحيحة لسيرة الهادي القدوة ثم جاءت المحاضرات الأربع اللاحقة تنصبُّ

الشروط الصحيحة لسيرة الهادي القدوة

ثم جاءت المحاضرات الأربع اللاحقة تنصبُّ على الشروط التي يجب أن تتوافر فيها سيرة الهادي القدوة. فالأولى في شرط التاريخية، والثانية في شرط الكمال، والثالثة في شرط الشمول، والرابعة في شرط العملية.

* * *

(3)

شرط التاريخية

وها هو ذا يتحدث عن التاريخية في سيرة محمد صلى الله عليه وسلم:

لقد شهدت الدنيا أصدق شهادة، ثم ازداد ذلك ثبوتاً على الأيام، بأن المسلمين لم يقتصروا على حفظ سيرته صلى الله عليه وسلم بل توسعوا في ذلك إلى ما يتعلق بها من كل النواحي، فصانوا هذه الأمانة القدسية فلم تلمسها يد الضياع، ولم تعبث بها عوامل الدهر، إلى درجة أن العالم كله يقف من ذلك موقف العجب والاستغراب. والذين وقفوا حياتهم منذ العصر النبوي على حفظ أقوال النبي صلى الله عليه وسلم ورواية أحاديثه، وكل ما يتعلق بحياته، أدوْها إلى من ضبطوها بعدهم، وكتبوها وصاروا يسمون (رواة الحديث) أو (المحدثين) و (أصحاب السير) وهم طبقات متسلسلة من (الصحابة) و (التابعين) و (تابعي التابعين).

وقد بلغ عدد الصحابة رضي الله عنهم في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم الذين حجوا معه حجة الوداع [حوالي] مائة ألف، ومن هؤلاء [حوالي] عشرة آلاف صحابي مذكورة أسماؤهم وأحوالهم في كتب التاريخ التي أفردت لتدوين أحوالهم خاصة، لأن كل واحد منهم حفظ شيئاً من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتصرفاته وهديه وسيرته.

ثم جال المؤلف جولات موفقة في عرض طبقات المشتغلين بنقل السنة النبوية وتعليمها، متحدثاً خلال ذلك عن تحري الصحابة والأئمة العدول صدق النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومتحدثاً عن قوة ذاكرة العرب خاصة، ثم المشتغلين بالسنة بشكل عام، وكيف أنهم كانوا يجمعون مع الحفظ الكتابة لزيادة التوثيق، وإنه مع هذا وهذا وجدت العلوم التي تُمحِّص

ص: 106

وتقارن وتحقق، ووجد الجهابذة الذين يمتلكون القدرة على التمييز بين المرويات.

وخلال ذلك ردْ على فرية بعض المستشرقين الذين يزعمون أن السنة النبوية تأخر تدوينها، فيقيم الأدلة التاريخية القاطعة على كذب هؤلاء، فلم ينقطع التدوين منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن وجدت كتب السنة المشهورة، ولعل هذه الصفحات من كتابه من أروع الصفحات. ومما قاله في هذه الصفحات:

فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كتبوا بأيديهم في عهده صلى الله عليه وسلم وجمعوا من أحاديثه في حياته، وتركوا ذلك لمن بعدهم، والذين جاءوا بعدهم أدخلوه في كتبهم، ولا أعدو الحقيقة إذا قلت: إن التابعين رضي الله عنهم جمعوا جميع المرويات في عهد الصحابة، وكتبوا في حياتهم ما وصل إلى علمهم من الأخبار والشؤون، وبحثوا عن ذلك بحثاً طويلاً، وبذلوا فيه جهودهم وسافروا له، وطرقوا أبواب العلماء والمحدثين، حتى لقد كانوا يطوون لأجل الحديث الواحد مسافة طويلة وشُقَّة بعيدة.

والحق أن جميع الأحاديث والأحكام والأخبار تم تدوينها عند المسلمين في ثلاثة أطار:

الطور الأول هو الذي كان فيه الصحابة وكبار التابعين.

الطور الثاني هو الذي كان فيه صغار التابعين وتابعو التابعين.

والطور الثالث هو عهد المحدثين وأئمة السنة كالإمام محمد بن إسماعيل البخاري، والإمام مسلم صاحب الجامع الصحيح، والإمام الترمذي، والإمام أحمد بن حنبل، وغيرهم من المحدثين.

وما جمع في الطور دوِّن في كتب الطور الثاني، وما دوِّن في الطور الثاني جمع ونُظِّم في كتب الطور الثالث، ونرى أمامنا أكثر ما جمع في الطورين الثاني والثالث مدوناً في كتب كثيرة تشتمل على آلاف من الأوراق هي في الواقع من أثمن الذخائر العلمية في العالم، بل لا يوجد في جميع ذخائر الدنيا لعلمية أوثق منها سنداً وأصح تاريخاً ورواية.

ولقد صدق الأستاذ الكبير العلامة الشيخ شبلي النعماني حين قال:

ص: 107

(لما أرادت الأمم الأخرى من غير المسلمين أن تجمع في أطوار نهضتها أقوال رجالها ورواياتهم، كان قد فات عليهم زمن طويل، وانقضى بينها وبينهم عهد بعيد، فحاولوا كتابة شئون أمة قد خلت، ولم يميزوا بين غثِّ ذلك الماضي وسمينه، وصحيحه وسقيمه، بل لم يعلموا أحوال رواة تلك الأخبار ولا أسماءهم ولا تواريخ ولادتهم فاكتفوا بأن اصطفوا من أخبار هؤلاء الرواة المجهولين ورواياتهم ما يوافق هواهم ويلائم بيئتهم وينطبق على مقاييسهم، ثم لمي مض غير زمن يسير حتى صارت تلك الخرافات معدودة كالحقائق التاريخية المدوَّنة في الكتب، وعلى هذا المنهاج السقيم صنفت أكثر الكتب الأوروبية مما يتعلق بالأمم الخوالي وشئونها، والأقوام القديمة وأخبارها، والأديان السالفة ومذاهبها ورجالها.

أما المسلمون فقد جعلوا لرواية الأخبار والسير قواعد محكمة يرجعون إليها وأصولاً متقنة يتمسكون بها وأعلاها أن لا تُروى واقعة من الوقائع إلا عن الذي يشهدها، وكلما بعد العهد على هذه الواقعة فمن الواجب تسمية من نقل ذلك الخبر عن الذي نقله عمَّن شهد، وهكذا بالتسلسل من وقت الاستشهاد بالواقعة والتحدث عنها إلى زمن وقوعها. والتثبت من أمانة هؤلاء الرواة وفقههم وعدالتهم وحسن تحملهم للخبر الذي يروونه، وإذا كانوا على خلاف ذلك وجب تيينه أيضاً.

وهذه المهمة من أشق الأمور، ومع ذلك فإن مئات من المحدثين تفرغوا لها، ووقفوا أعمارهم على تحري ذلك واستقصائه وتدوينه، وطافوا لأجله البلاد، ورحلوا بين الأقطار، باحثين دارسين لأحوال الرواة، وكانوا يلقون المعاصرين لهم من الرواة لينقدوا أحوالهم، وإذا اطمأنوا إلى سيرة فرق منهم سألوهم عما يعرفونه من أحوال الطبقة التي كانت قبلهم، وقد اجتمع من هذا المجهود العلمي العظيم علم مستقل من العلوم الإسلامية أطلق عليه فيما بعد عنوان (أسماء الرجال) فتيسر لمن أتى بعدهم أن يقفوا على أقدار مئات الألوف من الحفاظ والعلماء والرواة وغيرهم).

هذا فيما يتعلق بالرواية وحملتها، وهنالك (عالم نقد الحديث) من جهة الدراية والفهم، وأن له أصولاً محكمة وقواعد متقنة اتخذوها لنقد المرويات وتمييز صحيحها من سقيمها وغثها من السمين والراجح من المرجوح، وقد تحرى علماء السنة في هذا الأمر الحق وحده، وتمسكوا

ص: 108

فيه بالمحجة البيضاء، وكل ما يؤدي إليه الصدق، فكان عملهم هذا من مفاخر الإسلام.

وبعد ذلك يجول المؤلف جولة موفقة فيما يؤكد التوثيق، في شأن نقل السنة النبوية وتمحيص رواياتها، ثم بعد ذلك يخص السيرة النبوية بالحديث، فيتحدث عن مصادرها فيقول:

وأريد أن ألفت أنظاركم إلى المصادر التي أخذت عنها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه، وكيف دونت تلك المصادر وجمعت، وأن أهم ما في سيرته صلى الله عليه وسلم وأوثقها وأكثرها صحة هو ما اقتبس من القرآن الحكيم الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} ، وهو الذي لم يشك في صحته العدو اللدود، فضلاً عن الحبيب الودود.

فالقرآن الكريم هو المصدر الأول من مصادر السيرة النبوية: والقرآن يقص علينا جميع مناحي السيرة النبوية وطرفاً من حياته صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، فيذكر لنا يتمه وفقره وتحنثه، كما يذكر لنا شئونه بعد النبوة من هبوط الوحي الإلهي عليه وتبليغه إياه والعروج به وعداوة الأعداء وهجرته وغزواته، وفي القرآن الكريم ذكر أخلاقه صلى الله عليه وسلم.

كل ذلك تراه مذكوراً في القرآن ببيان واضح وأسلوب متين رائق: ومن ذلك تعلمون أنه لم تطرق أذن التاريخ سيرة رجل بأحسن ولا أصح ولا أوثق من سيرة محمد صلى الله عليه وسلم.

والمصدر الثاني من مصادر السيرة النبوية كتب الحديث: وهي كتب حفظت لنا من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأحواله ما يبلغ مائة ألف حديث، وقد امتاز الصحيح منها عن الضعيف والموضوع، والقوي منها عن غير القوي.

ومن الكتب المصنفة في الحديث الكتب الستة التي محص العلماء كل ما ورد فيها، وذكروا شواهده ومتابعاته، حتى لم يتركوا في النفوس منزع ظفر لمحقق منصف، بل ولا لمدقق جائر، ويتلو الكتب الستة كتب المسانيد، وأعظمها مسند الإمام أحمد بن حنبل، في ستة مجلدات كبار، كل مجلد منها يحتوي على نحو خمسمائة صفحة من القطع الكبير بحروف دقيقة، وقد تضمن هذا المسند مرويات كل صحابي مجموعة ومذكورة على

ص: 109

حدة، وفي هذه المجموعات جميع تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم وأحواله وسيرته غير مرتبة على المواضيع.

والمصدر الثالث كتب المغازي: ومعظم ما فيها ذكر الغزوات النبوية، وقد تتضمن أموراً أخرى، ومن المصنفات القديمة في المغازي: مغازي عروة بن الزبير المتوفى سنة 94 هـ، ومغازي الزهري المتوفى سنة 124 هـ. ومغازي ابن إسحاق المتوفى سنة 150 هـ، ومغازي زياد البكائي المتوفى سنة 182 هـ، ومغازي الواقدي المتوفى سنة 207 وغيرهم.

والمصدر الرابع كتب التاريخ الإسلامي العام: التي تبتدئ بالسيرة النبوية ومن أوثقها وأصحها وأطولها وأضخمها: طبقات ابن سعد، وتاريخ الرسل والملوك للإمام أبي جعفر الطبري، والتاريخ الصغير والتاريخ الكبير لمحمد بن إسماعيل البخاري، وتاريخ ابن حبان، وتاريخ ابن أبي خيثمة البغدادي المتوفى سنة 299 هـ وغيرهم.

والمصدر الخامس الكتب التي ألفت في المعجزات: وتسمى بكتب الدلائل ومنها: دلائل النبوة لأبي إسحق الحربي المتوفى سنة 255 هـ، ودلائل النبوة لابن قتيبة المتوفى سنة 276 هـ، ودلائل النبوة للإمام البيهقي المتوفى سنة 430 هـ، ودلائل النبوة لأبي نعيم الأصفهاني المتوفى سنة 430 هـ، ودلائل النبوة للمستغفري المتوفى سنة 432 هـ، ودلائل أبي القاسم إسماعيل الأصفهاني المتوفى سنة 535 هـ، وأضخمها وأبسطها كتاب الخصائص الكبرى للجلال السيوطي المتوفى سنة 911 هـ.

والمصدر السادس كتب الشمائل: وهي مقصورة على ذكر أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وعاداته وفضائله وما كان يعمل في يومه من الصباح إلى المساء، وفي ليله من المساء إلى الصباح. وأشهر هذه الكتب وأولها: كتاب الشمائل للحافظ المنذري. وقد كتب كبار العلماء زيادات عليه أهمها وأضخمه وأطولها: كتاب الشفا في حقوق المصطفى للقاضي عياض، وقد شرحه الشهاب الخفاجي وسماه نسيم الرياض، وصنف في هذا الموضوع علماء آخرون، منها: كتاب شمائل النبي صلى الله عليه وسلم لأبي العباس المستغفري المتوفى سنة 432 هـ، والنور الساطع لابن المقري الغرناطي المتوفى سنة 552 هـ، وسفر السعادة لمجد الدين الفيروزابادي المتوفى سنة 812 هـ.

ص: 110

يضاف إلى ما ذكرناه الكتب التي صنفها بعض العلماء المتقدمين في أحوال مكة المعظمة والمدينة المكرمة، وذكروا فيه ما في هذين البلدين الطيبين من بقاع وأماكن وأودية وجبال وخطط، وذكروا من تولى إمارتهما، بادئين بكل ما له علاقة بالنبي صلى الله عليه وسلم وأقدم كتاب في هذا الموضوع: أخبار مكة للأزرقي المتوفى سنة 223 هـ، وأخبار المدينة لعمر بن شبة المتوفى سنة 268 هـ، ثم أخبار مكة للفاكهي، وأخبار المدينة لابن زبالة.

ثم بعد ذلك يتحدث عن التأليف في السيرة النبوية وأنه تجاوز على مدى العصور كل تصور، وبعد أن يضرب أمثلة على سعة التأليف في السيرة النبوية ينقل نقلاً عن كاتب متحامل على الإسلام هو (ريوزورند باسورث سميث) من كتابه (محمد والمحمدية) يقول فيه هذا الكاتب:

كل ما يقال في الدين يغلب فيه الجهل ببدايته، ومما يؤسف له أن هذا يصح إطلاقه على الديانات الثلاث (1) وعلى أصحابها الذين نعدهم تاريخيين، لأننا لا نعلم لهم وصفاً أحسن من هذا الوصف، فإننا قلما نعلم عن الذين كانوا في طلائع الدعوة، والذي نعلمه عن الذين جاءوا بعدهم واجتهدوا في نشر عقائدهم أكثر من الذي نعلمه عن أصحاب الدعوة الأولين، فالذي نعلمه من شئن زردشت وكونفوشيوس أقل من الذي نعلمه عن سولون وسقراط. والذي نعلمه عن موسى، وبوذا أقل مما نعلمه عن أمبرس Ambrase وقيصر، ولا نعلم من سيرة عيسى إلا شذرات تتناول شعباً قليلةً من شُعَبِ حياته المتنوعة والكثيرة، ومن ذا الذي يستطيع أن يكشف لنا الستار عن شئون ثلاثين عاماً هي تمهيد واستعداد للثلاثة أعوام التي لنا علم بها من حياته، إنه بعث ثلث العالم من رقدته، ولعله يحيي أكثر مما أحيا، وحياته المثالية بعيدة عنا مع قربها منا، وإنها تتراوح بين الممكن والمستحيل، بيد أن كثيراً من صفحاتها لا نعلم عنها شيئاً أبداً، وما الذي نعلمه عن أم المسيح، وعن حياته في بيته؟ وعيشته العائلية؟ وما الذي نعلمه عن أصحابه الأولين وحوارييه؟ وكيف كان يعاملهم؟ وكيف تدرجت رسالته الروحية في الظهور؟ وكيف فاجأ الناس بدعوته ورسالته؟ وكم وكم من السئلة تجيش في نفوسنا، ولن يستطيع أحد أن يجيب عليها إلى يوم القيامة؟!

(1) يريد ديانات: بوذا وكونفوشيوس وزرادشت.

ص: 111

أما الإسلام فأمره واضح كله، ليس فيه سر مكتوم عن أحد، لا غُمة ينْبَهِم أمرها على التاريخ. ففي أيدي الناس تاريخه الصحيح، وهم يعلمون من أمر محمد صلى الله عليه وسلم كالذي يعلمونه من أمر لوثر وملتن، وإنك لا تجد فيما كتبه عنه المؤرخون الأولون أساطير ولا أوهاماً ولا مستحيلات، وإذا عرض لك طرف من ذلك أمكنك تمييزه عن الحقائق التاريخية الراهنة، فليس لأحد هنا أن يخدع نفسه ولا أن يخدع غيره، والأمر كله واضح وضوح النهار، كأنه الشمس رأد الضحى، يتبين تحت أشعة نورها كل شيء. أهـ.

هذا كلام كاتب متحامل على الإسلام، لكنه لم يسعه إلا أن يقرر هذه الحقيقة التي كانت وراء محور هذه المحاضرة، إن سيرة محمد صلى الله عليه وسلم تاريخية لا ريب في ذلك ولا لبس، وقد ختم المؤلف المحاضرة الثالثة بقوله:

لقد ألف المسلمون في السيرة النبوية ألوف الكتب بل أكثر من ذلك، ولا يزالون ماضين في التأليف فيها، كل كتاب في السيرة المحمدية - مهما كان - لا ريب أنه أوضح بياناً وأوثق رواية وأكثر صحة من كل ما كتبه الناس في قصص النبيين وسيرهم عليهم السلام.

والكتب الأولى في السيرة المحمدية تلقاها عن أصحابها مئون وآلاف من تلاميذهم، وأتقنوها فهماً، وأحكموها فقهاً، ولم يتركوا فيها كلمة غامضة ولا عبارة معضلة إلا أوضحوا مبهمها وحلوا معضلها.

وأول كتاب عندنا في الحديث النبوي كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس، وقد سمعه من مؤلفه ستمائة من تلاميذه فيهم الخلفاء والولاة والعلماء والفقهاء والأدباء والزهاد والنساك، والجامع الصحيح لأبي عبد الله بن إسماعيل البخاري تلقاه ستون ألفاً من أهل العلم عن تلميذ واحد من تلاميذه وه الإمام الفِرَبْرِي، فهل في العالم دين احتاط أهله مثل هذا الاحتياط واهتموا مثل هذا الاهتمام بكل ما يتعلق بأمر نبيهم وهدايته؟ وهل ألف في هذا الباب تأليف أكثر صحة وأعظم ثقة وتثبتاً؟ وهل نال مثل هذه الصحة التاريخية دين غيره؟ وهل حفظ التاريخ من تفاصيل حياة نبي من الأنبياء عليهم السلام مثل الذي حفظه من سيرة محمد صلى الله عليه وسلم؟.

ص: 112