الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التحريق في مقابل ما قام به من تكسير وتحطيم لأصنامهم، حتى جعلها جذاذا فتاتا متكسرا تفرقت أجزاؤها؛ ولذا قالوا:(وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ)، أي خذوا بثأرهم عن الحَطْم الذي صغر به أمرهم، وأضعف به شأنهم، وقال قائلهم المتحدث في جمعهم عنهم:(إِن كنتُمْ فَاعِلِينَ) أي إن كنتم تريدون الثأر لآلهتكم فأحرقوه، وإلا فالمهانة والعار والشنار، وإن ذلك يدل على أنه كان في بعضهم تردد أو عطف، أو عدم إيمان حازم بما هم فيه من الضلال.
ولكن إبراهيم المؤمن بالله وبالحق لم يعرهم التفاتا، ولم يفزع من تهديدهم؛ لأنه يعلم أن الحق أبقى، ومن لَا يفتدي الحق بنفسه لَا يستحقه، فلابد فيه من فداء وقد عرف أبو الأنبياء من بعد بالفداء والبلاء فقد قبل أن يذبح ابنه لرؤيا صادقة رآها، حتى فداه الله بذبح عظيم.
ألقوا بإبراهيم خليل الله في النار، وهو الصابر الراضي بحكم الله، ألقوه في أتون النيران، وقد بُني لها بناء تضطرم فيه، ولكن أمر الله تعالى كان فوق أمرهم وقدرته قاهرة عليهم، فأُلقي إبراهيم في النار وتلقفته في ساعتها رحمة رب العالمين:
(قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ
(69)
أي كوني بردا أي باردة ليست متوهجة وهو آمن في سلام لَا يجزع من رؤيتها ولا يفزع من لهبها.
ومساق الكلام لَا يدل على أنها أطفئت بريح شديدة، ولا مطر انهمر عليها، ولكنها المعجزة أنها بقيت متوهجة ولم تحرقه، فالله تعالى أزال عنها خاصة الحرق بالنسبة لإبراهيم، ومنعت من أن يصل أذاها إليه، كأن بجسمه موانع مانعة وحائلا يحول بينه وبينها.
نجا إبراهيم عليه السلام بهذه المعجزة الباهرة، وكان فيها معنى التحدي لأنهم أرادوا الغلب والانتصار لآلهتهم فلم يؤذ ولا هابها، وكان ذلك إعجازا لهم، وكان حقا عليهم من قبل ومن بعد أن يذعنوا، ولكن غلبت عليهم شقوتهم.