الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لم يرم أباه بالجهل، وقد منعه الخُلُق الودود من ذلك، بل قال له (جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ)
والمعرفة (مَا لَمْ يَأْتِكَ) فتعفف عن أن يرميه بالجهل، وتعفف عن ادعاء العلم الكامل حتى لَا يكون مستطيلا بفضل علمه على أبيه ومستعليا عليه، بل قال:(مِنَ الْعِلْمِ)، أي بعض العلم، وذلك يجعلني أدعوك إلى الحق، وذكره العلم داع لأن يتبعه؛ لأن الأب الرفيق العاطف يحب لابنه العلم، ولو كان أعلى منه، وإذا كان له بعض العلم الذي يسره، ولا يضره، فإنه يتبعه، ولذا قال:(فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا)" الفاء " هنا تفصح عن شرط مقدر تقديره: إذا كنت قد أوتيت هذا العلم فاتبعني أهدك، كما يتبع السائر في طريق لَا يعلمه الرائد الخريت (1) العارف.
والصراط: الطريق كما ذكرنا، والسوي: المستوي الذي لَا عوج فيه ولا أمت، وقد قال الزمخشري في هذا النداء من ذلك الابن البار بأبيه:" ثنى عليه السلام بدعوته إلى الحق مترفقا متلطفا، فلم يسم أباه بالجهل المفرط، ولا نفسه بالعلم الفائق، ولكنه قال إن معي طائفة من العلم وشيئا منه ليس معك، وذلك علم الدلالة على الطريق السوي فلا تستنكف، وهبني وإياك في سير وعندي معرفة بالهداية دونك، فاتبعني أنجيك من أن تضل وتتيه ".
وبعد أن نبه إلى أنه لَا يليق أن يعبد ما لَا يسمع ولا يبصر وأمره باتباعه؛ لأنه بين له أن هذه الضلالة وهي عبادة ما لَا ينفع ولا يضر عبادة للشيطان عدو آدم وذريته فقال:
(1) الخَرِّيت: الدليل الحاذق بالهداية والدلالة (فى الطريق). لسان العرب - القاموس المحيط.
(يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا
(44)
ناداه بالأبوة وكرره تعطيفا وتلطيفا وتقربا، وكان النهي (لا تَعْبُد الشَّيْطَانَ) وعبادة الشيطان في أنه أطاع غوايته التي توعد بها عباد اللَّه فقال:(. . . لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)، فطاعته في معنى عبادته، ولأن
الأهواء والأوهام هي التي سهلت عبادة الأحجار وذلك كله من الشيطان، بل هو من غوايته، والشيطان عدو الله، وعدو آدم فهو عدو الإنسانية يرديها ويوقعها في أشد الضلال، ويبعد من الحق، ولذلك كان النهي، وهو في ذاته يكون بقوة لا تخلو من مساعدة، ثم وصف الشيطان بأنه عاص مبعد عن رحمة الرحمن فقال:(إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا)، عَصِي على وزن فعيل من عصى، أي أنه مبالغ في العصيان، وعبر عن الذات العلية بـ (الرحمن) للإشارة إلى أن عصيان الشيطان رحمة، وطاعته نقمة، فمن عصاه فقد رحم، ومن أطاعه ألقى بنفسه في وهدة الشقوة، وبعد عن السعادة ورحمة الرحمن.
ويقول الزمخشري في ذلك أيضا: " ثم ثلث بتثبيطه ونهيه كما كان عليه بأن الشيطان الذي استعصى على ربك الرحمن الذي جميع ما عندك من النعم من عنده، وهو عدوك الذي لَا يريد بك إلا كل هلاك وخزي ونكال. وعدو أبيك آدم، وجنسك كلهم هو الذي ورطك في هذه الضلالة، وأمرك بها وزينها لك فأنت إن حققت النظر عابد الشيطان، إلا أن إبراهيم عليه السلام لإمعانه في الإخلاص ولارتقاء همته الربانية لم يذكر من جنايتي الشيطان التي تختص منهما برب العزة من عصيانه واستكباره ولم يلتفت إلى ذكر معاداته لآدم وذريته، كأن النظر في عظم ما ارتكب من ذلك غمر فكره وأطبق على ذهنه ".
ونقول إن الشرك هو أعظم ما وسوس به إبليس وألقى به الأوهام في نفس، وما دونه قد يناله الغفران، وقد قال تعالى:(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِر أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ. . .).
بعد هذا النهي الصريح القاطع عن عبادة الأوثان، وذكره أن عبادتها عبادة للشيطان، لأنه هو الذي وسوس بها ذكر ما يخاف على أبيه، وذلك استمرار في الحنان والعطف على أبيه فقال تعالى عنه:
(يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)