الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مَنْزِلَةَ حَلِفِ النَّاكِلِ أَوَّلًا. وَلَوْ نَكَلَ الْأَوَّلُ عَنْ يَمِينِ النَّفْيِ أَوَّلًا، حَلَفَ الْآخَرُ عَلَى النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَقُضِيَ لَهُ. وَلَوْ حَلَفَا عَلَى النَّفْيِ فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: يَكْفِي ذَلِكَ، وَلَا حَاجَةَ بَعْدَهُ إِلَى يَمِينِ الْإِثْبَاتِ ; لِأَنَّ الْمُحْوِجَ إِلَى الْفَسْخِ جَهَالَةُ الثَّمَنِ وَقَدْ حَصَلَتْ. وَالثَّانِي: تُعْرَضُ يَمِينُ الْإِثْبَاتِ عَلَيْهِمَا. فَإِنْ حَلَفَا تَمَّ التَّحَالُفُ. وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا، قُضِيَ لِلْحَالِفِ. وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْمُخَرَّجِ فِي تَقْدِيمِ النَّفْيِ أَوِ الْإِثْبَاتِ كَمَا ذَكَرْنَا عَلَى الْمَذْهَبِ. فَلَوْ نَكَلَا جَمِيعًا فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَتَحَالُفِهِمَا. وَالثَّانِي: يُوقَفُ الْأَمْرُ وَكَأَنَّهُمَا تَرَكَا الْخُصُومَةَ.
قُلْتُ: هَذَانِ الْوَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ احْتِمَالَيْنِ لِنَفْسِهِ، وَذَكَرَ أَنَّ أَئِمَّةَ الْمَذْهَبِ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ أَنَّهُ رَأَى التَّوَقُّفَ لِبَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْبَسِيطِ» : لَهُ حُكْمُ التَّحَالُفِ عَلَى الظَّاهِرِ. وَالْأَصَحُّ: اخْتِيَارُ التَّوَقُّفِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
إِذَا تَحَالَفَا، فَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِمُجَرَّدِ التَّحَالُفِ. وَفِي وَجْهٍ: يَنْفَسِخُ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْفَارِسِيِّ، فَإِنْ قُلْنَا: يَنْفَسِخُ، فَتَصَادَقَا بَعْدَهُ، لَمْ يَعُدِ الْبَيْعُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ عَقْدٍ. وَهَلْ يَنْفَسِخُ فِي الْحَالِ، أَوْ نَتَبَيَّنُ ارْتِفَاعَهُ مَنْ أَصْلِهِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ لِنُفُوذِ تَصَرُّفَاتِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الِاخْتِلَافِ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ دَعَاهُمَا الْحَاكِمُ بَعْدَ التَّحَالُفِ إِلَى الْمُوَافَقَةِ، فَإِنْ دَفَعَ الْمُشْتَرِي مَا طَلَبَهُ الْبَائِعُ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ، وَإِلَّا فَإِنْ قَنَعَ بِمَا قَالَهُ الْمُشْتَرِي فَذَاكَ، وَإِلَّا فَيُفْسَخُ الْعَقْدُ. وَفِي مَنْ يَفْسَخُ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: الْحَاكِمُ. وَأَصَحُّهُمَا لِلْعَاقِدَيْنِ أَيْضًا أَنْ يَفْسَخَا، وَلِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ كَالْفَسْخِ بِالْعَيْبِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَإِذَا قُلْنَا: الْحَاكِمُ هُوَ الَّذِي يَفْسَخُ، فَذَاكَ إِذَا اسْتَمَرَّا عَلَى النِّزَاعِ وَلَمْ يَفْسَخَا،
أَوِ الْتَمَسَا الْفَسْخَ. أَمَّا إِذَا أَعْرَضَا عَنِ الْخُصُومَةِ، وَلَمْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ، وَلَا فَسَخَا، فَفِيهِ تَرَدُّدٌ. ثُمَّ إِذَا فُسِخَ الْعَقْدُ ارْتَفَعَ فِي الظَّاهِرِ. وَفِي ارْتِفَاعِهِ فِي الْبَاطِنِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ الْبَائِعُ صَادِقًا ارْتَفَعَ؛ لِتَعَذُّرِ وُصُولِهِ إِلَى حَقِّهِ. كَمَا لَوْ فُسِخَ بِإِفْلَاسِهِ. وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَلَا؛ لِتَمَكُّنِهِ بِالصِّدْقِ مِنْ حَقِّهِ. وَهَلْ يَجْرِي مِثْلُ هَذَا الْخِلَافِ إِذَا قُلْنَا: يَنْفَسِخُ بِمُجَرَّدِ التَّحَالُفِ، أَمْ يُقْطَعُ بِالِارْتِفَاعِ بَاطِنًا؟ وَجْهَانِ. فَإِذَا قُلْنَا: يَرْتَفِعُ بَاطِنًا، تَرَادَّا، وَتَصَرَّفَ كُلُّ وَاحِدٍ فِيمَا عَادَ إِلَيْهِ. وَإِنْ مَنَعْنَاهُ، لَمْ يَجُزْ لَهُمَا التَّصَرُّفُ، لَكِنْ إِنْ كَانَ الْبَائِعُ صَادِقًا، فَقَدْ ظَفَرَ بِمَالِ مَنْ ظَلَمَهُ، وَهُوَ الْمَبِيعُ الَّذِي اسْتَرَدَّهُ، فَلَهُ بَيْعُهُ بِالْحَاكِمِ عَلَى وَجْهٍ، وَبِنَفْسِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَسْتَوْفِي حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: إِنْ صَدَرَ الْفَسْخُ مِنَ الْمُحِقِّ، فَالْوَجْهُ تَنْفِيذُهُ بَاطِنًا. وَإِنْ صَدَرَ مِنَ الْمُبْطِلِ، فَالْوَجْهُ مَنْعُهُ. وَإِنْ صَدَرَ مِنْهُمَا، فَلَا شَكَّ فِي الِانْفِسَاخِ بَاطِنًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَوْضِعَ الْخِلَافِ، وَيَكُونُ كَمَا لَوْ تَقَابَلَا. وَإِذَا صَدَرَ مِنَ الْمُبْطِلِ، وَلَمْ يُنْفِذْهُ بَاطِنًا فَطَرِيقُ الصَّادِقِ إِنْشَاءُ الْفَسْخِ إِنْ أَرَادَ الْمِلْكَ فِيمَا عَادَ إِلَيْهِ. وَإِنْ صَدَرَ مِنَ الْقَاضِي فَالظَّاهِرُ: الِانْفِسَاخُ بَاطِنًا لِيَنْتَفِعَ بِهِ الْمُحِقُّ.
فَرْعٌ
إِذَا انْفَسَخَ الْبَيْعُ بِالتَّحَالُفِ أَوْ فُسِخَ لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ رَدُّ الْمَبِيعِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا بِحَالِهِ، وَيَبْقَى لَهُ الْوَلَدُ وَالثَّمَرَةُ وَالْكَسْبُ وَالْمَهْرُ. وَإِنْ كَانَ تَالِفًا لَزِمَهُ قِيمَتُهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ أَكَثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْبَائِعُ، أَمْ لَا.
قُلْتُ: وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ لِابْنِ خَيْرَانَ: لَا يَسْتَحِقُّ الْبَائِعُ زِيَادَةً عَلَى مَا ادَّعَاهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْقِيمَةِ الْمُعْتَبَرَةِ أَوْجُهٌ. وَقَالَ الْإِمَامُ: أَقْوَالٌ. أَصَحُّهَا: قِيمَةُ يَوْمِ التَّلَفِ. وَالثَّانِي: يَوْمَ الْقَبْضِ. وَالثَّالِثُ: أَقَلُّهَا. وَالرَّابِعُ: أَكْثَرُ الْقِيَمِ مِنَ الْقَبْضِ إِلَى
التَّلَفِ. وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ، فَتَلَفَ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ اخْتَلَفَا وَتَحَالَفَا، فَهَلْ يُرَدُّ الْعَبْدُ الْبَاقِي؟ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي مِثْلِهِ إِذَا وُجِدَ الْبَاقِي مَعِيبًا. إِنْ قُلْنَا: يُرَدُّ، فَيَضُمُّ قِيمَةَ التَّالِفِ إِلَيْهِ. وَفِي الْقِيمَةِ الْمُعْتَبَرَةِ هَذِهِ الْأَوْجُهُ. وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ بَاقِيًا، لَكِنْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ، رَدَّهُ مَعَ الْأَرْشِ، وَهُوَ قَدْرُ مَا نَقَصَ مِنَ الْقِيمَةِ ; لِأَنَّ الْكُلَّ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الْقِيمَةِ، فَبَعْضُهُ بِبَعْضِهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَاقْتَضَى الْحَالُ الْأَرْشَ، يَجِبُ جُزْءٌ مِنَ الثَّمَنِ ; لِأَنَّ الْكُلَّ مَضْمُونٌ عَلَى الْبَائِعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، فَبَعْضُهُ بِبَعْضِهِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: هَذَا أَصْلٌ مُطَّرِدٌ فِي الْمَسَائِلِ: أَنَّ مَا ضُمِنَ كُلُّهُ بِالْقِيمَةِ، فَبَعْضُهُ بِبَعْضِهَا كَالْمَغْصُوبِ وَغَيْرِهِ، إِلَّا فِي صُورَةٍ، وَهِيَ لَوْ عَجَّلَ زَكَاةَ مَالِهِ، فَتَلَفَ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَكَانَ مَا عَجَّلَهُ تَالِفًا، يَغْرُمُ الْقَابِضُ الْقِيمَةَ. وَلَوْ كَانَ مَعِيبًا، فَفِي الْأَرْشِ وَجْهَانِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الزَّكَاةِ وَمَيْلَ الشَّيْخِ إِلَى طَرْدِ الْأَصْلِ فِيهَا.
ثُمَّ التَّلَفُ قَدْ يَكُونُ حُكْمِيًّا، بِأَنْ وَقَفَ الْمَبِيعَ، أَوْ أَعْتَقَهُ، أَوْ بَاعَهُ، أَوْ وَهَبَهُ وَأَقْبَضَهُ، فَتَجِبُ الْقِيمَةُ، وَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ مَاضِيَةٌ عَلَى الصِّحَّةِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ الْفَارِسِيُّ: نَتَبَيَّنُ بِالتَّحَالُفِ فَسَادَهَا، وَتُرَدُّ الْعَيْنُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَالتَّعَيُّبُ أَيْضًا قَدْ يَكُونُ حَقِيقِيًّا، وَقَدْ يَكُونُ حُكْمِيًّا، بِأَنْ زَوَّجَ الْأَمَةَ، فَعَلَيْهِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا مُزَوَّجَةً وَخَلِيَّةً، وَتَعُودُ إِلَى الْبَائِعِ، وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ. وَعَنِ الْفَارِسِيِّ: أَنَّهُ يَبْطُلُ النِّكَاحُ. وَمَهْمَا اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ أَوِ الْأَرْشِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي. وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ الْمَبِيعُ قَدْ أَبَقَ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي حِينَ تَحَالَفَا، لَمْ يَمْتَنِعِ الْفَسْخُ، فَإِنَّ الْإِبَاقَ لَا يَزِيدُ عَلَى التَّلَفِ، وَيَغْرُمُ الْمُشْتَرِي قِيمَتَهُ، لِتَعَذُّرِ حُصُولِهِ. وَكَذَا لَوْ كَاتَبَهُ كِتَابَةً صَحِيحَةً. وَإِنْ رَهَنَهُ فَالْبَائِعُ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ صَبَرَ إِلَى فِكَاكِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْقِيمَةَ. وَإِنْ آجَرَهُ، بُنِيَ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُسْتَأْجَرِ. إِنْ مَنَعْنَاهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ رَهَنَهُ، وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ فَلِلْبَائِعِ أَخْذُهُ، لَكِنَّهُ يُتْرَكُ عِنْدَ الْمُسْتَأْجِرِ إِلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَالْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ لِلْمُشْتَرِي، وَعَلَيْهِ لِلْبَائِعِ أُجْرَةُ