الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرَّدُّ إِنِ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ جِنْسِ مَا بَاعَهُ، أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ لِعَمْرٍو أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِمِثْلِهِ، فَلَا رَدَّ لِزَيْدٍ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّ عَمْرًا يَرُدُّهُ عَلَيْهِ، فَلَا فَائِدَةَ، وَلَهُ الرَّدُّ فِي أَصَحِّهِمَا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا رَضِيَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ. وَلَوْ تَلَفَ فِي يَدِ زَيْدٍ ثُمَّ عَلِمَ بِهِ عَيْبًا قَدِيمًا، فَحَيْثُ يَرُدُّ لَوْ بَقَيَ يَرْجِعُ بِالْأَرْشِ، وَحَيْثُ لَا يَرُدُّ، لَا يَرْجِعُ.
الْحَالُ الرَّابِعُ: إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ، بِأَنْ رَهَنَهُ، ثُمَّ عَلِمَ الْعَيْبَ، فَلَا رَدَّ فِي الْحَالِ وَهَلْ لَهُ الْأَرْشُ؟ إِنْ عَلَّلْنَا بِاسْتِدْرَاكِ الظُّلَامَةِ، فَنَعَمْ. وَإِنْ عَلَّلْنَا بِتَوَقُّعِ الْعَوْدِ، فَلَا. فَعَلَى هَذَا، لَوْ تَمَكَّنَ مِنَ الرَّدِّ رَدَّهُ. وَإِنْ حَصَلَ الْيَأْسُ أَخَذَ الْأَرْشَ. وَإِنْ أَجَّرَهُ وَلَمْ نُجَوِّزْ بَيْعَ الْمُسْتَأْجِرِ، فَهُوَ كَالرَّهْنِ. وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ، فَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِهِ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ، رَدَّ عَلَيْهِ، وَإِلَّا تَعَذَّرَ الرَّدُّ، وَفِي الْأَرْشِ وَجْهَانِ. وَيَجْرِيَانِ فِيمَا لَوْ تَعَذَّرَ الرَّدُّ بِإِبَاقٍ أَوْ غَصْبٍ. وَلَوْ عَرِفَ الْعَيْبَ بَعْدَ تَزْوِيجِ الْجَارِيَةِ أَوِ الْعَبْدِ، وَلَمْ يَرْضَ الْبَائِعُ بِالْأَخْذِ، قَطَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَأْخُذُ الْأَرْشَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَدْرِكِ الظُّلَامَةَ، وَالنِّكَاحُ يُرَادُ لِلدَّوَامِ، فَالْيَأْسُ حَاصِلٌ. وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ، وَالْمُتَوَلِّي. وَلَوْ عَرَفَهُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ، فَفِي «التَّتِمَّةِ» : أَنَّهُ كَالتَّزْوِيجِ. وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ الْأَرْشَ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ، بَلْ يَصْبِرُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَدْرِكُ الظُّلَامَةَ بِالنُّجُومِ، وَقَدْ يَعُودُ إِلَيْهِ بِالْعَجْزِ، فَيَرُدُّهُ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَالرَّهْنِ، وَأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الِاسْتِدْرَاكُ بِالنُّجُومِ.
فَصْلٌ
الرَّدُّ بِالْعَيْبِ عَلَى الْفَوْرِ، فَيَبْطُلُ بِالتَّأْخِيرِ بِلَا عُذْرٍ. وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُضُورِ الْخَصْمِ وَقَضَاءِ الْقَاضِي. وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى الرَّدِّ مُعْتَبَرَةٌ بِالْعَادَةِ، فَلَا يُؤْمَرُ بِالْعَدْوِ وَالرَّكْضِ لِيَرُدَّ. وَلَوْ كَانَ مَشْغُولًا بِصَلَاةٍ أَوْ أَكْلٍ أَوْ قَضَاءِ حَاجَةٍ، فَلَهُ التَّأْخِيرُ إِلَى فَرَاغِهِ
وَكَذَا لَوِ اطَّلَعَ حِينَ دَخَلَ وَقْتُ هَذِهِ الْأُمُورِ فَاشْتَغَلَ بِهَا، فَلَا بَأْسَ. وَكَذَا لَوْ لَبِسَ ثَوْبًا أَوْ أَغْلَقَ بَابًا. وَلَوِ اطَّلَعَ لَيْلًا، فَلَهُ التَّأْخِيرُ إِلَى الصَّبَاحِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، فَقَدْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِيهِ تَرْتِيبًا مُشْكِلًا خِلَافَ الْمَذْهَبِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ كَيْفِيَّةَ الْمُبَادَرَةِ وَمَا يَكُونُ تَقْصِيرًا وَمَا لَا يَكُونُ، إِنَّمَا نَبْسُطُهُ فِي كِتَابِ «الشُّفْعَةِ» ، وَنَذْكُرُ هُنَا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، فَالَّذِي فَهِمْتُهُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ: أَنَّ الْبَائِعَ إِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ، رَدَّ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَكِيلِهِ، وَكَذَا إِنْ كَانَ وَكِيلُهُ حَاضِرًا، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْمُرَافَعَةِ إِلَى الْقَاضِي. وَلَوْ تَرَكَهُ، وَرَفَعَ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِي، فَهُوَ زِيَادَةُ تَوْكِيدٍ. وَحَاصِلُ هَذَا تَخَيْيُرُهُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنِ الْبَلَدِ رَفَعَ إِلَى الْقَاضِي. قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي فَتَاوِيهِ: يَدَّعِي شِرَاءَ ذَلِكَ الشَّيْءِ مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، وَأَنَّهُ أَقْبَضَهُ الثَّمَنَ وَظَهَرَ الْعَيْبُ، وَأَنَّهُ فَسَخَ، وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ فِي وَجْهٍ مُسَخَّرٍ يَنْصِبُهُ الْقَاضِي، وَيُحَلِّفُهُ الْقَاضِي مَعَ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ عَلَى غَائِبٍ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَبِيعَ مِنْهُ وَيَضَعُهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ، وَيَبْقَى الثَّمَنُ دَيْنًا عَلَى الْغَائِبِ، فَيَقْضِيهِ الْقَاضِي مِنْ مَالِهِ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ سِوَى الْمَبِيعِ، بَاعَهُ فِيهِ. وَإِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْخَصْمِ أَوِ الْقَاضِي فِي الْحَالَيْنِ، لَوْ تَمَكَّنَ مِنَ الْإِشْهَادِ عَلَى الْفَسْخِ، هَلْ يَلْزَمُهُ؟ وَجْهَانِ. قَطَعَ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» وَغَيْرُهُ، بِاللُّزُومِ. وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ أَخَّرَ بِعُذْرِ مَرَضٍ، أَوْ غَيْرِهِ. وَلَوْ عَجَزَ فِي الْحَالِ عَنِ الْإِشْهَادِ، فَهَلْ عَلَيْهِ التَّلَفُّظُ بِالْفَسْخِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ، وَصَاحِبِ «التَّهْذِيبِ» : لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ. وَإِذَا لَقِيَ الْبَائِعَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، لَمْ يَضُرَّ. فَلَوِ اشْتَغَلَ بِمُحَادَثَتِهِ، بَطَلَ حَقُّهُ.
فَرْعٌ
لَوْ أَخَّرَ الرَّدَّ مَعَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ، ثُمَّ قَالَ: أَخَّرْتُ لِأَنِّي لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ لِي الرَّدَّ، فَإِنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ نَشَأَ فِي بَرِّيَّةٍ لَا يَعْرِفُونَ الْأَحْكَامَ، قُبِلَ قَوْلُهُ، وَلَهُ الرَّدُّ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِالتَّأْخِيرِ، قُبِلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ يَخْفَى عَلَى الْعَوَامِّ.
قُلْتُ: إِنَّمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ الرَّدَّ عَلَى الْفَوْرِ، وَقَوْلُ الشَّفِيعِ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ الشُّفْعَةَ عَلَى الْفَوْرِ، إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُهُ، وَقَدْ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ بِهَذَا فِي كِتَابِ «الشُّفْعَةِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
حَيْثُ بَطَلَ الرَّدُّ بِالتَّقْصِيرِ، بَطَلَ الْأَرْشُ.
فَرْعٌ
لَيْسَ لِمَنْ لَهُ الرَّدُّ، أَنْ يُمْسِكَ الْمَبِيعَ وَيُطَالِبَ بِالْأَرْشِ، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الرَّدِّ، وَيَدْفَعُ الْأَرْشَ. فَلَوْ رَضِيَا بِتَرْكِ الرَّدِّ عَلَى جُزْءٍ مِنَ الثَّمَنِ، أَوْ مَالٍ آخَرَ، فَفِي صِحَّةِ هَذِهِ الْمُصَالَحَةِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، فَيَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّ مَا أَخَذَ. وَهَلْ يَبْطُلُ حَقُّهُ مِنَ الرَّدِّ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا، وَالْوَجْهَانِ إِذَا ظَنَّ صِحَّةَ الْمُصَالَحَةِ. فَإِنْ عَلِمَ بُطْلَانَهَا، بَطَلَ حَقُّهُ قَطْعًا.
فَرْعٌ
كَمَا أَنَّ تَأْخِيرَ الرَّدِّ مَعَ الْإِمْكَانِ تَقْصِيرٌ، فَكَذَا الِاسْتِعْمَالُ وَالِانْتِفَاعُ وَالتَّصَرُّفُ، لِإِشْعَارِهَا بِالرِّضَا. فَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ رَقِيقًا، فَاسْتَخْدَمَهُ فِي مُدَّةِ طَلَبِ الْخَصْمِ أَوِ الْقَاضِي، بَطَلَ حَقُّهُ. وَإِنْ كَانَ بِشَيْءٍ خَفِيفٍ، كَقَوْلِهِ: اسْقِنِي أَوْ نَاوِلْنِي الثَّوْبَ أَوْ أَغْلِقِ الْبَابَ، فَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُؤْمَرُ بِهِ غَيْرُ الْمَمْلُوكِ، وَبِهِ قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ. وَالْأَصَحُّ الْأَشْهَرُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ.
قُلْتُ: قَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ «التَّلْخِيصِ» : لَوْ جَاءَهُ الْعَبْدُ بِكُوزِ مَاءٍ، فَأَخَذَ الْكُوزَ، لَمْ يَضُرَّ لَأَنَّ وَضْعَ الْكُوزِ فِي يَدِهِ، كَوَضْعِهِ عَلَى الْأَرْضِ. فَإِنْ شَرِبَ وَرَدَّ الْكُوزَ إِلَيْهِ، فَهُوَ اسْتِعْمَالٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ رَكِبَ الدَّابَّةَ لَا لِلرَّدِّ، بَطَلَ حَقُّهُ، وَإِنْ رَكِبَهَا لِلرَّدِّ أَوِ السَّقْيِ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْبُطْلَانِ أَيْضًا، كَمَا لَوْ لَبِسَ الثَّوْبَ لِلرَّدِّ، فَإِنْ كَانَتْ جَمُوحًا يَعْسُرُ سَوْقُهَا وَقَوْدُهَا، فَهُوَ مَعْذُورٌ فِي الرُّكُوبِ. وَلَوْ رَكِبَهَا لِلِانْتِفَاعِ فَاطَّلَعَ عَلَى الْعَيْبِ، لَمْ تَجُزِ اسْتِدَامَةُ الرُّكُوبِ وَإِنْ تَوَجَّهَ لِلرَّدِّ. وَإِنْ كَانَ لَابِسًا، فَاطَّلَعَ عَلَى عَيْبِ الثَّوْبِ فِي الطَّرِيقِ فَتَوَجَّهَ لِلرَّدِّ وَلَمْ يَنْزِعْ، فَهُوَ مَعْذُورٌ ; لِأَنَّ نَزْعَ الثَّوْبِ فِي الطَّرِيقِ لَا يُعْتَادُ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ. وَلَوْ عَلَفَ الدَّابَّةَ أَوْ سَقَاهَا أَوْ حَلَبَهَا فِي الطَّرِيقِ، لَمْ يَضُرَّ. وَلَوْ كَانَ عَلَيْهَا سَرْجٌ أَوْ إِكَافٌ، فَتَرَكَهُ عَلَيْهَا، بَطَلَ حَقُّهُ؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاحْتَاجَ إِلَى حَمْلٍ أَوْ تَحْمِيلٍ. وَيُعْذَرُ بِتَرْكِ الْعِذَارِ وَاللِّجَامِ؛ لِأَنَّهُمَا خَفِيفَانِ لَا يُعَدُّ تَعْلِيقُهُمَا عَلَى الدَّابَّةِ انْتِفَاعًا، وَلِأَنَّ الْقَوْدَ يَعْسُرُ دُونَهُمَا. وَلَوْ أَنْعَلَهَا فِي الطَّرِيقِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: إِنْ كَانَتْ تَمْشِي بِلَا نَعْلٍ بَطَلَ حَقُّهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَنَقَلَ الرُّويَانِيُّ وَجْهًا فِي جَوَازِ الِانْتِفَاعِ فِي الطَّرِيقِ مُطْلَقًا، حَتَّى رَوَى عَنْ أَبِيهِ جَوَازَ وَطْءِ الْجَارِيَةِ الثَّيِّبِ.