الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بـ (سَأَتْلُو)، أي سأخبركم بخبره وأقص عليكم قصصه، والتعبير بـ (أتلو) يشير إلى أنه قد نزل فيه قرآن وما أقص هو قرآن صادق لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنه تنزيل من حكيم حميد.
(إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا
(84)
أي جعلناه ممكنا في الأرض آتيناه حكما ثابت الدعائم قائما على عُمُد ثابتة ممكَّنة، وآتيناه سببا من كل شيء، السبب هو الطريق الموصل والحبل المربوط الذي يصل بين الأشياء، أي آتيناه سببا من كل شيء، بأن آتيناه علما يوصل لأي شيء يختاره، فآتيناه من السلطان أسبابا، ومن العلم أسبابا، ومن الإصلاح الزراعي والتجاري. والسبب في الأصل الحبل، فالمعنى آتيناه علما يتخذه سببا لكل ما يرى.
(فَأَتْبَعَ سَبَبًا
(85)
أي أنه يردف السبب سببا لشيء آخر، وهكذا تتوارد أسباب العمل سببا يتبع سببا، أي يجيء من بعده تابعا له، وهكذا مُكِّن في الدنيا، إذ اتخذ سبيل الحق والعدل، يسلك الأسباب الموصلة بما آتاه اللَّه من العلم والإدراك فإذا كان عادلا منصفا استقر حكمه، وانتظمت الأمور، وإذا انتظمت الأمور قويت الجماعة واستقامت الأخلاق وسادت الفضيلة وانتصرت في الحروب وإذا انتصرت أنصفت، وجلبت المصالح، ودفعت المضار، وهكذا تترادف الأسباب وتستقيم الأمور، وإنه بتوافر الخير واتخاذ الأسباب المكونة لدولة قوية عادلة، سار في الأقاليم فاتحا ناشرا لواء والعدل.
ولذا سار يجوس خلال الدول فاتحا مظلا الجماعات بلواء العدل.
(حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا
(86)
اتجه في سيره إلى غرب بلاده أولا، لأنها الأقاليم التي تصاقبه، وإن الحاكم العادل يؤمِّن أرضه من جيرانه أولا، ثم يتجه إلى ما بعدها شيئا فشيئا حتى يصل
إلى أقصاها، وكذلك فعل، ولذا قال تعالى عنه:(حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ).
" الحمئة " أي ذات حمأة، والحمأ الطين، كما قال تعالى:(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مسْنُونٍ).
أي أن الشمس تغرب لترى في عين من الماء حمئة، أي فيها طين.
وقرى (حامية)، أي أن هذه العين من الماء حارة شديدة الحرارة، أو حامية أصلها حامئة، أي كثيرة الطين وتتلاقى مع قراءة (حَمِئَةٍ) إذ اللفظ واحد في جملته وإن جرى فيه قلب.
والمراد أن الشمس ترى كأنها غاربة في عين ماء فيها طين، حمأ، وما المراد من هذه العين؛ المراد منها الماء، ولكن أهو ماء المحيط، أم البحر، أم هو ماء نهر؟ الظاهر لدي أنه ماء نهر، لَا ماء محيط، لأنه ذكر أنه عين، وماء العيون في أكثر أحواله ليس ماء ملحا، وإن كان فهو معدني إلى العذوبة أميل، ولأنه ذكر أنها عين حمئة، أي التي اختلط ماؤها بطين، وتلك تكون في الأنهار لَا في البحار.
ومهما يكن فقد كان اتجاهه ونهايته إلى الغرب من آسيا وأصقابها كبلاد البلغار، ونحوها.
هذا كان اتجاهها إلى الغرب، (وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا) وجد ناسا قد تهيأ لحكمهم فعلمه اللَّه تعالى بإلهام الحكمة نوع الحكم الذي يحكم، وردد في عقله وقلبه كيف يحكم، (قلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا)، تردد في قلبه أيحكمهم بالعنف والقسوة، أو يحكمهم بالرفق، فمعنى قول اللَّه تعالى بهذا التردد أنه ردد في نفسه وعقله وقلبه بنور اللَّه تعالى أن يكون عمله أحد أمرين، إما العذاب وإما الإحسان بالتهذيب والإرشاد والتوجيه، وهذا معنى (وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا)، أي إحسانا بالعدل دماقامة القسطاس وسن الشرائع الهادية الموجهة وغير المردية، والحَسَن هو ضد القبيح، واتخاذ الحُسْن معناه اتخاذ ما ليس