الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَاطِلٌ أَوْ صَحِيحٌ وَلَا خِيَارَ لَمْ يَعْتِقْ.
وَإِنْ قُلْنَا: صَحِيحٌ وَالْخِيَارُ ثَابِتٌ، عَتَقَ ; لِأَنَّ عِتْقَ الْبَائِعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ نَافِذٌ.
فَصْلٌ
فِيمَا يَنْقَطِعُ بِهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ
وَجُمْلَتُهُ: أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ ثَبَتَ فِيهِ هَذَا الْخِيَارُ، فَإِنَّهُ يَنْقَطِعُ بِالتَّخَايُرِ، وَيَنْقَطِعُ أَيْضًا بِأَنْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ.
أَمَّا التَّخَايُرُ، فَهُوَ أَنْ يَقُولَا: تَخَايَرْنَا، أَوِ اخْتَرْنَا إِمْضَاءَ الْعَقْدِ، أَوْ أَمْضَيْنَاهُ، أَوْ أَجَزْنَاهُ، أَوْ أُلْزِمْنَاهُ، وَمَا أَشْبَهَهَا.
فَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: اخْتَرْتُ إِمْضَاءَهُ، انْقَطَعَ خِيَارُهُ، وَبَقِيَ خِيَارُ الْآخَرِ، كَمَا إِذَا أَسْقَطَ أَحَدُهُمَا خِيَارَ الشَّرْطِ. وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ: لَا يَبْقَى خِيَارٌ لِلْآخَرِ ; لِأَنَّ هَذَا الْخِيَارَ لَا يَتَبَعَّضُ ثُبُوتُهُ، فَلَا يَتَبَعَّضُ سُقُوطُهُ.
وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ، أَوْ: خَيَّرْتُكَ، فَقَالَ الْآخَرُ: اخْتَرْتُ، انْقَطَعَ خِيَارُهُمَا. وَإِنْ سَكَتَ لَمْ يَنْقَطِعْ خِيَارُهُ، وَيَنْقَطِعْ خِيَارُ الْقَائِلِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الرِّضَا. وَلَوْ أَجَازَ وَاحِدٌ، وَفَسَخَ الْآخَرُ، قُدِّمَ الْفَسْخُ.
وَلَوْ تَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ، وَتَبَايَعَا الْعِوَضَيْنِ بَيْعًا ثَانِيًا، صَحَّ الْبَيْعُ الثَّانِي أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِلُزُومِ الْأَوَّلِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ يُبْنَى عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ، هَلْ يَمْنَعُ انْتِقَالَ الْمِلْكِ؟ إِنْ قُلْنَا: يَمْنَعُ لَمْ يَصِحَّ.
وَلَوْ تَقَابَضَا فِي الصَّرْفِ ثُمَّ أَجَازَا فِي الْمَجْلِسِ، لَزِمَ الْعَقْدُ. فَإِنْ أَجَازَاهُ قَبْلَ التَّقَابُضِ فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: تُلْغَى الْإِجَازَةُ، فَيَبْقَى الْخِيَارُ.
وَالثَّانِي: يَلْزَمُ الْعَقْدُ وَعَلَيْهِمَا التَّقَابُضُ.
فَإِنَّ تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ، وَلَا يَأْثَمَانِ إِنْ تَفَرَّقَا عَنْ تَرَاضٍ. وَإِنِ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالْمُفَارَقَةِ أَثِمَ.
وَأَمَّا التَّفَرُّقُ، فَأَنْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا، فَلَوْ أَقَامَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ مُدَّةً مُتَطَاوِلَةً، أَوْ قَامَا وَتَمَاشَيَا مَرَاحِلَ،
فَهُمَا عَلَى خِيَارِهِمَا.
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَوَجْهٌ: أَنَّهُمَا لَوْ شَرَعَا فِي أَمْرٍ آخَرَ، وَأَعْرَضَا عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْعَقْدِ، وَطَالَ الْفَصْلُ، انْقَطَعَ الْخِيَارُ. ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي التَّفَرُّقِ إِلَى الْعَادَةِ.
فَمَا عَدَّهُ النَّاسُ تَفَرُّقًا، لَزِمَ بِهِ الْعَقْدُ. فَلَوْ كَانَا فِي دَارٍ صَغِيرَةٍ، فَالتَّفَرُّقُ أَنْ يَخْرُجَ أَحَدُهُمَا مِنْهَا، أَوْ يَصْعَدَ السَّطْحَ.
وَكَذَا لَوْ كَانَا فِي مَسْجِدٍ صَغِيرٍ، أَوْ سَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ. فَإِنْ كَانَتِ الدَّارُ كَبِيرَةً، حَصَلَ التَّفَرُّقُ بِأَنْ يَخْرُجَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْبَيْتِ إِلَى الصَّحْنِ، أَوْ مِنَ الصَّحْنِ إِلَى بَيْتٍ أَوْ صُفَّةٍ.
وَإِنْ كَانَا فِي صَحْرَاءٍ أَوْ فِي سُوقٍ، فَإِذَا وَلَّى أَحَدُهُمَا ظَهْرَهُ وَمَشَى قَلِيلًا، حَصَلَ التَّفَرُّقُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَبْعُدَ عَنْ صَاحِبِهِ بِحَيْثُ لَوْ كَلَّمَهُ عَلَى الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ رَفْعِ الصَّوْتِ، لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَهُ.
وَلَا يَحْصُلُ التَّفَرُّقُ بِأَنْ يُرْخَى سِتْرٌ بَيْنَهُمَا، أَوْ يُشَقَّ نَهْرٌ.
وَلَا يَحْصُلُ بِبِنَاءِ جِدَارٍ بَيْنَهُمَا مِنْ طِينٍ أَوْ جِصٍّ عَلَى الْأَصَحِّ. وَصَحْنُ الدَّارِ وَالْبَيْتِ [الْوَاحِدِ] إِذَا تَفَاحَشَ اتِّسَاعُهُمَا كَالصَّحْرَاءِ.
فَرْعٌ
لَوْ تَنَادَيَا مُتَبَاعِدَيْنِ وَتَبَايَعَا صَحَّ الْبَيْعُ.
قَالَ الْإِمَامُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا خِيَارَ لَهُمَا ; لِأَنَّ التَّفَرُّقَ الطَّارِئَ يَقْطَعُ الْخِيَارَ، فَالْمُقَارِنُ يَمْنَعُ ثُبُوتَهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يَثْبُتُ مَا دَامَا فِي مَوْضِعِهِمَا، وَبِهَذَا قَطَعَ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» .
ثُمَّ إِذَا فَارَقَ أَحَدُهُمَا مَوْضِعَهُ، بَطَلَ خِيَارُهُ.
وَهَلْ يَبْطُلُ خِيَارُ الْآخَرِ أَمْ يَدُومُ إِلَى أَنْ يُفَارِقَ مَكَانَهُ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: ثُبُوتُ الْخِيَارِ، وَأَنَّهُ مَتَى فَارَقَ أَحَدُهُمَا مَوْضِعَهُ، بَطَلَ خِيَارُ الْآخَرِ. وَلَوْ تَبَايَعَا وَهُمَا فِي بَيْتَيْنِ مِنْ دَارٍ أَوْ صَحْنٍ وَصُفَّةٍ، يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَا كَالْمُتَبَاعِدَيْنِ فِيمَا ذَكَرْنَا، وَأَنْ يَثْبُتَ الْخِيَارُ حَتَّى يُفَارِقَ أَحَدُهُمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا فِي الْمَجْلِسِ، نَصَّ أَنِ الْخِيَارَ لِوَارِثِهِ، وَقَالَ فِي الْمُكَاتَبِ: إِذَا بَاعَ وَمَاتَ فِي الْمَجْلِسِ وَجَبَ الْبَيْعُ. وَلِلْأَصْحَابِ ثَلَاثُ طُرُقٍ أَصَحُّهَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْوَارِثِ وَالسَّيِّدِ، كَخِيَارِ الشَّرْطِ وَالْعَيْبِ. وَالثَّانِي: يَلْزَمُ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنَ الْمُفَارَقَةِ بِالْبَدَنِ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: يَثْبُتُ لَهُمَا قَطْعًا. وَقَوْلُهُ فِي الْمُكَاتَبِ: وَجَبَ الْبَيْعُ مَعْنَاهُ: لَا يَبْطُلُ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ. وَالثَّالِثُ: تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ. وَالْفَرْقُ بِأَنَّ الْوَارِثَ خَلِيفَةُ الْمَيِّتِ بِخِلَافِ السَّيِّدِ.
وَحُكِيَ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ مِنْ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ: أَنَّهُ لَا يُورَثُ، وَهُوَ شَاذٌّ. وَلَوْ بَاعَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ أَوِ اشْتَرَى، وَمَاتَ فِي الْمَجْلِسِ فَكَالْمُكَاتَبِ. وَكَذَا الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ إِذَا مَاتَ فِي الْمَجْلِسِ، هَلْ لِلْمُوَكِّلِ الْخِيَارُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ كَالْمُكَاتَبِ. هَذَا إِذَا فَرَّغْنَا عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمَجْلِسِ التَّوْكِيلِ. وَفِي وَجْهٍ: يُعْتَبَرُ مَجْلِسُ الْمُوَكِّلِ، وَهُوَ شَاذٌّ. ثُمَّ إِنْ لَمْ يَثْبُتِ الْخِيَارُ لِلْوَارِثِ، فَقَدِ انْقَطَعَ خِيَارُ الْمَيِّتِ.
وَأَمَّا الْحَيُّ فَفِي «التَّهْذِيبِ» : أَنَّ خِيَارَهُ لَا يَنْقَطِعُ حَتَّى يُفَارِقَ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ. وَقَالَ الْإِمَامُ: يَلْزَمُ الْعَقْدُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَيَجُوزُ تَقْدِيرُ خِلَافٍ فِيهِ، لِمَا سَبَقَ أَنَّ هَذَا الْخِيَارَ لَا يَتَبَعُّضُ سُقُوطُهُ كَثُبُوتِهِ.
قُلْتُ: قَوْلُ صَاحِبِ «التَّهْذِيبِ» أَصَحُّ، وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: يَمْتَدُّ حَتَّى يَجْتَمِعَ هُوَ وَالْوَارِثُ. وَرَابِعٌ حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ: أَنَّهُ يَنْقَطِعُ خِيَارُهُ بِمَوْتِ صَاحِبِهِ. فَإِذَا بَلَغَ الْخَبَرُ الْوَارِثَ، حَدَثَ لِهَذَا الْخِيَارُ مَعَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْوَارِثِ، فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فِي الْمَجْلِسِ، امْتَدَّ الْخِيَارُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَاقِدِ الْآخَرِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا أَوْ يَتَخَايَرَا. وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، فَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَيْهِ.
وَهَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ، أَمْ يَمْتَدُّ امْتِدَادَ مَجْلِسِ بُلُوغِ الْخَبَرِ
إِلَيْهِ؟ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ إِذَا وَرِثَهُ الْوَارِثُ وَبَلَغَهُ الْخَبَرُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَفِي وَجْهٍ: يَمْتَدُّ كَمَا كَانَ يَمْتَدُّ لِلْمَيِّتِ لَوْ بَقِيَ. وَمِنْهُمْ مَنْ بَنَاهُمَا عَلَى وَجْهَيْنِ فِي كَيْفِيَّةِ ثُبُوتِهِ لِلْعَاقِدِ الْبَاقِي. أَحَدُهُمَا: لَهُ الْخِيَارُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ خِيَارُ الْوَارِثِ فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي يُشَاهِدُ فِيهِ الْمَبِيعَ. وَالثَّانِي: يَتَأَخَّرُ خِيَارُهُ إِلَى أَنْ يَجْتَمِعَ هُوَ وَالْوَارِثُ فِي مَجْلِسٍ، فَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْوَارِثِ.
قُلْتُ: حَاصِلُ الْخِلَافِ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِلْوَارِثِ الْغَائِبِ، أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ. مِنْهَا ثَلَاثَةٌ جَمَعَهَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ. أَصَحُّهَا: يَمْتَدُّ الْخِيَارُ حَتَّى يُفَارِقَ مَجْلِسَ الْخَبَرِ. وَالثَّانِي: حَتَّى يَجْتَمِعَا. وَالثَّالِثُ: عَلَى الْفَوْرِ. وَالرَّابِعُ: يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ إِذَا أَبْصَرَ الْمَبِيعَ، وَلَا يَتَأَخَّرُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
إِذَا وَرِثَهُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، وَكَانُوا حُضُورًا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، فَلَهُمُ الْخِيَارُ إِلَى أَنْ يُفَارِقُوا الْعَاقِدَ الْآخَرَ، وَلَا يَنْقَطِعُ بِمُفَارَقَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى الْأَصَحِّ. وَإِنْ كَانُوا غَائِبَيْنِ عَنِ الْمَجْلِسِ، قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : إِنْ قُلْنَا فِي الْوَارِثِ الْوَاحِدِ: يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي مَجْلِسِ مُشَاهَدَةِ الْمَبِيعِ، فَلَهُمُ الْخِيَارُ إِذَا اجْتَمَعُوا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ. وَإِنْ قُلْنَا: لَهُ الْخِيَارُ إِذَا اجْتَمَعَ هُوَ وَالْعَاقِدُ، فَكَذَا لَهُمُ الْخِيَارُ إِذَا اجْتَمَعُوا بِهِ. وَمَتَى فَسَخَ بَعْضُهُمْ، وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ فَفِي وَجْهٍ: لَا يَنْفَسِخُ فِي شَيْءٍ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَنْفَسِخُ فِي الْجَمِيعِ، كَالْمُوَرِّثِ إِذَا فَسَخَ فِي حَيَاتِهِ فِي الْبَعْضِ وَأَجَازَ فِي الْبَعْضِ.
قُلْتُ: وَسَوَاءٌ فَسَخَ بَعْضُهُمْ فِي نَصِيبِهِ فَقَطْ، أَوْ فِي الْجَمِيعِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ
فَرْعٌ
إِذَا حُمِلَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَأُخْرِجَ مِنَ الْمَجْلِسِ مُكْرَهًا، فَإِنْ مُنِعَ الْفَسْخَ بِأَنْ سُدَّ فَمُهُ، لَمْ يَنْقَطِعْ خِيَارُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ كَالْقَوْلَيْنِ فِي الْمَوْتِ، وَهُنَا أَوْلَى بِبَقَائِهِ ; لِأَنَّ إِبْطَالَ حَقِّهِ قَهْرًا بَعِيدٌ. وَإِنْ لَمْ يُمْنَعِ الْفَسْخَ، فَطَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَنْقَطِعُ. وَأَصَحُّهُمَا: عَلَى وَجْهَيْنِ. أَصَحُّهُمَا: لَا يَنْقَطِعُ. فَإِنْ قُلْنَا: يَنْقَطِعُ خِيَارُهُ، انْقَطَعَ أَيْضًا خِيَارُ الْمَاكِثِ، وَإِلَّا فَلَهُ التَّصَرُّفُ بِالْفَسْخِ وَالْإِجَارَةِ إِذَا تَمَكَّنَ. وَهَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَتَقَيَّدُ بِالْفَوْرِ، وَكَانَ مُسْتَقِرًّا حِينَ زَايَلَهُ الْإِكْرَاهُ فِي الْمَجْلِسِ، امْتَدَّ الْخِيَارُ امْتِدَادَ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ. وَإِنْ كَانَ مَارًّا، فَإِذَا فَارَقَ فِي مُرُورِهِ مَكَانَ التَّمَكُّنِ انْقَطَعَ خِيَارُهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ الِانْقِلَابُ إِلَى مَجْلِسِ الْعَقْدِ لِيَجْتَمِعَ بِالْعَاقِدِ الْآخَرِ إِنْ طَالَ الزَّمَانُ. وَإِنْ قَصَرَ فَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ. وَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُ الْمُخْرَجِ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُ الْمَاكِثِ أَيْضًا إِنْ مُنِعَ الْخُرُوجَ مَعَهُ، وَإِلَّا بَطَلَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ ضُرِبَا حَتَّى تَفَرَّقَا بِأَنْفُسِهِمَا، فَفِي انْقِطَاعِ الْخِيَارُ قَوْلَانِ كَحِنْثِ الْمُكْرَهِ. وَلَوْ هَرَبَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَتْبَعْهُ الْآخَرُ مَعَ التَّمَكُّنِ، بَطَلَ خِيَارُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ بَطَلَ خِيَارُ الْهَارِبِ وَحْدَهُ، قَالَهُ فِي «التَّهْذِيبِ» .
قُلْتُ: أَطْلَقَ الْفُورَانِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبَا «الْعُدَّةِ» وَ «الْبَيَانِ» وَغَيْرُهُمْ: أَنَّهُ يَبْطُلُ خِيَارُهُمَا بِلَا تَفْصِيلٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنَ الْفَسْخِ بِالْقَوْلِ، وَلِأَنَّ الْهَارِبَ فَارَقَ مُخْتَارًا، بِخِلَافِ الْمُكْرَهِ، فَإِنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَوْ جُنَّ أَحَدُهُمَا، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، لَمْ يَنْقَطِعِ الْخِيَارُ، بَلْ يَقُومُ وَلَيُّهُ أَوِ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ، فَيَفْعَلُ مَا فِيهِ الْحَظُّ مِنَ الْفَسْخِ وَالْإِجَازَةِ. وَفِي وَجْهٍ مُخَرَّجٍ مِنَ الْمَوْتِ: أَنَّهُ يَنْقَطِعُ. وَلَوْ خَرَسَ أَحَدُهُمَا فِي الْمَجْلِسِ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ إِشَارَةٌ مَفْهُومَةٌ أَوْ كِتَابَةٌ، فَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ، وَإِلَّا نَصَّبَ الْحَاكِمُ نَائِبًا عَنْهُ.
فَرْعٌ
لَوْ جَاءَ الْمُتَعَاقِدَانِ مَعًا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: تَفَرَّقَنَا بَعْدَ الْبَيْعِ، فَلَزِمَ، وَأَنْكَرَ الثَّانِي التَّفَرُّقَ، وَأَرَادَ الْفَسْخَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي مَعَ يَمِينِهِ، لِلْأَصْلِ. وَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى التَّفَرُّقِ، وَقَالَ أَحَدُهُمَا: فَسَخْتُ قَبْلَهُ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَلَى الثَّانِي: قَوْلُ مُدَّعِي الْفَسْخَ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِتَصَرُّفِهِ. وَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى عَدَمِ التَّفَرُّقِ، وَادَّعَى أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، فَدَعْوَاهُ الْفَسْخَ فَسْخٌ. السَّبَبُ الثَّانِي لِلْخِيَارِ: الشَّرْطُ. يَصِحُّ خِيَارُ الشَّرْطِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنَّ زَادَ بَطَلَ الْبَيْعُ، وَيَجُوزُ دُونَ الثَّلَاثَةِ. فَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، فَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ أَوْ يَصِحُّ وَيُبَاعُ عِنْدَ الْإِشْرَافِ عَلَى الْفَسَادِ، وَيُقَامُ ثَمَنُهُ مَقَامَهُ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ «الْبَيَانِ» .
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْمُدَّةُ مُتَّصِلَةً بِالْعَقْدِ. فَلَوْ شَرَطَا خِيَارَ ثَلَاثَةٍ فَمَا دُونَهَا مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ، أَوْ مَتَى شَاءَا، أَوْ شَرَطَا خِيَارَ الْغَدِ دُونَ الْيَوْمِ، بَطَلَ الْبَيْعُ.
وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ الْخِيَارِ مُطْلَقًا، وَلَا تَقْدِيرُهُ بِمُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ. فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَ الْعَقْدُ، وَلَوْ شَرَطَا الْخِيَارَ إِلَى وَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ الْغَدِ جَازَ. وَلَوْ قَالَا: إِلَى طُلُوعِهَا، قَالَ الزُّبِيرِيُّ: لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّ السَّمَاءَ قَدْ تَغِيمُ فَلَا تَطْلُع، وَهَذَا بَعِيدٌ، فَإِنَّ التَّغَيُّمَ إِنَّمَا يَمْنَعُ مِنَ الْإِشْرَاقِ وَاتِّصَالِ الشُّعَاعِ، لَا مِنَ الطُّلُوعِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: إِلَى الْغُرُوبِ، وَإِلَى وَقْتِ الْغُرُوبِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: خِلَافُ قَوْلِ الزُّبِيرِيِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ تَبَايَعَا نَهَارًا بِشَرْطِ الْخِيَارِ إِلَى اللَّيْلِ، أَوْ عَكْسِهِ، لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، كَمَا لَوْ بَاعَ بِأَلْفٍ إِلَى رَمَضَانَ، لَا يَدْخُلُ رَمَضَانُ فِي الْأَجَلِ.
فَرْعٌ
لَوْ بَاعَ عَبْدَيْنِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فِي أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ بَطَلَ الْبَيْعُ، كَمَا لَوْ بَاعَ أَحَدَهُمَا لَا بِعَيْنِهِ. وَلَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِي أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، فَفِيهِ قَوْلَا الْجَمْعِ بَيْنَ مُخْتَلِفِي الْحُكْمِ، وَكَذَا لَوْ شَرَطَ فِي أَحَدِهِمَا خِيَارَ يَوْمٍ وَفِي الْآخَرِ يَوْمَيْنِ. فَإِنْ صَحَّحْنَا الْبَيْعَ ثَبَتَ الْخِيَارُ فِيمَا شَرَطَ كَمَا شَرَطَ. وَلَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِيهِمَا، ثُمَّ أَرَادَ الْفَسْخَ فِي أَحَدِهِمَا، فَعَلَى قَوْلَيْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَلَوِ اشْتَرَى اثْنَانِ شَيْئًا مِنْ وَاحِدٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً بِشَرْطِ الْخِيَارِ، فَلِأَحَدِهِمَا الْفَسْخُ فِي نَصِيبِهِ، كَمَا فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَلَوْ شُرِطَ لِأَحَدِهِمَا الْخِيَارُ دُونَ الْآخَرِ، صَحَّ الْبَيْعُ عَلَى الْأَظْهَرِ.
فَرْعٌ
لَوِ اشْتَرَى بِشَرْطِ أَنَّهُ [إِنْ] لَمْ يُنْقِدْهُ الثَّمَنَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا،
أَوْ بَاعَ بِشَرْطِ أَنَّهُ إِنْ رَدَّ الثَّمَنَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَا بَيْعَ بَيْنِهِمَا، بَطَلَ الْبَيْعُ، كَمَا لَوْ تَبَايَعَا بِشَرْطِ أَنَّهُ إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ الْيَوْمَ، فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: أَنَّهُ يَصِحُّ الْعَقْدُ، وَالْمَذْكُورُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى: شَرْطُ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي. وَفِي الثَّانِيَةِ: شَرْطٌ لِلْبَائِعِ.
فَرْعٌ
قَدِ اشْتُهِرَ فِي الشَّرْعِ أَنَّ قَوْلَهُ: لَا خِلَابَةَ، عِبَارَةٌ عَنِ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَإِذَا أَطْلَقَاهَا عَالِمَيْنِ بِمَعْنَاهَا، كَانَ كَالتَّصْرِيحِ بِالِاشْتِرَاطِ. وَإِنْ كَانَا جَاهِلَيْنِ لَمْ يَثْبُتِ الْخِيَارُ. فَإِنْ عَلِمَ الْبَائِعُ دُونَ الْمُشْتَرِي، فَوَجْهَانِ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
إِذَا شَرَطَا الْخِيَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ أَسْقَطَا الْيَوْمَ الْأَوَّلَ، سَقَطَ الْكُلُّ.
فَرْعٌ
إِذَا تَبَايَعَا بِشَرْطِ الْخِيَارِ ثَلَاثَةً فَمَا دُونَهَا، فَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ أَمْ مِنْ وَقْتِ التَّفَرُّقِ، أَوِ التَّخَايُرُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ. وَأَمَّا ابْتِدَاءُ مُدَّةِ الْأَجَلِ، فَإِنْ جَعَلْنَا الْخِيَارَ مِنَ الْعَقْدِ، فَالْأَجَلُ أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ. فَإِذَا قُلْنَا: ابْتِدَاءُ الْخِيَارِ مِنَ الْعَقْدِ، فَانْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَهُمَا مُصْطَحِبَانِ بَعْدُ، انْقَطَعَ خِيَارُ الشَّرْطِ وَبَقِيَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ. وَإِنْ تَفَرَّقَا وَالْمُدَّةُ بَاقِيَةٌ، فَالْحُكْمُ بِالْعَكْسِ. وَلَوْ أَسْقَطَا